الوعد بالبيع وحقّ الشفعة ومرور الزمن المُكسِب في القانون اللبناني — الجزء الخامس من الدليل العملي لقانون الملكية العقارية
الجزء الخامس من سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”، يُغطّي ثلاث طرق لاكتساب الحقوق العينية على العقار، خارج القاعدة الأصلية القائلة بأنّ القيد في السجل العقاري هو وسيلة الاكتساب: الوعد بالبيع وحقّ الخيار (المواد 220–227)، وحقّ الشفعة (المواد 238–254)، ومرور الزمن المُكسِب (المواد 255–266) من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930).
مقدّمة
في الجزء الرابع من هذه السلسلة عَرضنا الباب الخامس من قانون الملكية العقارية اللبناني — قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930 — أي الامتيازات والتأمينات العقارية ونزع الملكية الإجبارية. يَنتقل هذا الجزء إلى أبواب لاحقة من القرار نفسه، تَجمعها وحدة موضوعية واحدة: الطرق البديلة لاكتساب الحقوق العينية العقارية، أي تلك التي تَخرج عن القاعدة الأصلية المنصوص عليها في المادة 204.
تَنصّ المادة 204 على أنّ «يَتمّ اكتساب الحقوق العينية وانتقالها بقيدها في السجل العقاري»، وهي القاعدة المركزية في النظام العقاري اللبناني. غير أنّ هذه القاعدة لا تَستوعب كلّ طرق الاكتساب: فالقرار يَعترف بطرق أخرى لاكتساب الحقّ في القيد ذاته، يُحصيها قَيدها في السجل بعد توافر شروط مادّية أو إجرائية معيَّنة. تُعدِّد المادة 228 ستّ طرق لاكتساب حقّ القيد: الإرث، والهبة بين الأحياء والوصية، والاشغال، والشفعة، ومرور الزمن، ومفعول العقود. ويَنضمّ إليها الوعد بالبيع — الذي وإن لم يُدرَج في تعداد المادة 228، فإنّه يُولِّد، بموجب المادة 221، حقّاً عينياً يَتمتّع بحماية القيد الاحتياطي ويَتحوّل إلى ملكية عند تَقرير الشراء.
هذا الجزء يُغطّي ثلاث طرق منها، يَجمعها أنّها تَتقاطع مباشرةً مع النزاعات العقارية اليومية: الوعد بالبيع، وحقّ الشفعة، ومرور الزمن المُكسِب. وقد سَبق أن أُحيلت بعض هذه الموضوعات في الجزءَين السابقَين كإشارات عابرة (لا سيّما عند معالجة البيع بالوفاء في الجزء الثالث، والتأمين العقاري على عقار موعود ببيعه في الجزء الرابع)؛ هنا تُعالَج معالجةً مستقلّةً ومُتكاملة.
ثلاث طبقات تشريعية لاحقة على نصّ 1930 تَستحقّ الإشارة منذ المقدّمة:
- القانون تاريخ 5/2/1948: أَعاد صياغة كامل أحكام الفصل الخامس من الباب التاسع (الشفعة، المواد 238–254). والنصوص أدناه هي الصياغة الراهنة بعد هذا التعديل؛
- القانون رقم 461 تاريخ 31/8/1995: أَعاد ترتيب فئات الشفعاء (المادة 239)، وألغى المادة 241 إلغاءً تامّاً، وأَدخل على المادة 249 ملحقاً انتقالياً يُجيز للمشتري المشفوع منه تعويضاً إضافياً يَصل إلى خمسة عشر بالمئة من قيمة العقار في الدعاوى العالقة بتاريخ نفاذ القانون فحسب؛
- القانون رقم 583 تاريخ 23/4/2004: ألغى نصّ المادة 255 الأصلي واستعاضه بنصّ جديد يُحصي أربع فئات من الحقوق العقارية المحصَّنة من مرور الزمن المُكسِب، ويُلزِم المحاكم العقارية بالإدخال العفوي للمديرية العامة للشؤون العقارية والبلديات المعنية في كلّ دعوى أو طلب يُدَّعى بها سنداً لوضع اليد.
نطاق هذا الجزء: أحكام قرار 3339، موزَّعة على:
- المادتان 204 و205 (إطار عامّ): قاعدة القيد كوسيلة للاكتساب، وإحالة مفاعيل القيود إلى المادة 11 من قانون السجل العقاري — قرار رقم 188 تاريخ 15/3/1926؛
- الباب الثامن (المواد 220–227): الوعد بالبيع وحقّ الخيار؛
- الفصل الخامس من الباب التاسع (المواد 238–254، مع إلغاء المادة 241): حقّ الشفعة وأسبابه ومدده وتعويضه؛
- الفصل السادس من الباب التاسع (المواد 255–266): مرور الزمن المُكسِب للحقوق العقارية، بشروطه ومُدده وحالات وقفه وانقطاعه.
أوّلاً — الإطار العامّ: القيد وسيلةُ الاكتساب (المادتان 204 و205)
تَنصّ المادة 204 على القاعدة المؤسِّسة:
يَتمّ اكتساب الحقوق العينية وانتقالها بقيدها في السجل العقاري. وعدا ذلك فإنّ حقوق الملكية وحقوق التصرّف تُكتسب أيضاً بالإلحاق وفقاً لأحكام الفصل الثاني من هذا الباب.
>
وكلّ من يَكتسب عقاراً بالإرث أو بنزع الملكية أو بحكم فهو مالك قبل التسجيل، ولكن لا يَكون للاكتساب مفعول إلّا بعد التسجيل.
تَضع المادة قاعدتَين متمايزتَين: القيد يُولِّد الاكتساب أصلاً، إلّا في حالات محصورة (الإرث، نزع الملكية، الحكم القضائي) يَكون فيها المرء مالكاً قبل التسجيل ولكن لا يَنفذ هذا الاكتساب تجاه الغير إلّا بعد قَيده. تَترتّب على هذا التمييز نتائج عملية مَلموسة: فالوارث مَلَك بمجرّد الوفاة، غير أنّه لا يَستطيع التصرّف بالعقار تجاه الغير قبل تسجيله؛ وكذلك مَن انتزع ملكية عقار بنزع جبري، فإنّه مالك بقرار الإحالة، ولكنّ التصرّف الفعلي بالملكية تجاه الغير يَبقى مُعلَّقاً على القيد.
