التحديد والتحرير العقاريَّان في القانون اللبناني — قرار رقم 186 تاريخ 15/3/1926
هذا الجزء السابع من سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”. تَناولت الأجزاء السابقة قرار 3339 تاريخ 12/11/1930 (قانون الملكية العقارية) من حيث تَعريف العقارات وأنواع الملكية، والارتفاقات، والرهن العقاري والبيع بالوفاء، والامتيازات والتأمينات، والوعد بالبيع وحقّ الشفعة ومرور الزمن المُكسِب، ثمّ بِنية السجل العقاري وفقاً لقرارَي 188 و189 الصادرَين بالتاريخ نفسه (15 آذار 1926).
غير أنّ السجل العقاري لا يُفتَح في منطقةٍ ما إلّا بعد إنجاز عمليّةٍ تَمهيدية كبرى تُعرَف بِـالتحديد والتحرير: مَرحلة المسح الميداني التي تَستثبت اليديّة الفعلية والحقوق العينية وتُؤَسِّس البِنية القانونية الأولى لِكلّ عقار، تَمهيداً لِفتح صحيفته العينية في دفتر الملكية. تَنظُّم هذه المرحلة بِقرار خاص هو قرار رقم 186 تاريخ 15 آذار سنة 1926، الذي يُشكّل مع قرار 188 و189 المنظومة العقارية الإجرائية المُتكاملة.
السلسلة التشريعية لِقرار 186 (1926 → 2002)
تَعاقَبَت على قرار 186 سبع موجات تَعديل خلال 76 سنة:
- قرار رقم 44/ل.ر. تاريخ 20/4/1932 — التعديل التأسيسي الكبير الذي طال 17 مادة (1، 7، 15، 22، 30، 36، 37، 38، 41، 45، 46، 47، 48، 50، 51، 52، 56).
- قرارَات 86 و112 و135/ل.ر. تاريخ 1935 — تَعديلات متلاحقة على المادة 30 تَتعلّق بِاختصاص محاكم الدعاوى الأجنبية.
- قرار رقم 41/ل.ر. تاريخ 5/7/1939 — تَعديل المادة 35.
- قرار 141/ل.ر. تاريخ 5/7/1939 + قانون رقم 98 تاريخ 18/6/1999 — قواعد التعيين والترفيع القضائي (المادة 3).
- قرار رقم 104 تاريخ 12/6/1959 — أَلغى المادة 43 وعَدّل المادة 44 (آليّة استيفاء بدل المثل).
- قانون رقم 392 تاريخ 8/2/2002 (قانون الموازنة العامة لعام 2002، الذي يَتَضَمَّن مادّةً تَعدِيلية على المادة 2 من قرار 186) — أَصبَح بِمَوجبه القضاة العقاريون المنفردون يَقومون بِأعمال التحديد والتحرير بِصورة مُباشِرة، بَعد أن كانت الاستعاضة عن حكّام الصلح بِهم جَوازيّةً بِقرار من رئيس الدولة وفقاً لِلصياغة السابقة.
تُسبِّب هذه السِلسلة وَضعاً تَشريعياً جَوهرياً يَجب التَنبّه إليه: نَصّ القرار في معظم مَواده ما زال يَستعمل العبارة المُزدوَجة “حاكم الصلح أو القاضي العقاري المنفرد” بوَصفها صياغة 1932، إلّا أنّ المرجع الوحيد القائم اليوم هو القاضي العقاري المنفرد عملاً بِقانون 392/2002. كلّما وَرَد في النصّ التشريعي ذِكرٌ لِـ”حاكم الصلح” بِصفته السلطة المختصّة، يَنبغي قراءة ذلك على أنّه يَنصرف إلى القاضي العقاري المنفرد، فقضاء الصلح أُلغي ولم يَعُد قائماً، والاختصاص اليوم منعقدٌ حصراً للقاضي العقاري المنفرد.
تَشمل هذه التَغطية كامل قانون التحديد والتحرير — قرار 186: 58 مادة (المادة 43 ملغاة، فيكون عدد المواد النافذة 57)، موزَّعة على سبعة فصول.
أوّلاً — البِنية المؤسسية لِأعمال التحديد والتحرير (المواد 1–6)
نَبدأ بِالفصل الأوّل من قانون التحديد والتحرير (قرار 186/1926). تُعطي المادة 1 بِصياغتها المعدَّلة سنة 1932 الإطار الأصلي: “يجري تحرير وتحديد العقارات والاموال غير المنقولة في الاقضية والمحافظات بواسطة حكام صلح القضاء. وعند الاقتضاء، يوضع مساح تحت تصرف حاكم الصلح.” غير أنّ المادة 2 الحالية (المعدَّلة سنة 2002) تُنصّ بِنحو لا لَبس فيه:
«يقوم القضاة العقاريون المنفردون بأعمال تحرير وتحديد العقارات والأموال غير المنقولة في الأقضية والمحافظات.»
ثمّ تُضيف المادة 2 تَفاصيل تَشغيلية حديثة: المساح يَكون مولَجاً بِالتحديد والتحرير المُؤقّت بِوَظيفة كاتبٍ لدى القاضي العقاري المنفرد طوال مدّة الأعمال، يُعيِّنه مدير الشؤون العقارية، وبعد اختتام الأعمال يَتَبدّل بِكاتب ضبط. كما يَجوز إسناد الأعمال إلى مكاتب متخصِّصة تَعمل بِإشراف القاضي بِمرسوم في مجلس الوزراء، أو التَعاقُد مع مساحين محلَّفين ورسامين لِفترةٍ لا تَتعدّى خمس سنوات من تاريخ نَفاذ القانون.
تُحدِّد المادة 3 (المعدَّلة بِالقرار 141/1939 وقانون 98/1999) كيفية تَعيين القاضي العقاري المنفرد بِمرسوم من رئيس الدولة، ووضعَه القانوني المُماثل لقُضاة المِلاك العدلي، وَخُضوعَه لِمراقبة العدلية العامّة في وَظائفه القضائية ولِمراقبة السلطة الإدارية في تَنسيق الأعمال الفنية والإدارية والقضائية العائدة إلى التحديد والتحرير. وتَنُصّ المادة على إمكان تَرفيعه إلى رتبةٍ مسلكية أعلى حتى رتبة مستشار بِالاستئناف. كما يُمكن تعيين قضاة عقاريين إضافيّين يَتولّون أربع مهامّ مُحدَّدة: القيام مَقام الأصلي عند تَعذُّر قيامه بِوَظائفه، وَتفسير القرارات بِناءً على طلب أمين السجل العقاري بَعد اكتسابها قوّة القضية المحكمة، وَأعمال ضمّ الأراضي، وَتحديد مقدار أسهم كلّ شريك في العقارات المُسجَّلة بأسماء شركاء مُتعدِّدين دون تَحديد الحصص الشائعة.
