logo

WIDE RANGE OF EXPERIENCE IN REAL ESTATE, ARBITRATION AND ALL MAJOR BRANCHES

Recent posts

  • ...

  • Si votre père était liba...

  • If your father was Lebanes...

© Kallas Law firm.

Blog

Home / قانون العقوبات  / السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان: كيف يفرّق القانون اللبناني بين الجرائم الثلاث؟

السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان: كيف يفرّق القانون اللبناني بين الجرائم الثلاث؟

مقدمة

تشترك جرائم السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان في محلّ الاعتداء وفي غايته: فكلّها اعتداء على مال الغير يبتغي الجاني من ورائه إثراءً غير مشروع. ولحماية هذا المال أفرد المشترع اللبناني لكلٍّ منها نصوصاً مستقلّة وعقوبات متفاوتة، ولم يجعلها جريمة واحدة. والسبب أنّ الفارق بينها ليس في النتيجة، بل في الطريق الذي وصل به المال إلى يد الجاني.

هذا هو المعيار الجامع الذي يحكم التكييف: هل انتقلت حيازة المال إلى الجاني أصلاً؟ وإن انتقلت، فهل انتقلت برضا صحيح أم برضا معيب؟ وهل كان وراء ذلك عقدٌ يلتزم الجاني بمقتضاه أن يردّ المال أو يستعمله في وجه معيّن؟ الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة تحدّد وحدها ما إذا كنّا أمام سرقة أم احتيال أم إساءة ائتمان. وهذا التمييز ليس ترفاً نظرياً: فالخطأ في التكييف قد يُسقط الملاحقة أو يقلب مصير الدعوى، لأنّ لكلّ جريمة شروطها وعقوبتها وقواعد ملاحقتها الخاصة.

المعيار الجامع: كيف انتقلت الحيازة إلى الجاني؟

يمكن اختصار الفارق الجوهري بين الجرائم الثلاث في سؤال واحد عن مصير الحيازة:

  • في السرقة، لا تنتقل الحيازة برضا صاحبها إطلاقاً؛ فالجاني يأخذ المال خفيةً أو عنوةً دون أن يسلّمه إليه أحد.
  • في الاحتيال، تنتقل الحيازة برضا صاحبها، لكنّه رضا معيب: فالمجني عليه سلّم ماله بإرادته، إلا أنّ إرادته انعقدت تحت تأثير خداع أوقعه في غلط، فما كان ليسلّم لولا ذلك.
  • في إساءة الائتمان، تنتقل الحيازة برضا صحيح سليم، وبموجب عقد من عقود الائتمان (كالوديعة أو الوكالة أو الإجارة)، ثمّ يخون الجاني هذه الثقة فيتصرّف بالمال أو يكتمه بدل أن يردّه.

وبعبارة أدقّ، محلّ الاعتداء يختلف في كلٍّ منها: فالسرقة اعتداء على الحيازة؛ والاحتيال اعتداء على الملكية وعلى حرية الإرادة وسلامتها معاً؛ وإساءة الائتمان إخلال بالثقة التي قام عليها التسليم. من هنا يتفرّع أثرٌ عملي مهمّ: الاحتيال وحده يمكن أن يقع على مالٍ غير منقول (عقار)، لأنّ المشترع نصّ فيه صراحةً على المال المنقول وغير المنقول؛ أمّا السرقة وإساءة الائتمان فلا تردان إلا على منقول.

أولاً: السرقة

عرّفت المادة 635 من قانون العقوبات السرقة بأنّها «أخذ مال الغير المنقول خفية أو عنوة بقصد التملّك». وتتحدّد أركانها بهذا التعريف:

  • محلّ الجريمة: مال منقول مملوك للغير. والعقار لا يُسرَق، لأنّ السرقة تقوم على أخذ الشيء ونقله من حيازة صاحبه، وهو ما لا يَرِد على العقار الثابت؛ أمّا الاعتداء على العقار فقد يشكّل احتيالاً كما سيأتي.
  • الركن المادي: فعل الأخذ، أي نقل المال من حيازة صاحبه إلى حيازة الجاني دون رضا صاحبه، سواء تمّ ذلك خفيةً (اختلاساً) أو عنوةً (بالقوة). وهذا هو الفارق الحاسم عن الاحتيال وإساءة الائتمان، حيث يجري التسليم في هاتين الأخيرتين برضا صاحب المال.
  • الركن المعنوي: القصد الجرمي العام (العلم والإرادة)، يضاف إليه قصد خاص هو نية تملّك المال المأخوذ، أي حرمان صاحبه منه نهائياً لا مجرّد الانتفاع به مؤقتاً.

