البيع العقاري في لبنان: عقد البيع العادي والوكالة غير القابلة للعزل والقيد في السجل العقاري
يستند المتعاملون في العقار في لبنان إلى عقد بيع عادي أو إلى وكالة غير قابلة للعزل، وقد يتأخر القيد في السجل العقاري سنوات. يعرض هذا المقال ما ينقله كل من هذين السندين وما لا ينقله، ومهلة الخمس سنوات على الوكالة العادية، ومرور الزمن العشري على حق المشتري، وانقطاعه.
أولاً: القيد في السجل العقاري هو الناقل للملكية
لا تنتقل الملكية العقارية بمفعول العقد، بل بالقيد في السجل العقاري. فالصكوك الرضائية والاتفاقات التي ترمي إلى إنشاء حق عيني أو نقله أو تعديله أو إسقاطه «لا تكون نافذة، حتى بين المتعاقدين، إلا اعتباراً من تاريخ قيدها»، على أن ذلك لا يمنع المتعاقدين «من ممارسة حقوقهم ودعاويهم المتبادلة عند عدم تنفيذ اتفاقاتهم» (المادة 11 من القرار 188/1926). ويتم اكتساب الحقوق العينية وانتقالها بقيدها في السجل العقاري (المادة 204 من قانون الملكية العقارية)، وبيع العقار أو الحقوق العينية المترتبة عليه «لا يكون له مفعول حتى بين المتعاقدين إلا من تاريخ قيده في السجل العقاري» (المادة 393 من قانون الموجبات والعقود).
ينتج عن ذلك أن عقد البيع العقاري غير المسجل، مهما كان صحيحاً بين طرفيه، لا يجعل المشتري مالكاً؛ وإنما يوليه حقاً شخصياً في مطالبة البائع بالتسجيل. وهذا ما استقرّ عليه اجتهاد محكمة التمييز: فعقد البيع العقاري العادي يولي المشتري حقاً شخصياً بمطالبة المالك بالتسجيل، وهذا الحق يسقط بمرور الزمن العشري (محكمة التمييز المدنية، الغرفة العاشرة، قرار رقم 33 تاريخ 9/7/2009).
ثانياً: عقد البيع العادي والوكالة غير القابلة للعزل
عقد البيع العادي هو العقد الموقّع بين البائع والمشتري خارج السجل العقاري. أما البيع الممسوح فهو العقد الذي يُنظَّم لغاية القيد، ويكون ذلك بحضور الطرفين أمام رئيس المكتب العقاري المعاون في منطقة العقار، أو بتنظيم الطلب والعقد لدى الكاتب العدل تمهيداً لتقديمهما إلى المكتب العقاري، ويُجرى القيد على أساسه (المادتان 11 و49 من القرار 188/1926؛ المادة 22 من قانون نظام الكتاب العدل رقم 337 تاريخ 8/6/1994). فالعقد العادي يُلزم البائع بالتسجيل ولا ينقل الملكية؛ والقيد وحده ينقلها.
والوكالة غير القابلة للعزل ليست عقد البيع. وهي لا تكون غير قابلة للعزل بمجرد تسميتها كذلك، بل متى كانت «منعقدة في مصلحة الوكيل أو شخص آخر»، فعندئذ «لا يحق للموكل أن يرجع عن الوكالة إلا برضى الفريق الذي انعقدت لأجله» (المادة 810 من قانون الموجبات والعقود). ويستخلص القضاء هذه المصلحة من مضمون الوكالة نفسها: كأن تنظَّم لمصلحة شخص معيّن باسمه، أو تتضمن ما يفيد وصول الثمن كاملاً إلى الموكل أو إبراءً غير معلّق على شرط (محكمة الدرجة الأولى في جبل لبنان، الغرفة الأولى، حكم تاريخ 4/8/2009).