تُمدّد المادة 4 صلاحية القاضي العقاري المنفرد إلى الأماكن المُعيَّنة بِالقرار المُحدِث لِسلطته. وتُقَرِّر المادة 5 أنّ القاضي العقاري المنفرد يَتولّى أعمال التحرير والتحديد تَحت رقابة مدير الدوائر العقارية ويَكون تَحت سلطته طوال مدّة هذه الأعمال، مع صلاحيّة السلطة الإدارية في البَتّ في كلّ خِلاف ناشئ عن الأعمال، في غير الحالات التي يَنُصّ القانون فيها على وُجوب الرجوع إلى القضاء. تَنُصّ المادة 6 على تَتابع الأعمال “قرية قرية في كل قضاء أو محافظة، ومنطقة منطقة في المدن”، ووَضعِ المساحين تَحت رقابة القاضي العقاري المنفرد مع رُجوعهم إلى مصلحة المساحة فيما يَختصّ بِالناحية الفنية ومُراقَبة الأعمال الطوبوغرافية، ثمّ يُقسِم المساحون اليمين أمام القاضي بِأن “يزاولوها باتقان وامانة“.
ثانياً — افتتاح أعمال التحديد والتحرير (المواد 7–10)
تُحدِّد المادة 7 (المعدَّلة سنة 1932) المَوعد المبدئي: “تفتح مبدئيا اعمال التحديد والتحرير كل سنة ابتداء من اول آذار انما يمكن الشروع بها في اي وقت كان“. ويَجب نَشر قرار افتتاح الأعمال في كلّ قضاء أو محافظة قبل تاريخ افتتاحها بشهرَين على الأقلّ، مع لائحةٍ بِالقُرى أو المحلّات والإشارة إلى تاريخ الافتتاح، والتَنويه بِالواجبات المترتِّبة على السلطات الإدارية المحلّية وعلى المالكين، وبِالعقوبات المفروضة. يُبلَّغ القرار إلى السلطات الإدارية في المحافظة واللواء والقضاء، تُؤمِّن تَعليقَه في المناطق العقارية ذات العَلاقة والمناطق المُتاخِمة، ويُنشَر في الجريدة الرسمية وفي ثلاث جرائد محلّية، كلّ ذلك بِهمّة مدير الدوائر العقارية.
في المناطق الممسوحة (التي جرى عليها مَسح طوبوغرافي عامّ مسبق)، تُنُصّ المادة 8 على أن يَجري المسح بِناءً على مُشبَك نُقَط تَثليث أساسية مَحسوبة سلفاً قبل الشروع في أعمال التحديد والتحرير المُؤَقَّت.
تُؤطِّر المادة 9 آلية تَنظيم الخرائط: يَضع المساحون مُصوِّراً عاماً لِلتَحديد أوّلاً فأوّلاً، ويُجرى كيل الأراضي وفقاً لِنتائج التحديد المُؤَقَّت؛ غير أنّ خرائط المساحة النهائية لا تُنظَّم إلّا بعد اختتام أعمال الفصل الرابع (التَصديق وتَصفية الاعتراضات)، ويَتم التَثبُّت من مُطابقتها لِنُصوص قرارات القاضي العقاري المنفرد. وإذا وَقَع إبهام في مَنطوق القرارات، تَعمد مصلحة المساحة إلى طلب تَفسيرها من أمين السجل العقاري أو من القاضي العقاري المُلازم أو من القاضي العقاري المنفرد، حسب مُقتضى الحال. وَبَعد تنظيم الخريطة الأساسية والتَثبّت من مُطابقتها لِلقرارات، يُصدِّقها مُلتزِم المساحة، وتُصبح عند ذلك “ذات قوّة إثباتية مُنزَّهة عن كل رَيب تُلازم قيود السجل العقاري، وفقاً لأحكام المادة الثامنة من القرار رقم 188″. وتُحفَظ الخريطة الأساسية بدون تَحوير في خزانة محفوظات الأمانة.
تُنُصّ المادة 10 على إصدار قرارٍ بِتاريخ تَحديد وتَحرير العقارات في كلّ منطقة عقارية بِناءً على اقتراح رئيس الأشغال الفنية، وتَبليغه إلى مختاري المنطقة والمناطق المُتاخِمة، وإلى المحاكم البدائية والاستئنافية التابعة لها هذه المناطق. ثمّ تُؤَكِّد المادة دَعوة الملاكين والمجاورين وكلّ مدّعي حقّ، حسب تَقدُّم الأعمال، بِواسطة المختارين، لِحضور التحديد الوِجاهي لِيُدلّوا على حدود عقاراتهم. ويُنبَّهون “اذا لم يلبوا هذه الدعوة يستغنى عنهم، وتجري عملية التحرير والتحديد كما لو كانوا حاضرين“. ويَترتَّب على دائرة الأوقاف والدوائر الحكومية والمأمور المكلَّف المحافظة على الأملاك العامة البرية والبحرية نفس الموجبات المترتِّبة على أصحاب الأملاك.
ثالثاً — التحديد المؤقَّت بِحضور المختار والملاكين (المواد 11–14)
في اليوم المُعيَّن، تُنُصّ المادة 11 على أن يُباشِر المساح التحديد المُؤَقَّت بِحضور المختارين والملاكين وذوي الشأن والمجاورين ومُدّعي الحقوق، فيَستَثبت اليديّة والحقوق العينية العقارية الموجودة سَنَداً إلى تَصريحات هؤلاء. تُنُصّ المادة على أن يُوضَع بِالتصريحات عن مَصدر الحقوق المُدّعى بها، وإذا كانت اليد جارية بدون سند، فعن سَببها وتاريخ وَضعها مع إيضاح صفتها “الهادئة المستمرة العلنية” منذ ذلك التاريخ. ثمّ تُعَرّف المادة 11 الفقرة الثالثة المفهومَين الجَوهريَّين:
«يفهم في القرار الحاضر بلفظة “اموال غير منقولة او املاك” جميع الحقوق العينية للاموال غير المنقولة الواجب قيدها في السجل العقاري، وفقا لاحكام القرار رقم 188 المؤرخ في 15 آذار سنة 1926. اما لفظة “عقارات” فهي تعني قطعا معينة من سطح الارض ذات نوع شرعي واحد واقعة ضمن خط مقفل بما عليها من البنايات او الاغراس المعتبرة جزءا متمما لها، وجار عليها حق ملكية او حق تصرف من قبل مالك واحد او عدة ملاكين بطريق الشيوع.»
