الامتيازات والتأمينات العقارية ونزع الملكية الإجبارية في القانون اللبناني — الجزء الرابع من الدليل العملي لقانون الملكية العقارية
الجزء الرابع من سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”، يُغطّي المواد 117 إلى 173 من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930، الباب الخامس)، شاملاً الامتيازات العقارية الثلاث، والقواعد العامة للتأمين، والتأمين الرضائي، والتأمين الجبري بحالاته الخمس، وحقوق الدائن صاحب التأمين، ومفعول التأمين تجاه المنتقل إليه، وزوال التأمين بالترقين، ونزع الملكية الإجبارية مع الإحالة إلى أصول التنفيذ على العقار.
مقدّمة
في الجزء الثالث من هذه السلسلة عرضنا أحكام الرهن العقاري والبيع بالوفاء (المواد 91–116 من قانون الملكية العقارية اللبناني — قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930). يَنتقل هذا الجزء إلى الباب الخامس من القرار نفسه (المواد 117–173)، وعنوانه «في الامتيازات والتأمينات».
يَضمّ هذا الباب نظامَين متمايزَين في مَنشَئهما ومُتقاطعَين في وظيفتهما:
- الفصل الأوّل (المواد 117–119): الامتيازات العقارية — وهي حقوق أفضلية يَستمدّها الدائن من صفة دَينه الخاصّة، أي مباشرةً من القانون لا من اتفاق الفريقَين، وهي مقتصرة على ثلاثة بنود حصرياً؛
- الفصل الثاني (المواد 120–142): التأمينات العقارية — وهي حقوق عينية على العقار تَنشأ إمّا برضى الفريقَين (التأمين الرضائي)، وإمّا حُكماً بموجب القانون أو الحكم القضائي (التأمين الجبري). والقاعدة فيهما واحدة: لا يَنفذ التأمين قانوناً إلّا بعد تسجيله في السجل العقاري؛
- الفصول الثالث إلى السابع (المواد 143–173): حقوق الدائن صاحب التأمين، ومفعول التأمين تجاه المديون والمنتقل إليه، وزوال التأمين بالترقين، وقاعدة نزع الملكية الإجبارية.
ثلاث طبقات تشريعية لاحقة على نصّ 1930 تَستوجب الإشارة منذ المُقدّمة:
- قرار رقم 102/ل.ر. تاريخ 6/8/1932: عَدَّل المواد 131 و136 و158 — أي بِنية التأمين الجبري (المادة 131)، وقاعدة التأمين على عقارات المحاسبين ومديوني الدولة (المادة 136)، وافتتاح نزع الملكية الإجبارية (المادة 158). النصوص أدناه هي الصياغة الراهنة بعد التعديل؛
- قرار رقم 48/ل.ر. تاريخ 28/3/1933: ألغى اثنتَين وعشرين مادّة من الفصلَين السادس والسابع (المواد 152–157 و159–173)، أي معظم الأحكام التفصيلية لترقين القيود التأمينية ومعاملات نزع الملكية الإجبارية. هذه الأحكام لم تُحفظ في قانون الملكية العقارية، بل انتقلت إلى التشريع التنفيذي، ثم انتظمت اليوم ضمن قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني في الكتاب التاسع — في التنفيذ (المادة 827 وما يَليها)؛
- القانون رقم 76 تاريخ 3/4/1999: ألغى المواد 140 و141 و142، أي القسم الرابع كاملاً من الفصل الثاني (التأمينات المؤجلة).
النتيجة العملية: من سبعٍ وخمسين مادّة في الباب الخامس، تَبقى اثنتان وثلاثون مادّةً سارية، تَقَع عليها المتانة التطبيقية للنظام التأميني العقاري في لبنان. الأحكام الإجرائية لنزع الملكية لا تُقرَأ في قرار 3339 بل في قانون أصول المحاكمات المدنية.
نطاق هذا الجزء: المواد 117–173 من قرار 3339، موزَّعة على:
- المواد 117–119: تعريف الامتياز العقاري، والديون الممتازة الثلاث حصراً، وإعفاؤها من التسجيل؛
- المواد 120–127: القواعد العامة للتأمين العقاري (التعريف، عدم التجزئة، الأشياء قابلة التأمين، الرتبة، الجبري/الرضائي، تَعدُّد التأمينات)؛
- المواد 128–130: التأمين الرضائي وشروط الأهلية؛
- المواد 131–139: التأمين الجبري بحالاته الخمس وقواعد قيده؛
- المواد 143–145: حقوق الدائن صاحب التأمين (الإحالة والتتبع)؛
- المواد 146–149: مفعول التأمين تجاه المديون والمنتقل إليه العقار؛
- المادتان 150–151: زوال التأمين بالترقين، وشطب القيد بإيداع الدين؛
- المادة 158: قاعدة نزع الملكية الإجبارية والإحالة إلى أصول التنفيذ.