وحتى لو فُسّرت الوكالة غير القابلة للعزل بأنها تخفي بيعاً تاماً بين طرفيها، فإنها لا تنقل الملكية إلى المشتري ولا حتى بين المتعاقدين، لأن نقل الملكية لا يتم إلا بالتسجيل (المادة 393 من قانون الموجبات والعقود؛ محكمة التمييز المدنية، قرار رقم 122 تاريخ 27/11/2012). ويبقى تقدير مضمونها، وما إذا كانت تجمع عناصر البيع، من مسائل الواقع التي تنظر فيها محكمة الأساس ضمن حدود عدم التشويه (القرار نفسه). فالوكالة غير القابلة للعزل لا ترتّب سوى حق شخصي، ولا بد من استعمالها لتنظيم البيع الممسوح وإجراء القيد كي تنتقل الملكية.
ثالثاً: مهلة الخمس سنوات على الوكالة
يتحتّم على من يطلب قيداً بصفته وكيلاً عن الغير أن يثبت وكالته بإبراز وكالة رسمية مستوفية للشروط القانونية، «وإذا كان الطلب يتعلق بتسجيل حق عيني فعلى الوكيل أن يبرز وكالة لا يرجع تاريخها إلى أكثر من خمس سنوات» (المادة 50 من القرار 188/1926 المعدلة بقانون 19/2/1953). والحكمة من النص حماية الموكل الذي قد يكون عدل عن البيع وأهمل عزل وكيله.
وتختلف مفاعيل هذه المهلة باختلاف الوكالة:
الوكالة العادية. تعتبر محكمة التمييز مهلة الخمس سنوات مهلة إسقاط لا يجوز للإرادة تعديلها، ويمكن لأمين السجل العقاري إثارتها عفواً. وتصرّف الوكيل بعد انقضائها يُعدّ صادراً عن غير ذي حق، ولا يمكن للقضاء إلزام الموكل بتسجيل بيع أجراه الوكيل بعد المهلة، وإلا بقي نص المادة 50 من القرار 188/1926 من دون موضوع. وقد نقضت محكمة التمييز القرار الاستئنافي الذي حصر أثر السقوط بعملية التسجيل وحدها (محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، قرار رقم 25 تاريخ 19/6/2015، وبالمعنى نفسه قرارها الصادر عن الغرفة الثانية تاريخ 16/1/1967). أما إذا كان الوكيل قد أبرم البيع قبل انقضاء السنوات الخمس، فقد ذهب رأي في الفقه إلى أن العقد يلزم الموكل، ويبقى للمشتري أن يطالب البائع نفسه بتنفيذ موجب التسجيل، استناداً إلى المادة 11 من القرار 188/1926 التي تحفظ للمتعاقدين دعاواهم المتبادلة. فالدعوى في هذه الحالة تقوم على عقد البيع، لا على الوكالة.
الوكالة غير القابلة للعزل. لا تسري عليها مهلة الخمس سنوات. فالموكل يتنازل فيها عن حق العزل، فتنتفي الريبة في دوام رغبته في البيع بعد انقضاء مدة طويلة على تنظيمها، ولا يكون من داع إلى تجديدها، ويمكن الوكيل أن يتقدم أمام الدائرة المختصة لتنفيذ مضمونها حتى بعد انقضاء هذه المدة (محكمة التمييز المدنية، الغرفة الثانية، قرار رقم 31 تاريخ 18/4/1957). وعلى الاتجاه نفسه سار القضاء الابتدائي حديثاً، فاعتبر أن المادة 50 من القرار 188/1926 لا تُطبَّق إلا حيث تُستعمل الوكالة لتمثيل صاحب الحق العيني أو المدين به، لا حيث تثبت الوكالة تصرفاً مستقلاً منظَّماً على هامشها، وردّت الدفع بانقضاء مهلة الخمس سنوات عن وكالة غير قابلة للعزل منظمة سنة 2004 لم تكن قد استُعملت لنحو أربعة عشر عاماً (محكمة الدرجة الأولى في جبل لبنان، الغرفة الثالثة، حكم تاريخ 3/10/2023).