وتُؤَكِّد المادة 11 الفقرة الأخيرة أنّ “يؤلف العقار الوحدة العقارية والمساحية“. ثمّ يُدوِّن المساح في المحضر تَصريحات ذوي الشأن، ويَتلقّى الاعتراضات والطلبات، ويَستلم السندات والوثائق المُبرَزة تأييداً لِلمُدّعى به، مقابل وَصل منه. وتَنُصّ المادة على أنّ ذوي الشأن مَسؤولون عن تَصريحاتهم التي يَجب أن تَتضمّن حالة اليديّة الحقيقية، بِقطع النظر عن الاتفاقات المعقودة بينهم لِضمّ الأراضي أو لِقسمتها.
تَتناول المادة 12 الحالات الإشكالية: عند تَخلُّف صاحب الملك عن الحضور، يَجري التحديد استناداً إلى مَعلومات المختارين والمجاورين الحاضرين. وإذا وَقَع خِلاف على حقّ الملكية، يُقيَّد الشاغل لِلعقار في المحضر كأنّه المالك المُفتَرَض، والمدّعي بِالحقّ كمعترض؛ وإذا تَعذَّر تعيين حقّ اليديّة، يُقَيَّد جميع مُدّعي الحقّ على السواء كمعترضين، ويَتولّى القاضي العقاري المنفرد في ابتداء الدعوى تعيين رتبة كلٍّ منهم تجاه الآخرين. ولا يَجوز لِلمساح أن يَشرع في التحديد المُؤقّت إلّا بحضور المختار، أو بحضور عضو مُنتَدَب من هيئة اختيارية المكان عند غيابه.
تُكَلِّف المادة 13 المساحَ بِوضع تَخوم لِحدود اليديّة الحقيقية لِلمالك المُفتَرَض، وضِمنها تَخوم لِلقُطع التي يَدّعيها الغير دون أن يَجعل منها عقارات مستقلّة، وتَخوم لِلقُطع التي يَتعذَّر تعيين حقّ اليديّة فيها بِاعتبارها عقارات مستقلّة. أمّا إذا كانت القُطَع المُختَلَف عليها ضيِّقة بِحيث لا تَسمح بِوضع تَخوم لها، فَيَعمد المساح إلى تَدوين الخِلاف فقط في محضر التحديد وفي المُصوِّر. ولِلقاضي العقاري المنفرد البَتّ فوراً في كلّ خلاف يَقَع بين المساح والملاكين بِشأن أعمال التحديد، ما عدا الخلافات المتعلِّقة بِالحدود أو بِحقّ مُدّعى به، فتُفصَل بَعد الفراغ من الأعمال التَمهيدية. وَتَنُصّ المادة 14 على تَثبيت الحدود حسّياً على الأرض بِتخوم من النموذج النظامي عند كلّ انحراف في اتّجاه الحدود.
رابعاً — التَصريحات والاعتراضات: المهلة الأولى (المواد 15–21)
تَنُصّ المادة 15 (المعدَّلة سنة 1932) على أن يُدَوِّن المساح المعلومات الناتجة عن التحديد المُؤَقَّت في محضر تحرير وتحديد يُنظَّم لكلّ عقار على حدة، وفي جدول خاصّ بِتحرير العقارات، ويُوضَع عَدا ذلك فهرس هجائي بِأسماء المالكين في المناطق العقارية التي يَقتضي فيها تَعدّد المالكين بِنتيجة إفراز العقارات.
تَستوجب المادة 16 أن يَشتمل محضر التحرير والتحديد المَوضوع لكلّ عقار على ستّ معلومات حصرية:
«1- وصف العقار – موقعه وقوامه ونوعه الشرعي وحدوده المصرح بها.
>
2- اسم وشهرة وعمر ومهنة وجنسية المالكين او الشركاء في الملك المصرح بهم، وعند الاقتضاء مقدار الحصة الشائعة…
>
3- الحقوق العينية، وفقا لاحكام المادة العاشرة من القرار رقم 3339 المؤرخ في 12 تشرين الثاني سنة 1930 وحقوق الإرتفاق المترتبة للملك او عليه، واذا كان جاريا على الملك حق وقف، يذكر في المحضر نوع الوقف (خيري او ذري) واسم المؤسسة الموقوف لها، واسم المتولي واسماء المنتفعين منه بموجب صك الوقفية. ويذكر ايضا اسباب اليد (كقيد في الطابو او الاحراز او مجانا بدون ثمن او الارث او الاحتلال وفي هذه الحالة مدة الاحتلال).
>
4- الاعتراضات على الحدود، وعلى حق الملكية او على مدى هذا الحق، وعلى سائر الحقوق العينية الاخرى.
>
5- تعداد الوثائق والسندات التي يبرزها اولو الشأن.
>
6- تعيين محل الاقامة المختار في المنطقة العقارية او في مركز القضاء او المحافظة لاصحاب الملك وللشركاء وللمعترضين ولمدعي حق.»
ويُختَم المحضر بِتوقيع المساح والملاكين المُفتَرَضين أو الشركاء، والمجاورين، والمعترضين أو ممثِّليهم، وَبتوقيع مختار المنطقة العقارية أو من يَنوب عنه.
تُكَلِّف المادة 17 المساحَ بِفتح جدول تحرير العقارات لِيُدَوِّن فيه نتيجة التحديد الوِجاهي، والتَحويرات الطارئة على المحضر، ونَقل قرارات القاضي. وبعد تَصفية الاعتراضات والفراغ من الأعمال، يُودَع هذا الجدول دائرةَ المساحة لِيُستعمل في تنظيم خرائط المساحة. وتَنُصّ المادة 18 على تَسليم المساح هذه الوثائق إلى القاضي العقاري المنفرد لدى الفراغ من التحديد المُؤقّت في كلّ منطقة عقارية، مع تَنظيم محضر تَسليم على نسختَين يُوقِّعه رئيس الأشغال والقاضي ويَشتمل على لائحة تَفصيلية بِالوثائق المُسلَّمة.
تَنُصّ المادة 19 على أن يَضع المساح محضراً بِاختتام الأعمال يُوَقِّعه القاضي العقاري المنفرد ورئيس الأشغال والمختار، ويُلصَق على باب غرفة كاتب القاضي، ويُبَلَّغ إلى المكتب المعاون والمكتب العقاري في المنطقة. ويُعطى الأهالي علماً بِالاختتام بِواسطة المختارين، ويَتولّى الكاتب استلامَ التَصريحات والاعتراضات الإضافية من الملاكين وفقاً لِأحكام المواد التالية.