تُحيل المادة 205 مفاعيل القيود إلى المادة 11 من قرار رقم 188 تاريخ 15/3/1926 المتعلِّق بالسجل العقاري. وهذه الإحالة جوهرية: قواعد إنشاء القيد، ومفاعيله تجاه الغير، وقواعد الأَولوية الزمنية بين القيود، لا تَنبع من قرار 3339 ذاته، بل من القرار 188 الذي يُشكِّل مع قرارَي 186 و189 المنظومة العقارية الإجرائية الكاملة. هذا التشابك التشريعي بين قرارات 3339 (الموضوعي) و186 (التحديد والتحرير) و188 (السجل العقاري) و189 (التطبيق التنفيذي) يَنعكس على نَحو متكرّر في النصوص اللاحقة، ولذلك تَرد إحالات صريحة إلى مواد قرار 188 في عدد من النصوص التي نُحلِّلها أدناه.
تُكمِل المادة 228 الصورة بتعداد ستّ طرق لاكتساب حقّ القيد ذاته: الإرث، الهبة بين الأحياء والوصية، الاشغال، الشفعة، مرور الزمن، ومفعول العقود. الطرق الأربع الأولى مَوضوعها تَفصيلٌ في فصول لاحقة من الباب التاسع، تَعمَل هذه الفصول كآلية تَنبع منها الملكية حتّى دون اتفاق سابق على البيع. وهنا تَكمن الفرادة العمليّة لهذا الجزء: ثلاث آليات لاكتساب حقوق عينية لا تَعتمد على عقد بيع مُسجَّل بين الواعد والموعود — بل على وعد سابق على البيع (الوعد بالبيع)، أو على «انتزاع» عقار مَبيع من المشتري (الشفعة)، أو على وضع اليد المُتطاوِل (مرور الزمن).
ثانياً — الوعد بالبيع وحقّ الخيار (المواد 220–227)
الوعد بالبيع عقدٌ مَعروف في القانون العامّ بمَوجب قانون الموجبات والعقود اللبناني (المواد 493–498). والمادة 498 منه تَنصّ صراحةً على أنّ «الوعد بالبيع فيما يَختصّ بالأموال غير المنقولة خاضع للقوانين العقارية المرعيّة الإجراء». فقرار 3339 هو القانون الخاصّ الذي يَحكم الوعد ببيع عقار، ويَتقدّم على القواعد العامّة في قانون الموجبات والعقود حيث وَرد فيه نصّ خاصّ.
تعريف الوعد بالبيع وشروط صحّته (المادة 220)
تُعرِّف المادة 220 الوعد بالبيع بأنه:
اتفاق يَتعهّد بمَوجبه شخص ببيع شيء ما لشخص آخر حالما يُصرِّح هذا الشخص الآخر (الذي لا يَتعهّد بشراء الشيء) بأنّه قرّر شراء الشيء الموعود به على هذه الصورة.
ثلاث خصائص جوهرية:
- عقد غير مُتبادل: الواعد وحده هو المُلتزم؛ الموعود حُرّ في تَقرير الشراء أو الإحجام عنه؛
- شروط الصحّة الجوهرية: لا يَكون الوعد صحيحاً إلّا إذا شَمل اتفاق الطرفَين، بآنٍ واحد، ثلاثة عناصر: الشيء (العقار الموعود ببيعه)، والثمن، والمهلة التي يَتسنّى فيها لصاحب الوعد أن يُقرِّر الشراء. غياب أيٍّ من العناصر الثلاثة يُبطل الوعد؛
- حدّ أقصى للمهلة: لا يَجوز أن تَتجاوز خمس عشرة سنة. إذا اتفق الطرفان على مهلة أطول، يَبقى الوعد صحيحاً، ولكن لا يَكون له مفعول إلّا مدّة خمس عشرة سنة.
تُجيز المادة 220 أن يَكون الوعد بالبيع لشخص معيَّن، أو محرَّراً «لأمر» — أي قابلاً للانتقال بالتجيير من الموعود إلى شخص ثالث. ويَكون التجيير باطلاً إذا لم يَشتمل على التاريخ مكتوباً بكلّ حروفه، وعلى توقيع المتنازل، وعلى تصديق هذا التوقيع من قِبل الكاتب العدل. أمّا تحرير الوعد «لحامله» فممنوع حُكماً.
الوعد ببيع عقار يُولِّد حقّاً عينياً (المادة 221)
تُقرِّر المادة 221 طبيعةً قانونيةً فريدة:
يَتولّد عن الوعد ببيع عقار ما حقّ عيني يَخضع بهذه الصفة لجميع الأحكام الجارية على الحقوق العينية.
هذا تَفصيلٌ مَفصلي: الوعد ببيع عقار ليس موجباً شخصياً بسيطاً على ذمّة الواعد، بل حقّ عيني يَتولّد منه فور الاتفاق. ينعكس هذا في تَطبيق المادة 10 من قرار 188 الخاصّة بانتقال الحقوق العينية، ولا سيّما على تجيير الوعود المحرَّرة «لأمر». استقرّ الاجتهاد على أنّ هذه الطبيعة العينية تُخضِع الوعد لقواعد إعلان الحقوق العينية وقَيدها في السجل، وتُفسِّر آليات الحماية المنصوص عليها في المواد التالية.
الحَظر على تصرّفات الواعد + استثناء التأمين (المادتان 222 و223)
القاعدة (المادة 222): الوعد ببيع عقار يَمنع الواعد، طوال المهلة المُعطاة للموعود لتَقرير الشراء، من بيع العقار أو من إنشاء حقّ عيني عليه — باستثناء التأمين. هذا تَخصيصٌ تَشريعي صريح: لا يَجوز إنشاء حقّ ارتفاق جديد، ولا انتفاع، ولا إجارة طويلة، ولا أيّ حقّ عيني آخر، خلال المهلة؛ ولكنّ التأمين العقاري — وهو حقّ تأميني لا انتزاع له — يَبقى مَسموحاً.
الاستثناء بآليّاته (المادة 223): للواعد الحقّ في عَقد تأمين على العقار خلال المدّة نفسها، ولكنّ التأمينات المعقودة على هذه الصورة لا تَحول دون حقوق الشخص الموعود. فإذا قَرّر الموعود الشراء، يَحلّ بَدَل البيع حلولاً حقيقيّاً محلّ العقار الجاري عليه التأمين، وتَنتقل حقوق الدائنين أصحاب التأمين إلى هذا البدل، وفقاً للترتيب المقرّر بمَوجب أحكام المادتَين 16 و17 من قرار رقم 1329 المؤرّخ في 20 آذار سنة 1922 (وهو القرار الذي يَنظم رتبة التأمينات بحسب القيد، والذي اعتُمد في الجزء الرابع من السلسلة عند معالجة قواعد التأمين العامة).
القاعدة العملية: المُشتري الموعود يَجد العقار وقد تَحرّر من التأمين عند تَقرير الشراء، وتَنتقل حقوق الدائن المؤمَّن إلى الثمن المدفوع. وهذا هو معنى «الحلول الحقيقي» — لا حلول للذمم، بل حلول للأموال.