والسرقة في أصلها جنحة يعاقب عليها بالحبس من شهرين إلى ثلاث سنوات. لكنّها تنقلب إلى جناية معاقب عليها بالأشغال الشاقة متى اقترنت بظرف من الظروف المشدّدة التي عدّدها القانون على سبيل الحصر، كالسرقة الواقعة على المصارف أو المؤسسات العامة أو المركبات، أو بالعنف على الأشخاص (المادة 638)، أو بالكسر والخلع والتسلّق واستعمال المفاتيح المصنّعة أو انتحال صفة موظف، أو أثناء الحرائق والاضطرابات، أو بالتهديد بالسلاح.

ثانياً: الاحتيال

في الاحتيال، لا يأخذ الجاني المال؛ بل يحمل المجني عليه على أن يسلّمه إليه بيده، ولكن بعد أن يوقعه في غلط عن طريق الخداع. لذلك يقوم الركن المادي للاحتيال على ثلاثة عناصر متلازمة يشدّ بعضها إلى بعض بصلة السببية:

1. المناورات الاحتيالية. لا يكفي الكذب المجرّد لقيام الاحتيال؛ بل يقتضي أن يُدعَّم الكذب بمظهر خارجي يبعث على تصديقه. وقد حصر القانون صور المناورة في أربع:

  • الأعمال التي من شأنها إيهام المجني عليه بوجود مشروع وهمي، أو التي تخلق في ذهنه أملاً بربح أو تخوّفاً من ضرر.
  • تلفيق أكذوبة يصدّقها المجني عليه نتيجة تأييد شخص ثالث ولو عن حسن نية، أو نتيجة ظرف مهّد له المجرم أو استفاد منه.
  • التصرّف بأموال منقولة أو غير منقولة ممّن لا حقّ له ولا صفة في التصرّف بها، أو ممّن له حقّ أو صفة فأساء استعمال حقّه توسّلاً لابتزاز المال.
  • استعمال اسم مستعار أو صفة كاذبة للمخادعة والتأثير.

2. التسليم. النتيجة الجرمية في الاحتيال هي أن يسلّم المجني عليه ماله إلى المحتال. والتسليم هنا فعلٌ إرادي يصدر عن المجني عليه نفسه، خلافاً للسرقة حيث يأخذ الجاني المال بنفسه. ومحلّ التسليم قد يكون مالاً منقولاً أو غير منقول أو سنداً يتضمّن تعهّداً أو إبراءً أو منفعة.

3. صلة السببية. يجب أن تكون المناورة الاحتيالية هي التي أوقعت المجني عليه في الغلط، وأن يكون هذا الغلط هو الذي حمله على التسليم. فإذا سلّم المال لسبب آخر لا صلة له بالمناورة، انتفت الرابطة السببية وانتفى الاحتيال معها.

أمّا الركن المعنوي فيقوم على القصد العام (العلم بطبيعة الفعل وإرادته) وقصدٍ خاصّ هو نية تملّك المال المستولى عليه. ويعاقب على الاحتيال بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وتُضاعَف العقوبة في حالات معيّنة عدّدتها المادة 656، كارتكابه بحجّة تأمين وظيفة في إدارة عامة، أو من مفوَّض بالتوقيع عن شخص معنوي.

ثالثاً: إساءة الائتمان

هنا يبلغ المعيار الجامع ذروته: المال يصل إلى يد الجاني بتسليم صحيح لا عيب فيه، وبموجب عقدٍ يلتزم الجاني بمقتضاه أن يردّ المال أو يقدّمه أو يستعمله في أمر معيّن. الجريمة لا تقع لحظة التسليم، بل حين يخون الجاني هذه الثقة بعد ذلك.

نطاق التسليم محصور بعقود بعينها. اشترطت المادة 670 أن يكون المنقول قد سُلّم إلى الجاني «على وجه الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو على سبيل عارية الاستعمال أو الرهن، أو لإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة شرط أن يعيده أو يقدّمه أو يستعمله في أمر معيّن». فإذا انتقلت ملكية المال إلى المتسلّم (كالبيع أو القرض)، فلا إساءة ائتمان، لأنّه يتصرّف حينئذٍ في ماله هو.

التسليم ناقل للحيازة الناقصة. جوهر الجريمة أنّ العقد لم ينقل إلى الجاني إلا حيازة ناقصة: فهو يحوز المال حيازةً عرضيّة لحساب صاحبه، لا حيازة تملّك. فمتى انقلبت هذه الحيازة الناقصة إلى فعل تملّك، تحقّقت الجريمة.

صور الاعتداء. يتمثّل الركن المادي في أن يُقدِم الجاني قصداً على كتم المال أو اختلاسه أو تبديده أو إتلافه أو تمزيقه بدل أن يردّه أو يستعمله في وجهه. ويعاقب على ذلك بالحبس من شهرين إلى سنتين.