تَفتح المادة 20 المُهلة الأولى الجَوهرية في النظام: ثلاثون يوماً تبدأ من تاريخ إلصاق محضر اختتام عمليات التحديد المُؤقّت، يَستطيع خلالها كلّ شخصٍ، إن كان الأمر قد فاته فيما سلف، أن يَتدخّل بِإحدى طريقتَين:
«1- بطريقة الاعتراض فيما لو وقع خلاف على حق ملكية او على مدى هذا الحق، وعلى الحدود.
>
2- بطريقة طلب القيد، في حالة وجود ادعاءات باستعمال حق عيني قابل للتدوين في السجل العقاري.»
وتَخُصّ المادة 20 بِالذِكر الأوصياءَ والوكلاءَ الشرعيّين والأقاربَ والأصدقاءَ ووكلاءَ مصالح القُصّر والغائبين والمفقودين في صلاحية التَدَخّل بِالنيابة، مع اشتراط إثبات الوكالة لِلأقارب والأصدقاء قبل إقامة دعوى أمام السلطة القضائية ذات الصلاحية.
تَرسم المادة 21 الشكل الإجرائي: يَستلم الكاتب الاعتراضات والادّعاءات شَفوياً أو خَطّياً ويُدَوِّنها بِإيجاز في المحضر، على أن تَشتمل التَصريحات على ذِكر الحقوق والسندات أو الوثائق المؤيِّدة لِلطلب وعلى تعيين محلّ الإقامة المختار. تَنُصّ المادة بِنحوٍ صريح على أنّه “لا يقبل اي اعتراض كان او طلب قيد بعد انقضاء مهلة الثلاثين يوما“، كما يُرقَن حُكماً الاعتراض أو طلب القيد إذا لم يُبرِز المُتَدَخِّل أثناء المُهلة نفسها السنداتِ أو الوثائق أو الوسائل المُؤيِّدة لِمدَّعاه، مع احتفاظه بِحقّ مُراجَعة المحاكم العادية وفقاً لِلمادة 31.
خامساً — تَثبيت عمليات التحديد وتَصفية الاعتراضات (المواد 22–24)
تَنُصّ المادة 22 (المعدَّلة سنة 1932) على أنّه حالما تَنقضي مُهلة الثلاثين يوماً، يُصدر القاضي العقاري قراراً بِاختتام عمليات التحديد والتحرير نهائياً، يُلصَق على باب قاعة الجلسات ويُحمَل على عِلم ذوي العَلاقة بِواسطة المختارين، ويُبَلَّغ مَحاكم المنطقة ويُنشَر في الجريدة الرسمية. ثمّ يُباشر القاضي فَحصاً تَمهيدياً لِمحاضر التحديد المُؤقّت العائد لِكلّ منطقة عقارية حسب ترتيب قيد العقارات في جدول التحرير المُؤقّت، ويَتَثَبَّت من إتمام المعاملات المنصوص عنها في القرارات النافذة، ثمّ “فيصدق منطوق المحاضر ويأمر بقيد الحقوق العينية العقارية في السجل العقاري اذا وجد انه لم يتقدم اعتراض او طلب ما عليها” أو إذا كانت الاعتراضات والطلبات المُقدَّمة قد رُقِّنَت عملاً بِالمادة 21.
تُؤكِّد المادة 22 أنّ هذا القرار نافذٌ بدون تَبليغ أو نَشر البتّة، وأنّ نُسَخ المحاضر الأصلية المُدوَّن عليها هذا القرار تُرسَل على الفور إلى رئيس المكتب العقاري الواقع العقار في منطقته. ويُنظِّم القاضي لائحة مُتسلسلة الأرقام بِالعقارات التي تَقدَّم بِشأنها اعتراضات أو طلبات، ولِذوي العَلاقة مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ إلصاق قرار الاختتام لِيأتوا بِإفادة عن رفع الاعتراضات أو طلبات القيد، أو بِتصريح يُفيد قبولهم بها. فإذا تَوصَّل صاحب الشأن إلى إزالة الاعتراضات أو طلبات القيد بِأحد الوَجهَين، أَمَر القاضي بِقيد الحقّ العيني في السجل العقاري وَصَدَّقَ مُندَرِجات المحضر وفقاً لما حَصل.
تَحكُم المادة 23 آلية البَتّ في الاعتراضات والطلبات وفقاً لِلترتيب المُتَّبَع في جدول تحرير العقارات المُؤقّت. يُعَيِّن القاضي العقاري المنفرد، بِقرار يَسبق المحاكمة بِخمسة عشر يوماً، المكانَ واليوم والساعة، ويُبَلَّغ القرارُ إلى ذوي العَلاقة في مَحلّ إقامتهم المختار، وإن لم يَكن لهم مَحل إقامة مختار، فبطريقة إلصاقه على باب المكان الذي يَجلس فيه القاضي.
تُتيح المادة 23 لِلقاضي الانتقال إلى مَحلّ العقار خلال الخمسة عشر يوماً السابقة لِلمحاكمة، حُكماً أو بِناءً على طلب ذوي العَلاقة، لِيَقوم بِتطبيق سند أو بِتحقيق، بِمعاونة مُهَندس مساح وَبحضور المختار والمُتداخلين، وَإذا تَخَلَّفوا “يُستغنى عنهم ويُشرَع في العمل كما لو كانوا حاضرين”. ويُمكن لِلقاضي أن يُكَلِّف المدّعي تقديم مُذكِّرته أو لوائحه قبل اليوم الثامن من المُهلة لِتُبلَّغ إلى المدّعى عليه. ولا يَجوز لِلقاضي منح ذوي العَلاقة أيّ مهلة، ما عدا الإدارات العامة، كما لا يُقبَل عذرٌ لِتأجيل الدعوى إلّا ما كان ناجماً عن ظروف قاهرة ثابتة الوقوع ثبوتاً قاطعاً. وعند طلب ردّ القاضي العقاري يَبتّ القاضي العقاري المُلازم، وإذا طُلب ردّه هو أيضاً تَولّى مدير الدوائر العقارية تَعيين قاضٍ عقاري منفرد أو مُلازم لِلبَتّ في طلب الردّ، مع تَقَرُّر باطلٍ ولاغٍ كلّ طلب ردّ القاضي العقاري الذي يُعَيّنه مدير الدوائر العقارية فيُهمَل الطلبُ ويُرَدّ في جميع الأحوال.