القيد الاحتياطي ومُحتواه (المادة 224)
تَحجب المادة 224 مفاعيل المادتَين 222 و223 عن الغير الحَسني النيّة، إلّا اعتباراً من تسجيل الوعد تسجيلاً احتياطياً في السجل العقاري وفقاً للمادة 25 من قرار 188:
يَكون هذا القيد الاحتياطي باطلاً إذا لم يُذكَر فيه الثمن والمدّة المتّفق عليها وكذلك اسم الشخص الموعود وعنوانه، وعند الاقتضاء لفظة «لأمر».
أربعة عناصر إلزامية لصحّة القيد الاحتياطي:
- الثمن المتفق عليه؛
- المدة (أي مهلة الخيار)؛
- اسم الشخص الموعود وعنوانه؛
- إذا اقتضى الأمر، لفظة «لأمر» تَدلّ على قابلية التجيير.
غياب أيٍّ من العناصر الأربعة يَجعل القيد الاحتياطي باطلاً، ومعه تَنهار الحماية الإجبارية للموعود تجاه المُشترين اللاحقين الحَسني النيّة. القيد الاحتياطي هنا ليس إجراءً شكلياً ثانوياً، بل هو شرط نَفاذ الوعد تجاه الغير.
استقرّ الاجتهاد على أنّ القيد الاحتياطي يَكتسب قوّةً ثبوتيةً تَجعله حُجّة تجاه الغير على صحّة الوقائع والحقوق الواردة فيه، وتُعيِّن رتبة التسجيل اعتباراً من تاريخ هذا التدوين. فإذا قُدِّم سند تَملُّك للتسجيل، ثم لم يُسجَّل بسبب مانع، ولكن دُوِّن قيدٌ احتياطي في صحيفة العقار، ثم أُزيل المانع وسُجِّل السند، فإنّ تاريخ سند التملُّك يَرجع إلى تاريخ تدوين القيد الاحتياطي.
التأمين المُنشَأ بين القيد الاحتياطي وتَقرير الشراء (المادة 225)
إذا جَرى تأمين في المدّة الواقعة بين القيد الاحتياطي للوعد بالبيع وتَقرير الشراء، فلا يَكون دفع الشاري لثمن العقار صحيحاً إلّا إذا تَمّ الدفع بيد الكاتب العدل، الذي يَتولّى توزيعه وفقاً للمادة 223 وسائر الأحكام النافذة.
هذا حُكم وقائي صريح: لا يَجوز للمُشتري الموعود أن يَدفع الثمن مباشرةً للبائع الواعد إذا كان قد جرى تأمين بين القيد الاحتياطي وتَقرير الشراء؛ فالتأمين يَستحقّ الحلول الحقيقي على الثمن، ولا يَتحقّق هذا الحلول إلّا إذا تَدفّق الثمن عبر الكاتب العدل الذي يُوزِّعه بحسب رتبة التأمين. أيّ دفع مباشر يَجعل المُشتري مَعرَّضاً للمسؤولية تجاه الدائن المؤمَّن.
إجراءات حفظ مفعول القيد الاحتياطي عند رفض البائع (المادتان 226 و227)
تُحدِّد المادة 226 إجراءً مزدوجاً يَجب على المُشتري الموعود اتّباعه إذا رَفض البائع الواعد، خلال مهلة الخيار، تَلبية دعوة الشاري لعَقد البيع النهائي وتسجيله. على الشاري عند ذلك أن:
1- يُصرِّح كتابةً، قبل انقضاء المهلة المذكورة، للبائع ولرئيس المكتب العقاري معاً برغبته في تَقرير الشراء؛
>
2- يَرفع، في أثناء الخمسة عشر يوماً التي تَلي تَقرير الشراء، إلى المحكمة دعواه بطلب صدور الحكم بالفراغ النهائي، وتُقام الدعوى على البائع، ويَجب إدخال رئيس المكتب العقاري في القضيّة.
ثم تَنصّ المادة 227 على أنّ رئيس المكتب العقاري يُجري الفراغ النهائي بناءً على طلب الشاري، حالما يُصبح للحكم القاضي بإجراء هذا الفراغ قوّة القضيّة المحكوم بها (الحكم البات الذي لا يَقبل أيّ طريق طَعن عادي أو غير عادي).
ثلاث ملاحظات تَطبيقيّة:
- الإجراء الكتابي قبل انقضاء المهلة: يَجب التصريح الكتابي للبائع ولرئيس المكتب العقاري معاً؛ ضياع أيٍّ من الإبلاغَين يَجعل الإجراء قاصراً عن حفظ مفعول القيد الاحتياطي؛
- مهلة الخمسة عشر يوماً: تَبدأ من تَقرير الشراء، أيّ من تاريخ التصريح الكتابي، لا من انقضاء مهلة الخيار. وعدم رفع الدعوى خلال المهلة يَؤول إلى زوال القيد الاحتياطي، ويُصبح الواعد قادراً على التصرّف بالعقار حُرّاً تجاه الغير الحَسني النيّة؛
- إدخال رئيس المكتب العقاري: شرط شكلي إلزامي في دعوى الفراغ النهائي. غيابه يَجعل الحكم ناقصاً، ولا يَستطيع رئيس المكتب العقاري إجراء الفراغ.
ثالثاً — حقّ الشفعة (المواد 238–254)
حقّ الشفعة هو إحدى الطرق المنصوص عليها في المادة 228 لاكتساب حقّ القيد في السجل العقاري. وقد أَعاد القانون تاريخ 5/2/1948 صياغة الفصل بكامله، ثم أَدخل القانون رقم 461 تاريخ 31/8/1995 إصلاحَين جوهريَّين: إعادة ترتيب فئات الشفعاء (إلغاء الجار الملاصق نهائياً)، وإرساء نظام تعويض انتقالي للدعاوى العالقة. النصوص أدناه هي الصياغة الراهنة بعد هذَين التعديلَين.
تعريف الشفعة ونطاقها (المادة 238)
الشفعة حقّ يُجيز لصاحبه أن يَنتزع العقار المبيع من المشتري في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في المواد التالية.
>
يَسري حقّ الشفعة على العقارات الملك وعلى العقارات الأميرية.
>
وتَظلّ ملغاةً حقوق الرجحان والطابو المنصوص عليها في قانون الأراضي العثماني.