حالة المثليات. عالجت المادة 671 صورة قريبة: من تسلّم مبلغاً من المال أو أشياء أخرى من المثليات لعمل معيّن، وهو يعلم أو كان يجب أن يعلم أنّه لا يمكنه إعادة مثلها، ولم يُبرِئ ذمّته رغم الإنذار.

الظرف المشدّد. تشتدّ العقوبة (الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات) حين تقع إساءة الائتمان ممّن ائتمنهم القانون على أموال الغير بحكم صفتهم، كمتولّي الوقف، ووصيّ القاصر، ومنفّذ الوصية، والمحامي وكاتب العدل ووكيل الأعمال المفوَّض، والأجير المرتبط بعقد عمل.

جدول المقارنة

وجه المقارنة السرقة (م. 635) الاحتيال (م. 655) إساءة الائتمان (م. 670-671)
كيف وصل المال إلى الجاني أخذه بنفسه دون رضا صاحبه سلّمه المجني عليه بإرادة معيبة بالخداع سلّمه صاحبه تسليماً صحيحاً بموجب عقد
دور العقد لا عقد لا عقد؛ الرضا معيب منذ البداية عقد ائتمان صحيح هو أساس التسليم
محلّ الاعتداء الحيازة الملكية وحرية الإرادة الثقة (الائتمان)
محلّ الجريمة منقول فقط منقول أو عقار منقول فقط
زمن نشوء القصد الجرمي متزامن مع الأخذ سابق للتسليم لاحق للتسليم المشروع
العقوبة الأصلية الحبس شهران إلى ثلاث سنوات (وتصبح جناية بالظروف المشدّدة) الحبس ستة أشهر إلى ثلاث سنوات الحبس شهران إلى سنتان (تشتدّ بالمادة 672)
الملاحقة عفواً (إلا الحالات الخاصة) عفواً بناءً على شكوى المتضرّر (إلا المشدّدة)

مسائل عملية

استحالة الجمع بين الوصفين. لا يمكن أن يوصف الفعل الواحد في آنٍ بالاحتيال وإساءة الائتمان، لأنّ طبيعة التسليم في كلٍّ منهما تنفي الأخرى: فإمّا أن يكون التسليم قد تمّ بإرادة معيبة بالخداع فهو احتيال، وإمّا أن يكون قد تمّ سليماً بموجب عقد ثمّ خِين فهو إساءة ائتمان. لذلك ينبغي للمحامي أن يحسم أوّلاً في طبيعة التسليم قبل أن يختار الوصف.

الملاحقة بشكوى. إساءة الائتمان المعاقب عليها بالمادتين 670 و671 لا تُلاحَق إلا بناءً على شكوى الفريق المتضرّر، فإذا لم يشتكِ أو تنازل عن شكواه سقطت الملاحقة؛ ما لم ترافقها إحدى الحالات المشدّدة في المادة 672، فعندها تُلاحَق عفواً. أمّا الاحتيال (م. 655) فيُلاحَق عفواً بلا حاجة إلى شكوى. وهذا فارقٌ إجرائي حاسم عند اختيار الوصف.

مرور الزمن في الاحتيال. استقرّ الاجتهاد على أنّ الاحتيال من الجرائم الآنية، فتبدأ مهلة مرور الزمن على دعوى الحقّ العام من تاريخ اكتمال عناصر الجريمة بتسليم المال إلى الجاني، فإن تمّ التسليم على دفعات فمن تاريخ آخر دفعة، لا من تاريخ اكتشاف الفعل.

البيع المتكرّر للعقار. استقرّ الاجتهاد على أنّ بيع البائع عقاره مرّتين يقع تحت طائلة الاحتيال بمقتضى البند الثالث من المادة 655، لأنّه تصرّف بمالٍ لم يعد له حقّ التصرّف به إضراراً بالمشتري الأوّل.

خلاصة

الجرائم الثلاث تقع جميعها على مال الغير، لكنّ القانون يفصل بينها بمعيار واحد واضح: كيف وصل المال إلى يد الجاني. فإن أخذه بلا رضا فهي سرقة؛ وإن سلّمه إليه صاحبه بإرادة أفسدها الخداع فهو احتيال؛ وإن سلّمه إليه بثقة وعقدٍ ثمّ خان الأمانة فهي إساءة ائتمان. إتقان هذا المعيار هو مفتاح التكييف الصحيح، وعليه يتوقّف تكييف الفعل وما يترتّب عليه من شروط الملاحقة ومرور الزمن والعقوبة.

هل أنت طرف في دعوى سرقة أو احتيال أو إساءة ائتمان؟

مكتب كلاس للمحاماة يتولّى هذا النوع من الملفات أمام المحاكم والدوائر الرسمية في لبنان — تواصلوا معنا.

واتساب+961 3 722755mk@klfi.net