تُحدِّد المادة 24 نتائج التَخَلُّف عن الجلسة: إذا تَخَلَّف المدّعي يُعتَبَر الاعتراض لاغياً وباطلاً ويُرقَّن حُكماً، مع احتفاظه بِحقّ الاستفادة من أحكام المادة 31. وإذا غاب المدّعى عليه يُحكَم في الدعوى غيابياً، والأحكام الغيابية غير قابلة الاعتراض، غير أنّه يَحقّ لِذوي العَلاقة استئنافها خلال مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ تبليغ الحكم.
سادساً — قَطعية القرارات وطُرق المراجعة (المواد 25–30)
تُحدِّد المادة 25 نِظام الطعن بِقرارات القاضي العقاري المنفرد على مَرتبتَين. تَكون قراراته قاطعة وغير قابلة للمراجعة في حالتَين:
«1- في كل دعوى داخلة ضمن صلاحية حاكم الصلح [اليوم: ضمن النصاب القيمي لِلقاضي المنفرد المدني] حتى ولو كان الحكم قابلا للاستئناف بموجب القوانين المرعية الاجراء.
>
2- في الدعاوى التي تتعلق في الحقوق الجارية على الحدود او العائدة الى الجوار (كالجدران المشتركة، والحقوق الاتفاقية للنظر من النوافذ، وسيلان الماء والمرور الخ….).»
أمّا في “سائر الدعاوى الأخرى المُساقَة بِشأن الخلافات القائمة على وُجود أو على مَدى حقّ الملكية أو حقّ عيني على مالٍ غير منقول، أو الخلافات القائمة على موقع حدود العقار“، فيَحكُم القاضي بدائياً، إلّا في حالة تَطبيق أحكام المادة 172 من قانون أصول المحاكمات المدنية. وعندما تَكون الدعوى من صلاحية المحكمة الشرعية، يُمكن لِلقاضي أن يَأخذ رَأي القاضي الشرعي قبل البَتّ في الأساس أو في اعتراض الفرع. وَلِلقاضي الصفة في فَرض جزاء نقدي والبَتّ في طلبات العَطل والضرر عندما يَتَّضح له الاعتداء وسوء النية في الاعتراض، مع الاحتفاظ بِحقّ الاستئناف.
تَنُصّ المادة 26 على أنّ استئناف القرارات الصادرة عن القاضي العقاري المنفرد يُقدَّم تَحت طائلة عدم القبول إلى محكمة استئناف المنطقة في مُهلة 15 يوماً من تاريخ التَبليغ، ويُؤخَذ بِالأصول العادية مع تَعيين مستشارٍ مُقرِّر يُكَلَّف إجراء التَحقيقات والانتقال عند الاقتضاء إلى محلّ الخلاف. ويَكون قرار محكمة الاستئناف مُبرَماً، على أنّه يُمكن الاعتراض بِالأصول العادية على الحكم الصادر غيابياً. ولِلمادة 26 قاعدة جوهرية: “الاستئناف لا يوقف تسجيل العقار في السجل العقاري ويجري القيد وفقا للقرار البدائي“، مع الإشارة في السجل العقاري إلى وقوع الاستئناف في الحقل المخصَّص لِهذه الغاية. ودون ما انتظار لِقيد العقار في سجل الملكية، يُصبح العقار خاضعاً لِأحكام قرار 188 من تاريخ تبليغ القرار البدائي.
تَنُصّ المادة 27 على أنّ القاضي العقاري المنفرد يَحكم أيضاً في كلّ دعوى منوَّه عنها في المادة 25 إذا كانت قد أُقيمت لدى محكمة البداية أو المحكمة الشرعية أو حاكم الصلح، ولم يَكن قد صَدَر حُكم في الأساس قبل تاريخ تَبليغ قرار افتتاح أعمال التحرير والتحديد في المنطقة. ولِهذه الغاية، تَجب إحالة جميع أوراق الدعوى إلى القاضي العقاري ذي الصلاحية حالما يَتمّ تَبليغ قرار الافتتاح.
تَتَناول المادة 28 الأحكام البدائية أو الصلحية الصادرة في دعاوى المادة 25 والتي لم تَكن قد أصبحت نهائية بِتاريخ تَبليغ قرار افتتاح العمليات: لا يُمكن، اعتباراً من هذا التاريخ، الاعتراضُ عليها، بيد أنّه يُمكن استئنافها في مدّة ثلاثين يوماً ابتداء من تاريخ تَبليغها. وتُؤكِّد المادة 29 أنّ الاستئنافات المرفوعة قبل تاريخ افتتاح أعمال التحديد على دعاوى المادة 25 تُفصَل حسب الأصول العادية. أمّا المادة 30 (المعدَّلة 1932 + 1935 ثلاث مرّات)، فتُنَظِّم حالة الأطراف التابعة لِمحكمة الدعاوى الأجنبية: تَظَلّ قرارات القاضي العقاري المنفرد قابلة لِلاستئناف أمام محكمة استئناف الدعاوى الأجنبية وفقاً لِأحكام المادة 26.
سابعاً — مهلة السنتَين بعد التصديق: قَلب النظام (المادة 31)
تُجَسِّد المادة 31 القاعدة الجَوهرية التي تُحكم البنية الكاملة لِنظام التحديد والتحرير وَتُكَوِّن جسر العبور إلى قَطعية القيود في السجل العقاري:
«بعد اختتام عمليات التحرير والتحديد يبقى المجال مفتوحا لاقامة اية دعوى كانت لدى المحاكم العادية امام المعترضين او المدعين بحق ما الذين لم يصدر بشأن اعتراضهم او ادعائهم حكم اصبح له قوة القضية المحكمة او، في حالة الاستئناف، الذين لم يصدر حكم مبرم من محكمة الاستئناف، معطى وفقا لاحكام هذا القرار.
>
وهذا الحق يجب استعماله، تحت طائلة السقوط، خلال السنتين اللتين تليان التاريخ الذي يصبح به نافذا قرار تصديق محاضر التحديد او قرارات القاضي العقاري المنفرد، وفي حالة الاستئناف، قرار محكمة الاستئناف الصادرة وفقا لاحكام القرار الحالي.»
استَقَرّ الاجتهاد على عدّة قواعد تَطبيقية حَول هذه المُهلة:
- مهلة سُقوط مُطلَقة لا تَتأثَّر بِأسباب الوقف العادية: من فَوَّتها سَقَط حقّه في المراجعة العادية، ويُصبح قَيد العقار في السجل العقاري مَنزَّهاً عن كلّ طَعن بعد انقضائها.