ثلاث خصائص أساسية:
- سلطة الانتزاع: الشفيع يَنتزع العقار بعد البيع، لا قبله. أيّ أنّ الشفعة لا تَمنع البيع، بل تَتدخّل بعد إتمامه ليَحلّ الشفيع محلّ المشتري في العقد ذاته؛
- نطاق ضيِّق: الأحوال محصورة في المواد التالية، أيّ أنّ الشفعة حقٌّ استثنائي يُفسَّر تفسيراً ضيّقاً. استقرّ الاجتهاد على أنّ النصوص المتعلِّقة بالشفعة، بوصفها استثناءً على القاعدة العامة في حُرية تصرّف المالك بملكه، تُفسَّر تفسيراً ضيّقاً ولا يُتوسَّع فيها؛
- القطيعة مع القانون العثماني: حقوق الرجحان والطابو المنصوص عليها في قانون الأراضي العثماني تَظلّ ملغاةً.
فئات الشفعاء الثلاث وترتيب أَولويتها (المادتان 239 و240)
تَحصر المادة 239 (بصيغتها بعد تعديل 1995) حقّ الشفعة في ثلاث فئات لا غير:
1- لمالك الرقبة، إذا بِيع حقّ الانتفاع سواء تَناول البيع كلّ الحقّ أو بعضه؛
>
2- للشريك في الشيوع، إذا بِيعت حصّة أو أكثر في العقار الشائع من غير الشركاء في الشيوع؛
>
3- لصاحب حقّ الانتفاع، إذا بِيعت الرقبة سواء تَناول البيع كلّ الرقبة أم بعضها.
ويُسقَط كلّ حقّ آخر بالشفعة نَشأ قبل نفاذ قانون 1995 ولم يُستعمل بعد. كان الجار الملاصق يَتمتّع بحقّ شفعة بمَوجب الصياغة السابقة، وكذلك بعض الفئات الأخرى المرتبطة بالارتفاق؛ هذه كلّها أُسقِطت نهائياً بقانون 1995. وقد ألغى القانون نفسه المادة 241 إلغاءً تامّاً.
أمّا المادة 240، فتُعالج تَزاحم الشفعاء:
- عند تَزاحم فئات مختلفة: تَكون الأَولوية بحسب التَرتيب المنصوص عليه في المادة 239، أيّ أنّ مالك الرقبة يَتقدّم على الشريك في الشيوع، الذي يَتقدّم بدوره على صاحب حقّ الانتفاع؛
- عند تَزاحم شفعاء من فئة واحدة: يَكون حقّ كلٍّ منهم على قَدر نَصيبه. وإذا تَخلّى أحدهم أو بعضهم عن حقّه، استَعمل الباقون هذا الحقّ على قَدر نَصيبهم.
استقرّ الاجتهاد على أنّ الشفعة بين الشركاء في الشيوع لا تَنفتح إلّا عند بيع الحصّة لشخص خارج الشيوع؛ أمّا البيع من شريك إلى شريك آخر في العقار الشائع نفسه، فلا تَنشأ معه شفعة. هذا التَخصيص جوهري في النزاعات العقارية الحديثة بين الورثة المُتشاركين في عقارات الأسرة.
شرط الأسبقية، والانتقال إلى الورثة، وعدم القابلية للتفرّغ (المادتان 242 و243)
تَضع المادة 242 شرطاً زمنياً صريحاً: يَعود حقّ الشفعة للأشخاص المذكورين في المادة 239 الذي يَكون تاريخ سند تَملُّكهم سابقاً لتاريخ سند تَملُّك المشتري. أيّ أنّ من اشترى حصّةً في الشيوع بعد التصرّف الذي يَدّعي الشفعة فيه، لا يَستطيع المطالبة بها. والعبرة بتاريخ القيد في السجل العقاري — لا بتاريخ العقد ولا بتاريخ السجل اليومي. استقرّ الاجتهاد على أنّ السجل الواجب اعتماده لاحتساب الأسبقية هو دفتر الملكية (الصحيفة العينية)، لا أيّ سجل تابع للسجل العقاري كالسجل اليومي.
وتُكمِل المادة 243: يَنتقل حقّ الشفعة عند وفاة صاحبه إلى ورثته، ولا يَجوز التفرُّغ عنه لشخص آخر. أيّ أنّ حقّ الشفعة يُورَث، لكنّه لا يُباع ولا يُحوَّل بين الأحياء.
بمواجهة مَن تُستعمل الشفعة + الموانع الأسرية (المادة 244)
تَنصّ المادة 244 على أنّ الشفعة لا تُستعمل إلّا بوَجه المشتري أو بوَجه الموهوب له بعوض. وفي الحالة الأخيرة، يَكون حقّ الشفعة معرَّضاً لأسباب البطلان والإبطال والإلغاء نفسها الجارية على الهبة ذاتها.
ثم تُحدِّد ثلاث حالات لا تُسمَع فيها دعوى الشفعة:
- المقايضة العقارية: البيع المُتبادل لعقارَين بَين فريقَين لا يَفتح حقّ شفعة لأيّ شخص خارج العقد؛
- البيع بين الزوجَين: حماية للعلاقة الزوجية من تَدخّل الشفعاء؛
- البيع بين الأصول والفروع أو بين الإخوة والأخوات: حماية للروابط الأسرية المباشرة.
النَتيجة العملية: يُمكن للمالك التحايل ظاهرياً على حقّ الشفعة عبر إِخفاء البيع في صورة هبة مَجّانيّة، أو عبر إتمامه ضمن العائلة المباشرة. هذا التحايل ليس مَجاناً: استقرّ الاجتهاد على أنّ صورية الهبة المُخفية لبيع تَخضع للإثبات بكلّ وسائل الإثبات، ومتى ثَبتت الصورية، انفتح حقّ الشفعة. وكذلك إذا كانت الهبة بِعوض، فالشفعة جائزة بنصّ المادة 244 ذاتها.
عدم تَجزئة حقّ الشفعة (المادة 245)
حقّ الشفعة لا يَتجزّأ، فلا يَجوز استعماله أو إسقاطه إلّا بكامله.
ثلاث نتائج عملية:
- لا يَجوز للشفيع أن يَنتزع جزءاً من العقار المبيع ويَترك الباقي للمشتري؛
- في حال تَعدُّد الشفعاء المتساوين في الفئة، إذا أسقط أحدهم أو بعضهم حقّه، وَجَب على الباقين طلب الشفعة وإسقاطها بكاملها (لا يَحقّ لهم الاكتفاء بجزء)؛
- استثناء وحيد عند تَعدُّد المشترين: يَستطيع الشفيع أن يَأخذ نَصيب أحدهم فقط. هذا الاستثناء يَنبع من أنّ التعدّد في جانب المشتري يُولِّد عدّة عقود مستقلّة من حيث الذمم، وإن جَمَعها صكّ بيع واحد.