رابعاً: مرور الزمن العشري على حق المشتري
تسقط الموجبات بتقاعس الدائن الذي يتخلف عن التذرع بحقوقه سحابة مدة من الزمن (المادة 344 من قانون الموجبات والعقود)، ومرور الزمن يتم في الأساس بعد انقضاء عشر سنوات (المادة 349 من قانون الموجبات والعقود). ولا يبتدئ حكم مرور الزمن إلا يوم يصبح الدين مستحق الأداء (المادة 348 من قانون الموجبات والعقود). وهو لا يجري حتماً، بل يجب أن يدلي به من تمّ لمصلحته، ويجوز له ذلك في جميع أطوار المحاكمة حتى في الاستئناف للمرة الأولى، ولا يجوز للقاضي أن يطبّقه من تلقاء نفسه (المادة 345 من قانون الموجبات والعقود).
ويخضع لمرور الزمن العشري حق المشتري بطلب التسجيل الناشئ عن عقد البيع العادي (قرار رقم 33 تاريخ 9/7/2009 المذكور أعلاه)، كما يخضع له الحق الشخصي الناشئ عن الوكالة غير القابلة للعزل، ولو لم تسرِ عليها مهلة الخمس سنوات. وقد نقضت محكمة التمييز القرار الاستئنافي ثم صدّقت الحكم الابتدائي القاضي بإبطال بيع ممسوح نُفّذ استناداً إلى وكالة غير قابلة للعزل بعد انقضاء أكثر من عشر سنوات على تنظيمها، وبإعادة تسجيل العقار على اسم الموكّلة (محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، قرار رقم 61 تاريخ 16/10/2014). فمن اشترى بوكالة غير قابلة للعزل ولم ينفّذها، يعرّض حقه للسقوط بعد عشر سنوات إذا تمسك البائع بمرور الزمن.
خامساً: انقطاع مرور الزمن باستلام العقار
ينقطع حكم مرور الزمن بكل مطالبة قضائية أو غير قضائية ذات تاريخ صحيح من شأنها أن تجعل المدين في حالة التأخر، وبعمل احتياطي يتناول أموال المدين (المادة 357 من قانون الموجبات والعقود)، كما ينقطع باعتراف المدين بحق الدائن (المادة 358 من قانون الموجبات والعقود). وعلى هذا الأساس اعتبرت محكمة التمييز أن استلام المشتري للعقار المبيع واستغلاله علناً وبصورة مستمرة، بعلم البائع وعلى مرأى منه، من شأنه أن يقطع مرور الزمن (محكمة التمييز المدنية، الغرفة التاسعة، قرار تاريخ 22/2/2005)، وأقرّت تعليل محكمة الاستئناف القائل إن استلام العقار من قبل المشتري هو بمثابة إقرار من البائع بحق المشتري في العقار المبيع (محكمة التمييز المدنية، الغرفة الثامنة، قرار رقم 56 تاريخ 23/9/2014).
غير أن الانقطاع يقوم على ما يدل على إقرار البائع بالحق، ولا يكفي مجرد تسليم سند الملكية عند تنظيم الوكالة: فهذا التسليم لا يخلق حالة مستمرة من الاعتراف بالدين، ويبقى خاضعاً لمصير الحق الأساسي، كما أن تكليف مهندس بدرس ملف العقار لا يُعدّ بحد ذاته استعمالاً للعقار على مرأى من البائع (قرار رقم 61 تاريخ 16/10/2014 المذكور أعلاه). فإذا استند المشتري إلى الاستلام للقول بانقطاع مرور الزمن، فعليه أن يثبت وضع يده على العقار واستعماله له بصورة ظاهرة ومستمرة بعلم البائع.
سادساً: الحقوق المقيدة في السجل العقاري
لا يسري مرور الزمن على الحقوق المدونة في السجل العقاري (المادة 19 من القرار 188/1926). والمقصود بالحق المدوّن هو الحق العيني المقيد نهائياً على اسم صاحبه في قيود السجل العقاري، أي انتقال الملكية إلى اسم المشتري. أما تدوين إشارة قيد احتياطي أو إشارة دعوى على الصحيفة العينية للعقار، استناداً إلى عقد بيع عادي أو إلى وكالة، فلا ينقل الملكية ولا يجعل من حق المشتري حقاً مدوناً بهذا المعنى (محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، الغرفة الثالثة، قرار رقم 432 تاريخ 25/4/1996)؛ فيبقى حق المشتري حقاً شخصياً خاضعاً لمرور الزمن العشري إلى أن يُجرى القيد النهائي. فمتى تم هذا القيد صار الحق عينياً محمياً به، ولم يعد مرور الزمن يطاله.