- تَبدأ مهلة السنتَين من تاريخ نَفاذ قرار تَصديق المحاضر، أو من تاريخ نَفاذ قرار القاضي العقاري المنفرد في الدعاوى المُختَلَف عليها، أو من تاريخ قرار محكمة الاستئناف عند الاستئناف.
- تَتعَلَّق بِالمعترضين ومُدّعي الحقّ الذين لم يُحسم اعتراضهم بِقضية محكمة، لا بِأطرافٍ كانت غير مَدعوّة قانوناً أو لم تَعلَم بِالعمليّات.
الاستثناء الكبير: الخداع — المادة 17 من قرار 188
بعد انقضاء مهلة السنتَين، تَبقى ثَغرة واحدة فقط لِمن فَقَد حقّه نتيجة عمليات تَحديد وتَحرير شَابَها خداع: دعوى التعويض على أساس المادة 17 من القرار رقم 188 (المعدَّلة بِالمرسوم رقم 9794 تاريخ 4/5/1968)، وَمُهلتها عشر سنوات. استَقَرَّ الاجتهاد على ثلاثة شروط تَطبيقية لِهذه الدعوى:
- مِلكية المُدَّعي لِلحقّ الذي يُطالب بِالتعويض عنه؛
- قَيد هذا الحقّ على اسم سواه أثناء عمليات التحديد والتحرير؛
- لُجوء من قُيِّد الحقّ على اسمه إلى الخداع في سبيل إجراء هذا القَيد.
أَجمَع الاجتهاد على أنّ الخداع المنصوص عليه في المادة 17 من قرار 188 يُشكِّل جُرماً مَقصوداً عماده سوء النية، فلا يَكفي مجرّد الاستفادة من خطأ الغير دون تَواطؤ، ولا تَكفي القرينة المُجرَّدة على العلم. كما اعتُبِر أنّ الدعوى تَنحَصِر بِوُجوب إثبات خداع من سُجِّل العقار على اسمه، بِقطع النظر عن مسألة المالك الحقيقي، وأنّ “الإثبات يَنبغي أن يَنصبّ على استظهار سوء نية الفاعل” بِمعيارٍ شخصي ذاتي لا موضوعي.
ثامناً — التَصديق والقيد وقواعد التَسجيل (المواد 32–45)
تُنُصّ المادة 32 على أن يُصَدِّق القاضي العقاري المنفرد في حُكمه مُندَرَجات محضر التحديد والتحرير، وَيَجب عند الاقتضاء أن يَشتمل الحُكم على أسباب التَحويرات أو الإضافات الطارئة على المحضر، ويُصَدِّق المُصوِّرات التي يُنَظِّمها المهندس المساح المُلحَق بِقلم المحكمة تَصحيحاً لِلحدود. تُدوَّن قرارات القاضي مُباشَرة على المحضر، ثمّ تُنقَل إلى جدول تَحرير العقارات، ويَجب أن يَظلّ هذا الجدول دائماً مُنطَبِقاً على المحاضر. كما تَنُصّ المادة 32 على آلية التَبليغ بِإلصاق القرار مدة خمسة عشر يوماً على باب المحلّ الذي يَجلس فيه القاضي، مع إعفاء التَبليغات المنصوص عنها من الرسوم القضائية ورسوم الطوابع.
تُكَرِّس المادة 33 آلية تَصحيح الحدود وَتنظيم الخرائط وفقاً لِقرارات القاضي العقاري المنفرد. وتَستَوجب المادة 34 على كاتب القاضي إحالة محاضر التحديد والوثائق الموفقة بها التي قَدَّمها المتقاضون إلى رئيس المكتب العقاري المكلَّف مسك السجل العقاري، حالما تَنتهي مهلة الاستئناف.
تَفتح المادة 35 (المعدَّلة سنة 1939) صلاحيّة جَوهرية: من تاريخ مُباشَرَة التحديد والتحرير حتى تاريخ صدور قرار تثبيت المحاضر، يَقوم القاضي العقاري المنفرد مقام الدفتر خانه ومكاتب التسجيل الخاصّة بِجبل لبنان، لِيَتَثَبَّت ويَستَلِم التَصريحات أو الاتفاقات المُتَضَمِّنة البيع والفَراغ أو المبادلة أو التَخارُج الرضائي أو التأمين، وَإنشاء أو تَحوير أو سُقوط جميع الحقوق العينية. ويَقوم أيضاً بِناءً على طلب الورثة وَبَعد الاطّلاع على الوثائق الثبوتية المُبرَزة بِتعيين حصص كلٍّ منهم. وَلا يَجوز لِلمعاملات الجارية أمام القاضي العقاري المنفرد أن تَتناول سوى الحقوق الثابتة بِسند طابو أو بِقيد في سجلات الدفتر خانه أو بِعقد مثبت قانوناً في مكاتب التسجيل في لبنان.
تُقَيِّد المادة 36 (المعدَّلة 1932) صلاحية القاضي العقاري المنفرد في موضوع الإرث: لا صلاحية له في الفصل في حقّ الوراثة، ولا يُمكنه الأمر بِقسمة تركة ما إلّا بِإبراز حُجَج الوراثة أو شهادات الإرث المنصوص عنها في القانون. وفي حال عَدَم إبراز هذه الحُجج، يُقَيَّد العقار بِاسم ورثة المورِّث. ومن أبرز قَواعد المادة 36 الفقرة الأخيرة: “يعبر عن الحصص الارثية وكذلك عن حصص المالكين بالشيوع بكسر من مخرج 2400” — المخرج المُوحَّد لِكلّ الحصص في السجل العقاري اللبناني.
تُؤطِّر المادة 37 (المعدَّلة 1932) قواعد التَسجيل عند وجود سند طابو أو قَيد في الدفتر خانه: صاحب الحقّ هو الذي يُقَيَّد العقار بِاسمه. وإذا تَقَدَّم شخصٌ ثالثٌ بِحقّ وضع اليد وأَدلى بِحقّ الملكية أو التَصرّف، يُقَيَّد الحقّ المُدَّعى به بِاسم ذي اليد في ثلاث حالات حصرية:
«1- اذا ابرز صكوكا او وثائق تخوله حق القيد باسمه (كحكم محكمة او وقفية الخ…).
>
2- في حالة عدم ابراز شيء من ذلك اذا شهد له بحقه صاحب الحق الثابت بسند او بقيد او الاشخاص الذين اتصل اليهم منه هذا الحق في حالة وفاة صاحب الحق.