أسباب سقوط حقّ الشفعة (المادة 246)
تُحصي المادة 246 أربعة أسباب يَسقط بمَوجبها حقّ الشفعة:
- عدم الاستعمال خلال المدّة القانونية المبيَّنة في المادتَين 247 و248 الآتيتَين؛
- الإسقاط الكتابي الصريح قبل التسجيل: في وثيقة ذات تاريخ صحيح، تَحتوي على اسم المشتري والثمن والشروط، ولا يَعود تاريخها إلى أكثر من ستّة أشهر قبل التسجيل؛
- العَلاقة الإجرائية بالعَقد: إذا كان الشفيع وكيل البائع بالبيع، أو شاهداً على العقد ووَقَّع إمضاءه بلا تحفّظ؛
- الإسقاط بعد التسجيل صراحةً أو ضمناً. ولا يَجوز هذا الإسقاط بعد تَقديم الدعوى بالشفعة إلّا برضى المشتري.
هذه الأسباب الأربعة مَركزية في الدفاع عن الشاري المشفوع منه: غالباً ما تَتعلّق المنازَعات بإثبات أنّ الشفيع كان شاهداً على العقد، أو وَكيلاً للبائع، أو أنّه أَسقط حقّه ضمنياً بسلوك معيَّن (كالمساهَمة في تَدبير شؤون العقار مع المشتري).
مهلتا استعمال الشفعة (المادتان 247 و248)
نظام مزدوج للمهل، يَتغيّر بحسب ما إذا قام المشتري بتبليغ الشفعاء بالتسجيل أو لم يَقم:
(أ) مهلة العشرة أيّام بعد التبليغ (المادة 247): للمشتري بعد تسجيل العقد أن يُعلِم الشفعاء بالتسجيل، بواسطة الكاتب العدل للمقيمين في لبنان، ووفاقاً للمادة 362 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني للمقيمين في بلاد أجنبية. ويَجب أن يُبَيَّن في التبليغ: العقار المبيع وأَوصافه، وتاريخ التسجيل، واسم العاقدَين ومحلّ إقامتهما، والثمن وملحقاته، وشروط العقد.
وعلى الشفيع أن يُطالب بحقّ الشفعة خلال الأيام العَشرة التي تَلي التبليغ — بعد إضافة مهلة المسافة — تحت طائلة السقوط.
(ب) مهلة السنة عند عدم التبليغ (المادة 248): إذا لم يَحصل التبليغ، يَسقط حقّ الشفعة بعد مُضيّ سنة من تاريخ تسجيل العقد في السجل العقاري. وتَسري هذه المدّة بحقّ فاقدي الأهلية والغائبين كذلك — وهذا فارق جوهري عن قواعد مرور الزمن العادية في المادة 266 التي تُوقِف السرَيان لصالح هاتَين الفئتَين (انظر القسم الرابع أدناه).
تَنصّ المادة 248 صراحةً على أنّ هاتَين المدّتَين لا تَنقطعان إلّا بإقامة الدعوى بطلب الشفعة أمام محكمة محلّ وجود العقار الصالحة بحَسب الثمن المذكور في العقد. أيّ أنّ المراسلات الكتابية بين الشفيع والمشتري لا تُعتبر قاطعة للمهلة. ضرورة الإقامة الإجرائية الكاملة للدعوى ضمن المهلة هي الضمانة الوحيدة لحفظ الحقّ.
تعويض المشتري المشفوع منه (المادة 249)
تَنصّ المادة 249 على أنّه لا يُمكن استعمال حقّ الشفعة إلّا بشرط أن يَقوم صاحبه بتعويض المشتري تعويضاً تامّاً، يَشمل ثلاثة مكوّنات:
- ثمن المبيع: الذي يَجب عَرضه وإيداعه فعليّاً يوم تَقديم دعوى الشفعة على الأكثر، إلّا إذا كان العقد المسجَّل يَنصّ على تأجيل الدفع. يَتمّ العرض والإيداع الفعلي في صندوق مال المحكمة الصالحة للنظر بدعوى الشفعة؛
- نفقات العقد: التي تَشمل رسوم التسجيل الرسمية وبدل السمسرة، على أن لا يَزيد هذا البدل على البدل المعيَّن بالتعرفة القانونية؛
- بدل التحسين الطارئ على العقار بفعل المشتري: دون الالتفات إلى التحسين الاقتصادي الناتج عن تَقلُّب الأسعار.
استقرّ الاجتهاد على أنّ شرط العَرض والإيداع الفعلي للثمن يوم تَقديم الدعوى شرط جوهري في صحّة دعوى الشفعة؛ التخلّف عنه يُؤدّي إلى ردّ الدعوى. ولا يُغني عن العَرض الفعلي تَقديم عَرض شفوي أو تَعهّد كتابي بالدفع.
النظام الانتقالي بعد قانون 1995: للدعاوى العالقة بتاريخ نفاذ القانون رقم 461 (31/8/1995)، أَدخل المُشرِّع آليّة إضافية: إذا تَبيَّن للمحكمة أنّ الحقّ بالشفعة يَرتكز إلى سبب قانوني وصحيح، يَحكم للمشتري المشفوع منه بالتعويض المنصوص عليه في المادة 249 الأصلية. كما يَجوز أن يَحكم له بتعويض إضافي يَنضمّ إلى تعويض الشفعة، لا يَتجاوز خمسة عشر بالمئة (15%) من قيمة العقار المشفوع كما تُقدِّرها المحكمة بتاريخ نفاذ القانون.
وفي هذه الحالة، يَحقّ للشفيع أن يَطلب من القاضي مُهلاً للإيفاء، وأن يَجعل تَسديد التعويض الإضافي أقساطاً وفقاً لأحكام المادة 300 من قانون الموجبات والعقود اللبناني، على أن يَتمّ تَسديد آخر قسط في مهلة أقصاها سنة من تاريخ صدور الحكم.
ثلاثة قيود على هذه الآليّة الانتقالية:
- لا تُطبَّق على الدعاوى التي اقتَرنت بأحكام نهائية ومُبرَمة، سواء كانت موضوع تنفيذ أم لم يُطلَب تنفيذها بعد؛
- لا تُطبَّق على دعاوى الشفعة التي تُقام بعد نفاذ قانون 1995؛
- يَجب أن يَثبت للمحكمة أنّ الحقّ بالشفعة قائم على سبب قانوني وصحيح — أيّ أنّ التعويض الإضافي ليس مَجانياً، بل مَشروط بتحقّق الشفعة موضوعاً.