ويبقى سؤال ما إذا كان يجوز الطعن بالقيد نفسه متى بُني على حق شخصي كان قد سقط بمرور الزمن قبل التسجيل. وقد أجاز القضاء ذلك في القرار رقم 61 تاريخ 16/10/2014 المذكور أعلاه، فأبطل التسجيل الذي نُفّذ بعد انقضاء العشر سنوات. في حين اعتبرت أكثرية محكمة الاستئناف، في قضية أخرى، أن مرور الزمن لا يسري حكماً ولا تكون له مفاعيل قبل الإدلاء به، فإذا لم يتمسك به البائع قبل تنفيذ الوكالة بالتسجيل، لم يعد له إبطال التسجيل بعد وقوعه (محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان، قرار رقم 225 تاريخ 10/9/2018؛ المادة 345 من قانون الموجبات والعقود). وقد اختلف الاجتهاد في هذه المسألة؛ لذلك تتفادى إثارة مرور الزمن قبل تنفيذ القيد هذا الخلاف.
الخاتمة
لا ينقل عقد البيع العادي ولا الوكالة غير القابلة للعزل الملكية؛ فالقيد في السجل العقاري وحده ينقلها. ويحمل التأخر في تنفيذ القيد مخاطر محددة: عدم صلاحية الوكالة العادية لإبرام التصرف أو تسجيله بعد خمس سنوات، وسقوط الحق الشخصي الناشئ عن العقد أو عن الوكالة غير القابلة للعزل بمرور عشر سنوات إذا تمسك البائع به ولم ينقطع. ولذلك يقتضي بمن يشتري عقاراً أن ينظّم البيع الممسوح ويجري القيد من دون تأخير، وبمن اشترى بسند غير مسجل أن يبادر إلى طلب التسجيل، وأن يقطع مرور الزمن عند الاقتضاء بمطالبة ذات تاريخ صحيح أو بالدعوى قبل انقضاء المهلة.
مقالات ذات صلة
المراجع القانونية
- القرار رقم 188 تاريخ 15/3/1926 (إنشاء السجل العقاري).
- قانون الملكية العقارية (القرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930).
- قانون الموجبات والعقود الصادر في 9/3/1932.
- القانون رقم 337 تاريخ 8/6/1994 (نظام الكتاب العدل ورسوم كتابة العدل).
- محكمة التمييز المدنية: الغرفة الثانية، قرار رقم 31 تاريخ 18/4/1957، وقرار رقم 1 تاريخ 16/1/1967؛ الغرفة التاسعة، قرار رقم 3 تاريخ 22/2/2005؛ الغرفة العاشرة، قرار رقم 33 تاريخ 9/7/2009؛ قرار رقم 122 تاريخ 27/11/2012؛ الغرفة الثامنة، قرار رقم 56 تاريخ 23/9/2014؛ الغرفة التاسعة، قرار رقم 61 تاريخ 16/10/2014، وقرار رقم 25 تاريخ 19/6/2015.
- محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، الغرفة الثالثة، قرار رقم 432 تاريخ 25/4/1996.
- محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان، قرار رقم 225 تاريخ 10/9/2018.
- محكمة الدرجة الأولى في جبل لبنان: الغرفة الأولى، حكم تاريخ 4/8/2009؛ الغرفة الثالثة، حكم تاريخ 3/10/2023.
هل تستعدّ لبيع عقار أو شرائه؟
مكتب كلاس للمحاماة يتولّى هذا النوع من الملفات أمام المحاكم والدوائر الرسمية في لبنان. تواصلوا معنا.