>
3- اذا كان واضعا يده على العقار او على المال غير المنقول بصورة هادئة وعلنية وبدون انقطاع مدة خمس سنوات هو بنفسه او بشخص مورثه او بواسطة شخص اخر لحاسبه، وذلك بمستند محق مدة عشر سنوات، او خمس عشرة سنة، حسب النوع الشرعي للعقار او للمال غير المنقول، اذا لم يكن بيده مستند محق.»
ويَكون المستند المُحقّ هو “الفِعل أو الحادث المُثبِت لِإحراز العقار بإحدى الوسائل التالية: كاشغال الارض الموت، او كانتقال الملك بالوراثة بغير وصية او بوصية، او كالهبة بين الاحياء بغير عوض او بعوض او كالبيع او الفراغ”.
تَتَناول المادة 38 (المعدَّلة 1932) العقار غير المُقَيَّد أصلاً في الدفتر خانه أو في دفاتر التسجيل في جبل لبنان، والمملوك بدون سند: يُقَيَّد الحقّ بِاسم واضع اليد الحالي إذا كان قد أشغله بِصورةٍ هادئة عَلَنية بِدون انقطاع مدّة عَشر سنوات أو خَمس عَشرة سنة حسب نوع العقار (أميري أو ملكي صرف). وإذا كان واضع اليد الحالي غير مُتَمِّم لِهذه الشروط، يُقَيَّد الحقّ بِاسمه إذا رضي بِأن يدفع بدل المثل مُخمَّناً وفقاً لأحكام المادة 42؛ وإذا رَفَض، يُسَجَّل العقار ملكاً لِلدولة.
تُحَدِّد المادة 39 قاعدة المساحة الفائضة: المساحة التي تَظهر بِالكَيل وتَكون داخلة ضِمن حدود سند الطابو تُفتَرَض مِلكاً لِصاحب السند؛ لكن إذا كان العقار قد أُجري إحرازُه على أساس الذراع أو الدُنُم مع بيان سعر الوحدة، فالزيادة الظاهرة بِالكيل تَكون خاضعة لِدفع بدل المثل فيما عَدا حالات المادة 38. وَتُضيف المادة 40 قاعدة خاصّة بِالعقار المجاور لِأراضٍ أميرية: عند عدم تَثبيت الحدود حسّياً أو عَدَم وُجود تَحديد وِجاهي بِحضور ممثِّل الدولة، تُقَيَّد المساحة المذكورة بِالسند مُضافاً إليها 20%، وأمّا الزيادة الظاهرة بِالكيل فتَكون خاضعة لِدَفع بدل المثل.
تُحيل المادة 41 (المعدَّلة 1932) إلى مدد مرور الزمن وفقاً لِلقواعد المُعَيَّنة في المادتَين 257 و260 من قرار 3339، وتُطَبَّق القواعد المُعَيَّنة في المواد 255 و256 و258 و259 و261 لِغاية 266 من القرار نفسه (وهذه هي المُنظومة المُسهَبَة في الجزء الخامس من هذه السلسلة). وتَنُصّ المادة 41 على قَاعدة إثباتية جَوهرية: شهادة المختارين وأعضاء مجلس الاختيارية وأصحاب الملك والمجاورين والمتدخِّلين في الدعوى الموقِّعين على محضر تَحديد العقار، تُعتَبَر كافية لِإثبات اليديّة المتمِّمة لِشروط المواد 37 (الفقرة الثالثة) و38 و39 و40، ما لم يَكن هناك بُرهان خَطّي يُعارض الشهادة.
تَنُصّ المادة 42 على تَخمين قيمة العقارات الخاضعة لِدَفع بدل المثل في كلّ قرية بِمعرفة اللجنة، مع إسقاط العُشر من القيمة عن كلّ سنة خَلَت من تاريخ تَصرُّف واضع اليد إذا تَبَيَّن أنه أَدخل تَحسينات وتَصَرَّف هادئاً، وإسقاط ثلث القيمة إذا كان قد أَدخل التَحسينات بِنفسه أو بِواسطة أَقاربه أو ممثِّليه الشرعيين. وَتُؤطِّر المادة 44 (المعدَّلة 1959) آلية الاستيفاء: “يستوفى بدل المثل على عشرة اقساط سنوية متساوية، وتتمتع الدولة، لسداد هذا الدين بحق ممتاز معفى من التسجيل” — وهذا هو الامتياز الذي أَشَرنا إليه في الجزء الرابع من السلسلة بِوَصفه أَحَد الديون الثلاثة الممتازة في عُلوية الحقوق العقارية.
تُحَدِّد المادة 45 (المعدَّلة 1932) وَحدات التَعبير عن المساحة في الوثائق الرسمية: الهكتار والآر والسنتيار، مع إمكانية ذِكر القياسات القديمة بِناءً على طلب ذوي العَلاقة. وَتُقدِّم جدول التحويل: الذراع المُربَّع = متر مربع، الأولك المربع = 400 ذراع مربع، الدنم = 4 أولاك = 1600 ذراع مربع.
(تَجدر الإشارة إلى أنّ المادة 43 ألغيت بِقرار 104 تاريخ 12/6/1959.)
تاسعاً — الأحكام المؤقتة لِلمناطق غير الممسوحة (المواد 46–49)
تَتَناول المادة 46 (المعدَّلة 1932) المناطق التي لا تُطَبَّق فيها قرارات 186 و188 و189: يَقوم القاضي العقاري المنفرد مَقام المجالس الإدارية ويَفصل في ثلاث مسائل من صلاحية الدفتر خانه:
«1- التثبت من انقراض الورثة.
>
2- اعطاء الارض بطريقة “حق القرار” او مقابل دفع “بدل المثل”.
>
3- تصحيح قيود سندات الطابو اذا كانت هذه القيود غير متفقة وقيود سجلات الدفتر خانه بسبب خطأ او سهو مادي مثبت وفقا لاحكام قانون 28 شباط سنة 1329 بشأن التصرف.»
أَفادَت المادة 46 في صياغتها الأصلية إلى “حاكم الصلح في القضاء”، غير أنّ قضاء الصلح أُلغي والاختصاص اليوم منعقدٌ لِلقاضي العقاري المنفرد. تُحيل المادة 47 (المعدَّلة 1932) في حالة بدل المثل إلى تَطبيق المواد 37 و40 و42 من القرار. وَتُؤطِّر المادة 48 (المعدَّلة 1932) الأصول الإجرائية بِالإحالة إلى المواد 23 و24 و32 و41، مع وجوب الانتقال إلى موقع العقار لِلتحقيق، ودخول إدارة أملاك الدولة كَفَريق ثالثٍ تَحت طائلة بطلان المعاملة، وَإمكان استئناف قرارات القاضي العقاري إلى محكمة الاستئناف ذات الاختصاص خلال خمسة عشر يوماً. ويَكون قرار محكمة الاستئناف نافذاً وَغير قابل لأيّ طريق من طُرُق المُراجَعة.