التَفرّغ اللاحق، وخلاف الثمن، وطريقا تَثبيت الحقّ (المواد 250 و251 و252)
التَفرّغ اللاحق (المادة 250): إذا تَمّ التَفرُّغ عن العقار المشفوع لشخص ثالث بقَيده في السجل العقاري قبل تَقديم دعوى الشفعة، فلا يَجوز الأخذ بالشفعة إلّا من المشتري الثاني، وبالشروط التي اشترى بها. هذا يَمنع التفاف الشفعاء على البيع الأصلي عبر تأخير إقامة الدعوى حتّى يَنتقل العقار إلى مالك ثالث؛ والمشتري الثاني يَستفيد من الأمان القانوني لِما اشتراه بالشروط التي اتّفق عليها.
خلاف الثمن (المادة 251): إذا وَقع خلاف على مقدار ثمن المشفوع بين المشتري وصاحب حقّ الشفعة، تُعيِّن المحكمة الثمن الحقيقي بصرف النظر عن قيمة المشفوع. ولا يُسمَع الادّعاء من المشتري بأنّ هذا الثمن يَزيد على الثمن المذكور في العقد المسجَّل. هذا الحُكم يَحمي الشفيع من الاتفاقات الجانبية بين البائع والمشتري لرفع الثمن المُعلَن وردع الشفيع عن المطالبة.
طريقا التَثبيت (المادة 252): يَثبت حقّ الشفعة ويَكتسب الشفيع حقّ التسجيل بإحدى طريقتَين:
- تَسليم العقار المشفوع برضى المشتري بعد دفع الثمن وتوابعه المعيَّنة بالمادة 249؛
- حكم قضائي صادر لصالح الشفيع.
مفاعيل الشفعة = مفاعيل البيع (المادة 253)
يُعتبر الشفيع أنّه قد اشترى من المشتري، ويَكون للشفعة بينهما مفاعيل البيع نفسه.
هذا تَكييف قانوني دقيق: ليست الشفعة بيعاً مستقلاً، بل حلولاً للشفيع محلّ المشتري في العقد الأصلي مع الباعة. ثلاث نتائج عملية:
- يَستحقّ الشفيع جميع ضمانات البيع (ضمان الاستحقاق، العيوب الخفية، إلخ)؛
- لا يَستفيد الشفيع من الأجل المنصوص عليه في العقد لمصلحة المشتري في دفع الثمن، إلّا إذا رأَت المحكمة ذلك لقاء الضمانات التي تَراها لازمة؛
- فيما عَدا حالة الأجل التعاقدي، لا يَجوز للمحكمة أن تَمنح الشفيع مهلةً للدفع.
استثناءات: الوقف والمزاد العلني (المادة 254)
لا شفعة للوقف، ولا في البيع الحاصل بالمزاد العلني عن طريق الإدارة أو القضاء.
استثناءان جوهريّان:
- الوقف: لا يَستطيع المتولّي على وقف أن يُمارس شفعةً نيابةً عن الوقف. مَنطق الاستثناء يَنبع من طبيعة الوقف كتخصيص ديني-اجتماعي لا تَدخل عليه آليّات السوق العقاري؛
- المزاد العلني الإداري أو القضائي: يَشمل البيوع الجبرية الجارية في سياق نزع الملكية الإجبارية (الذي عُرض في الجزء الرابع §IX) والبيوع الإدارية. غاية الاستثناء حماية البيوع الجبرية من اضطراب آليّاتها، وضمان ثبات الأَولويات المُقرَّرة في توزيع الثمن.
رابعاً — مرور الزمن المُكسِب للحقوق العقارية (المواد 255–266)
مرور الزمن المُكسِب — أو ما يُعرَف فقهياً بـ«التَملُّك بوضع اليد» — هو الآليّة التي يَكتسب فيها واضع اليد حقّاً عينياً على عقار غير مسجَّل، بشرط استمرار الوضع لمدّةٍ زمنيةٍ معيَّنة. هذا النظام يَتقاطع مع — ويَتمايز عن — مرور الزمن المُسقِط للالتزامات في القانون العامّ المنصوص عليه في المواد 349 إلى 360 من قانون الموجبات والعقود اللبناني (والذي يَختصّ بإسقاط الدعاوى الناشئة عن الالتزامات بسبب عدم استعمالها خلال مدّة معيَّنة).
القاعدة الذهبية: الفئات الأربع المحصَّنة (المادة 255 الجديدة)
أَلغى القانون رقم 583 تاريخ 23/4/2004 النصّ الأصلي للمادة 255 (الذي كان يَحصر الحصانة من مرور الزمن في فئتَين: الحقوق المقيَّدة في السجل العقاري والخاضعة لإدارة أملاك الدولة)، واستعاضه بنصٍّ يُحصي أربع فئات صريحة:
لا يَسري مرور الزمن على الحقوق العقارية التالية، ولا تُكتسب ملكيّتها بوضع اليد:
>
1- الحقوق المقيَّدة في السجل العقاري؛
>
2- الأملاك العائدة للدولة بحَسب أحكام المادة 2 من القرار رقم 275 تاريخ 25/5/1926، سواء التي تَمّت معرفتها وتحديدها وتحريرها أو لم تَخضع لهذه المعاملات بعد؛
>
3- أملاك البلديات الخصوصية؛
>
4- المشاعات التي تَملكها القرى ملكيةً جماعية.
ويُضيف النصّ التزاماً إجرائياً على المحاكم الناظرة في قضايا الملكية العقارية، بمن فيها القضاة العقاريون، بأن تُدخِل عفواً المديرية العامة للشؤون العقارية — مصلحة أملاك الدولة الخصوصية غير المنقولة — والبلديات المعنية، طرفاً في كلّ دعوى أو طلب إثبات حقّ ملكية يُدَّعى به سنداً لوضع اليد، وذلك قبل إصدار أحكامها أو قراراتها في أساس الدعوى.
ثلاث نتائج عمليّة:
- العقار المسجَّل محصَّن نهائياً: لا يَستطيع واضع اليد، مهما طالت مدّة وضعه، أن يَكتسب ملكية عقار مسجَّل تسجيلاً قطعياً. هذا هو الحَجَر الزاوية في نظام الملكية العقارية اللبناني، ويُميّزه عن أنظمة عقارية في دول أخرى حيث تَخضع الملكية المسجَّلة لمرور زمن طويل؛
- مرور الزمن المُكسِب يَعمل فقط في النطاق المُتبقّي: الأراضي غير المُسجَّلة قطعياً (لا سيّما في المناطق التي لم تَخضع لمعاملات التحديد والتحرير بمَوجب قرار 186 — موضوع الجزء السابع المُرتَقب من هذه السلسلة)؛
- الإدخال العفوي للدولة والبلديات: المحاكم لم تَعد تَستطيع أن تَفصل في أساس دعوى تَملُّك بوضع اليد دون استحضار المديرية العامة للشؤون العقارية والبلديات المعنية. هذا حصن إجرائي إضافي لمنع تَملُّك أملاك الدولة والبلديات والقرى عبر دعاوى صورية.
تَوسيع الحصانة (المادة 256)
تَنصّ المادة 256 على أنّه «لا يُكتسب بمرور الزمن حقّ البيِّنة على العقارات المتروكة والمحمية والمرفقة». هذا تَوسيع للحصانة يَطال أصنافاً ثلاثة من أملاك الدولة العامة: المتروكة (التي تُرِكت للاستعمال العامّ كالمَراعي)، والمحمية (المحميّات الطبيعية ونحوها)، والمَرفَقة (الأملاك المُلحَقة بمَرفق عامّ).
المُدد ووضع اليد المُكسِب (المادتان 257 و258)
تَنصّ المادة 257 على القاعدة المركزية للمُدد:
يُكتسب حقّ القيد في السجل العقاري، فيما يَتعلّق بالعقارات والحقوق غير المقيَّدة في السجل العقاري، بوضع يد الشخص بصورة هادئة علنية مستمرّة مدّة خمس سنوات، هو بنفسه أو بواسطة شخص آخر لحسابه، بشرط أن يَكون لدى واضع اليد سبب محقّ، وإذا لم يَكن لديه سبب محقّ فمدّة خمس عشرة سنة.
هذا النصّ يُؤسِّس نظاماً مزدوجاً للمُدد، يَتغيّر بحَسب ما إذا كان لدى واضع اليد «سبب محقّ» (الفقه الفرنسي يُسمّيه `juste titre`):
- مع السبب المحقّ: خمس سنوات؛
- بدون السبب المحقّ: خمس عشرة سنة.
السبب المحقّ: سند نَاقل للملكية، ظاهر الصحّة، صادر من غير المالك الحقيقي. يَشمل السبب المحقّ — مثلاً — بيعاً أُبرم مع شخص ظَنّ المُشتري أنّه المالك، أو هبةً قُدِّمت من غير ذي صفة، شريطة أن يَكون السند ذا شكل قانوني صحيح. لا يَكفي للسبب المحقّ مجرّد ادّعاء بالتملُّك؛ يَجب أن يَكون سنداً حقيقياً يَستند إليه واضع اليد. ولا يُعدّ قرار الإحالة في البيع الجبري سنداً صحيحاً بمعنى مرور الزمن المُكسِب إلّا إذا كان حاصلاً على عقار جارٍ على ملك المديون فعلاً (راجع الجزء الرابع §IX).
شروط وضع اليد: ثلاثة شروط تَراكُمية تَضعها المادة 257 صراحةً:
- هادئة: لا تَستند إلى عُنف ولا إلى إكراه؛
- علنية: ظاهرة لمن يَهمّه الأمر، لا خفيّة عن المالك الحقيقي؛
- مستمرّة: متّصلة دون انقطاع طَوال المدّة.
ويَجوز أن يَكون وضع اليد شخصياً أو بواسطة شخص آخر لحساب واضع اليد. أمّا المادة 258 فتُضيف تَفصيلَين:
- معنى الاستمرار: «يُعتبر وضع اليد مستمرّاً منذ اللحظة التي يَظهر فيها باستعمال الحقّ الموجود في اليد بصورة اعتيادية منتظمة». أيّ أنّ الاستمرار لا يَعني الحضور الفعلي اللحظي في العقار، بل استعمال الحقّ بصورة اعتيادية تَدلّ على ملكيّة من خارج العقار؛
- إمكان التَراكم (`tacking`): «يُمكن لمن يَدّعي بمرور الزمن أن يَستند إلى يد الشخص الذي اتّصل منه العقار إليه». هذا يُجيز جمع مدّة وضع يد سَلَفه إلى مدّته الخاصّة، شريطة الاتّصال القانوني بينهما (إرث، بيع، هبة، وصية)؛
- الفئات المُستبعَدة: لا يَجوز للمزارع، ولا للمستغلّ، ولا للوديع، ولا للمستعير، ولا لورثتهم، أن يَدَّعوا بمرور الزمن. هؤلاء يَحوزون العقار اعترافاً بملكية الغير، لا على حسابهم الخاصّ؛ ولذلك فإنّ وضع اليد لا يَنقلب لصالحهم مهما طالت المدّة.
قرينة الاستمرار (المادة 259)
إنّ وضع اليد الثابت وقوعه بزمن معيَّن، ووضع اليد الحالي، يُرجِّحان قيام اليد في الفترة الواقعة بينهما، ما لم يَثبت خلاف ذلك.
قرينة بسيطة قابلة للدحض: إذا أَثبت واضع اليد وضعه في نقطة زمنية A، وأَثبت وضعه الحاليّ، يُفترض أنّ وضع اليد ظَلّ قائماً في الفترة الفاصلة بين النقطتَين. لخصمه أن يَدحض هذه القرينة بإثبات الانقطاع.
القاعدة الخاصّة للأراضي الأميرية (المادة 260)
يُكتسب حقّ قيد التصرّف بالأراضي الأميرية غير الخاضعة لإدارة أملاك الدولة بمرور عشر سنين على وضع اليد بسند أو بدون سند، شرط أن يَكون واضع اليد قائماً بزراعة الأرض.
ثلاث خصائص:
- مدّة موحَّدة 10 سنوات: لا تَمييز هنا بين السبب المحقّ وعدمه؛
- النطاق: الأراضي الأميرية غير الخاضعة لإدارة أملاك الدولة فحسب؛ أراضي الدولة الخصوصية أو الأملاك العامة لا تَدخل في هذا النظام؛
- شرط الزراعة الفعلية: واضع اليد يَجب أن يَكون قائماً بزراعة الأرض. وضع اليد الجامد (دون استغلال زراعي) لا يُولِّد التَملُّك في هذا النظام الخاصّ.
عدم الاكتساب ضدّ السند الشخصي (المادة 261)
لا يَكتسب شخص بمرور الزمن حقّاً عينياً ضدّ سنده الشخصي أو ضدّ سند مورثيه.
هذه قاعدة جوهرية: لا يَجوز للمرء أن يَستعمل وضع اليد ليُلغي اعترافاً قانونياً سَبق أن أَدلى به (هو أو من ورِث عنه) في سند مكتوب. مَن وَقَّع عقد إيجار، أو هبة، أو إقراراً بملكية الغير، لا يَستطيع لاحقاً أن يَدَّعي اكتساب ملكية العقار بمرور الزمن — لأنّ السند الذي وَقَّعه يُكذِّب ادّعاءه.