تَنُصّ المادة 49 على حظرٍ صريح ابتداءً من تاريخ إذاعة القرار: لا يَجوز لِلمجلس الإداري أو لِمجلس شورى الدولة النَظَر في أيّ دعوى أو عريضة تَتعَلَّق بِالمواد المنصوص عنها في المادة 46. وتُحَوَّل اضبارات القضايا الموجودة أمام المجالس الإدارية بِأمر من الرئيس إلى اللجنة الدائمة في القضاء أو المحافظة (أي إلى القاضي العقاري المنفرد الحالي بَعد إلغاء النظام اللجنوي).
عاشراً — الأحكام الجزائية والنهائية (المواد 50–58)
تَفتح المادة 50 (المعدَّلة 1932) الفصل الجزائي بِأن يَفرض رئيس اللجنة، ضِمن حدود صلاحية حاكم الصلح، العقوبات المُعيَّنة في القانون على كلّ مرتكب مُخالفة في أثناء أعمال التحرير والتحديد، مع إحالة الجنح والجرائم الأخرى إلى المحاكم العادية. الأحكام الصادرة في المخالفات المنصوص عنها في المادتَين 51 و52 غير قابلة أيّ طريق من طُرُق المُراجَعة وهي نافذة بدون إمهال.
تَنُصّ المادة 51 (المعدَّلة 1932) على عقوبة جزاء نقدي من 5 إلى 50 ليرة لبنانية سورية لِكلّ من يُعارض إجراء عمليات التحديد أو التسجيل أو المسح أو يَخلق متَعمَّداً صعوبات على ذلك، مع تَطبيق الحدّ الأقصى من العقوبة عند التكرار. وتَفرض المادة 52 (المعدَّلة 1932) العقوبة نفسها على المختار أو عضو مجلس الاختيارية أو المهندس المساح أو المأمور الذي يَتَهاوَن في تأدية واجباته، مع إلغاء عمليات التحديد المُؤقّت وإعادتها على نفقة أصحاب التَصريحات إذا أَلحَق أهالي قريةٍ ضَرَراً بِحقوق شخصٍ آخر بِسبب تَصريحات مُتَّفَق عليها فيما بينهم.
تُحيل المادة 53 المحاضر المتعلِّقة بِالأجانب إلى المدّعي العام لدى محكمة الدعاوى الأجنبية ذات الصلاحية. ثمّ تَأتي العقوبات الأشدّ: تَفرض المادة 54 عقوبة السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وَجزاءً نَقدياً من 25 إلى 500 ليرة على كلّ من سَجَّل أو حاوَلَ تَسجيل ملك الغير بِاسمه أو بِاسم شخصٍ آخر بِاستعمال وسائل تَزويرية أو بإبراز وثائق أو سندات لِغيره تحت اسمٍ كاذب، مع الاحتفاظ بِحقّ المطالبة بِالتعويضات الحقوقية. وتُطَبِّق المادة 55 العقوبات نفسها على كلّ من يَشهد شهادةَ زورٍ بِقَصد تَسهيل تَسجيل عقار، بِلا حقّ، بِاسم شخصٍ آخر.
تَتَضَمَّن المادة 56 (المعدَّلة 1932) قاعدة تَفسيرية: في جميع الأحوال التي تُستَعمَل فيها في نَصّ القرار لَفظتا “مال غير منقول أو قطعة” تُستَبدلان بِلفظتَي “عقار أو مال غير منقول“. وَتُلغي المادة 57 “وتَبقى ملغاة جميع الأحكام المُخالِفة لِهذا القرار”. وَتَختم المادة 58 بِالتَكليف بِالتَنفيذ.
خلاصة وإشارة إلى الجزء الثامن المُرتَقَب
يُشكِّل قرار 186 الإطارَ التَأسيسي لِنظام السجل العقاري اللبناني: لا يُفتَح السجل في منطقةٍ ما إلّا بعد إنجاز عمليات التحديد والتحرير وَصدور قرار التَصديق، وَلا تَكتسِب القيود قوّتها الإثباتية المنزَّهة عن كلّ رَيب إلّا بعد انقضاء مهلة السنتَين المنصوص عنها في المادة 31. هذه المُهلة هي المِفصَل الأكبر في النظام: قبلها، يَبقى المجال مفتوحاً أمام المعترضين ومُدّعي الحقوق لِمراجَعَة المحاكم العادية؛ بَعدها، يَنغَلِق هذا المجال تَحت طائلة السقوط، ولا يَبقى من ثَغرة سوى دَعوى التعويض على أساس المادة 17 من قرار 188 خلال عَشر سنوات في حالة الخداع، وَبِالشروط الثلاثة التي استَقَرَّ عليها الاجتهاد.
تَتَكامل عناصر النظام بِنحوٍ مُحكَم: المساح يَدخل ميدانياً تَحت رقابة القاضي العقاري المنفرد؛ المختار يَحضر العمليات وَجوباً؛ المالكون والمجاورون والمدّعون يُدعَون لِلمشاركة الوِجاهية؛ مهلة الثلاثين يوماً تَفتح الباب لِلاعتراضات المُتأخِّرة؛ القاضي يَبتّ في النزاعات بِقرارات قاطعة في بعضها وَبدائية في أخرى؛ ثم تَنتقل المحاضر المُصَدَّقة إلى أمين السجل العقاري لِتُؤَسِّس البِنية الأولى لِلصحائف العينية في دفتر الملكية. وكلّ ذلك تَحت إشراف موحَّد لِمديرية الشؤون العقارية، وَبِنُظُم استئناف وَطعن مُحدَّدَة المُهَل بِنحوٍ صارم.
يَتَبَقّى من السلسلة جزءٌ ثامن وأخير سَيَتناوَل النظام الخاصّ بِالملكية المشتركة في العقارات المبنية وفقاً لِلمرسوم الاشتراعي رقم 88 تاريخ 16/9/1983، وهو الإطار الناظم لِجوانب الملكية المشتركة في الأبنية السكنية والتجارية المتعدِّدة الطوابق — ميدانٌ جَوهري بِمَوازاة سَلسلة قرارات 1926 الكُبرى.