التَنازل المُسبَق والتَنازل اللاحق (المادة 262)
لا يَجوز العدول مُسبَقاً عن حقّ مرور الزمن، إنّما يُمكن لكلّ شخص مُطلَق اليد بحقوقه أن يَتخلّى مُسبَقاً عن حقّ مكتسَب بمرور الزمن.
تَمييز دقيق بين:
- التَنازل قبل اكتساب الحقّ: ممنوع (لأنّه يَعني تَنازُلاً عن قاعدة قانونية مستقبلية مَجهولة);
- التَنازل بعد اكتساب الحقّ: مَسموح، بشرط أن يَكون المتنازل مُطلَق اليد بحقوقه (أيّ كامل الأهلية وغير مَحجور).
الانقطاع (المادتان 263 و264)
أثر الانقطاع (المادة 263): إذا انقطع مرور الزمن، فلا تُحسب مدّة وضع اليد السابقة لإشغال العقار. أيّ أنّ الانقطاع يَفترض بدء الساعة من الصفر؛ لا يَستفيد واضع اليد من أيّ مدّة سابقة على فعل الانقطاع.
أسباب الانقطاع: تَنصّ المادة 264 على أنّ مرور الزمن يَنقطع عندما يَفقد مدّعيه اليد، حتّى ولو فقدها بسبب شخص ثالث. أيّ أنّ الانقطاع لا يَستلزم بالضرورة أن يَكون المُتسبِّب فيه هو المالك الحقيقي؛ مجرّد فقدان وضع اليد المادي — بأيّ سبب كان — يَنقطع به السرَيان.
الانقطاع بالدعوى القضائية (المادة 265): يَنقطع مرور الزمن إذا طالب صاحب العقار بحقّه بدعوى قضائية، بشرط ألّا يَكون قد تَرك دعواه تَسقط (بالإهمال الإجرائي مثلاً). إقامة الدعوى ليست كافية بحدّ ذاتها؛ يَجب متابعتها حتّى صدور حكم فيها، وإلّا اعتُبر السرَيان قائماً.
وَقْف السرَيان لصالح الغائبين وفاقدي الأهلية (المادة 266)
لا يَسري مرور الزمن، في المسائل العقارية، لا على الغائبين ولا على فاقدي الأهلية بمقتضى القانون.
هذا حُكم حماية: لا تَجري المدّة ضدّ هاتَين الفئتَين، لأنّهما — بحُكم وضعهما القانوني — غير قادرَين على مُتابَعة شؤونهما العقارية بصورة فعّالة.
تَناقض جوهري مع نظام الشفعة: تَجدر الإشارة إلى أنّ المادة 248 المتعلِّقة بمدّة الشفعة تَنصّ صراحةً على أنّ مدّة السنة عند عدم التبليغ تَسري بحقّ فاقدي الأهلية والغائبين. هذا التَمايز يَنبع من اختلاف الغاية: نظام الشفعة يَتطلّع إلى تَثبيت ملكيات المُشترين بسرعة وعدم إخضاعها لأمد طويل من الترقُّب؛ أمّا نظام مرور الزمن المُكسِب فيُحاول التَوازن بين حقّ المالك الأصلي وحقّ واضع اليد، ويُؤثِر الحماية القانونية للفئات الضعيفة.
جسر مع قانون الموجبات والعقود اللبناني: قواعد الوَقْف والانقطاع في القانون العامّ منصوص عليها في المواد 354 إلى 359 من قانون الموجبات والعقود. وتَتفرّع عنها فروق دقيقة بحَسب طبيعة الدين أو الحقّ. غير أنّ المادة 266 تُحدِّد بصراحة فئتَي الوَقْف العقاري (الغائبون وفاقدو الأهلية)، فيُؤخَذ بها في المسائل العقارية، مع رجوع إلى قواعد الموجبات والعقود حيث لا يُوجد نصّ خاصّ في قرار 3339.
خلاصة
في هذا الجزء، عَرضنا ثلاثاً من الطرق التي يُكتسَب بها حقّ القيد في السجل العقاري خارج القاعدة الأصلية للمادة 204 من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930): الوعد بالبيع والخيار (المواد 220–227)، وحقّ الشفعة (المواد 238–254)، ومرور الزمن المُكسِب (المواد 255–266).
اتّضحت ثلاث طبقات تشريعية لاحقة على نصّ 1930 تَحكم النظام الراهن:
- قانون 5/2/1948 الذي أَعاد صياغة كامل الفصل الخامس من الباب التاسع المتعلِّق بالشفعة؛
- قانون رقم 461 تاريخ 31/8/1995 الذي قَصر الشفعة على ثلاث فئات (إلغاء الجار الملاصق)، وألغى المادة 241، ووَضع نظام التعويض الانتقالي بنسبة لا تَتجاوز خمسة عشر بالمئة من قيمة العقار للدعاوى العالقة فحسب؛
- قانون رقم 583 تاريخ 23/4/2004 الذي وَسَّع الفئات المحصَّنة من مرور الزمن المُكسِب من فئتَين إلى أربع (الحقوق المقيَّدة، أملاك الدولة الخصوصية، أملاك البلديات الخصوصية، المشاعات الجماعية للقرى)، وفَرض على المحاكم إدخال المديرية العامة للشؤون العقارية والبلديات المعنية عفواً في كلّ دعوى تَملُّك بوضع اليد.
النَتيجة المنهجية: لكلّ من الآليّات الثلاث منطقها الخاصّ. الوعد بالبيع يُولِّد حقّاً عينياً قبل البيع، تَحميه شكلية القيد الاحتياطي وإجراءات حفظ المفعول. والشفعة هي سلطة انتزاع بعد البيع، محصورة في ثلاث فئات بمدد مهلَة قصيرة (عَشرة أيام عند التبليغ، سنة عند عدم التبليغ)، مَشروطة بتعويض كامل للمشتري. ومرور الزمن المُكسِب يَعمل في النطاق الباقي خارج السجل، ضمن مَنظومة محكَمة من المُدد (خمس أو خمس عشرة سنة، عشر سنوات للأميرية الزراعية) وشروط وضع اليد، وحالات الوَقْف والانقطاع.
في الجزء السادس من هذه السلسلة، نَنتقل إلى آليات السجل العقاري ذاته — قرارَي رقم 188 ورقم 189 تاريخ 15/3/1926 — وما يَرتبط بهما من قواعد تأسيس السجل، وأنواع القيود، ومفعول التسجيل تجاه الغير، ومسؤولية أمين السجل. هذه القواعد هي البِنية الإجرائية التي تَستند إليها كلّ الآليات الموضوعية التي عَرضناها في الأجزاء السابقة من السلسلة.