أوّلاً — الامتيازات العقارية (المواد 117–119)
تعريف الامتياز (المادة 117)
تُعرِّف المادة 117 الامتياز العقاري بأنه:
الامتياز في المسائل العقارية، هو حقّ عيني يُعطى للدائن من صفة الدين الخاصّة، بأن يكون مُفضَّلاً على سائر الدائنين حتّى على أصحاب التأمينات أنفسهم.
ثلاث خصائص جوهرية:
- حقّ عيني: يَتعلّق بالعقار مباشرة، ويَتبعه في أيدي المنتقل إليهم؛
- مَنشأه القانون لا الاتفاق: مَصدر الأفضلية هو صفة الدين الخاصّة كما يُعيِّنها القانون، لا اتفاق المديون والدائن. ولذلك يَختلف الامتياز عن التأمين الرضائي الذي يَنشأ بإرادة الفريقَين؛
- أَولوية مُطلقة: يَتقدّم صاحب الامتياز على سائر الدائنين حتّى على أصحاب التأمينات المسجَّلة قبله. هذا هو الفارق العملي الأكبر بين الامتياز والتأمين الجبري أو الرضائي.
الديون الممتازة الثلاث (المادة 118)
تَحصر المادة 118 الديون الممتازة في ثلاثة لا غير:
1- الدين المحدَّد بالمادة 44 من القرار رقم 186 المؤرّخ في 15 آذار سنة 1926؛
>
2- النفقات القضائية الناشئة عن بيع العقار وتوزيع ثمنه؛
>
3- رسوم الانتقال والغرامات التي تُفرَض على البيانات الكاذبة المتعلِّقة بثمن البيع.
الصياغة حصرية (ثلاثة لا غير)، وهي قاعدة أساسية: لا يَجوز إنشاء امتياز عقاري جديد بالقياس أو بالاجتهاد. أيّ دَين خارج هذه البنود الثلاث لا يَأخذ صفة الامتياز العقاري بمفهوم المادة 117، وإن كانت بعض القوانين الخاصّة قد منحت أنواعاً أخرى من الدائنين امتيازاً عاماً يُمارَس وفق آلية مختلفة.
الإعفاء من التسجيل والمدى الفعلي للقاعدة (المادة 119)
تَنصّ المادة 119:
شذوذاً عن المبدأ العامّ المقرَّر بالمادة 10 من القرار المختصّ بإنشاء السجل العقاري، تُعفى هذه الامتيازات من التسجيل.
أيّ أنّ الامتيازات الثلاث المنصوص عليها في المادة 118 تَنفذ في مواجهة الغير دون قَيد في السجل العقاري — وهذا استثناء صريح من قاعدة المادة 10 من قرار رقم 188 تاريخ 15/3/1926 التي تَجعل القيد شرطاً لنفاذ الحقوق العينية على العقار في وجه الغير.
استقرّ الاجتهاد على أنّ هذا الإعفاء حصري بالامتيازات الثلاث في المادة 118 دون سواها. فالديون التي مَنحها مُشترِّع خاصّ صفة الامتياز — كدَين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضمن المادة 48 من قانون الضمان الاجتماعي، ودَين أجور السنة الأخيرة في المادة 48 من قانون العمل — تَأخذ هذه الصفة لكنّها لا تَتمتّع بإعفاء المادة 119؛ فلا تَنفذ في وجه الدائنين المسجَّلين سابقاً إلّا إذا قُيِّدت بدورها في السجل العقاري وفق المادة 10 من قرار 188. هذا تمييزٌ عملي يَجب الانتباه إليه عند ترتيب الدائنين على عقار واحد.
ثانياً — التأمين العقاري: القواعد العامّة (المواد 120–127)
تعريف التأمين (المادة 120)
التأمين هو حقّ عيني على العقارات المُخصَّصة لضمان القيام بموجب، وهو بطبيعته غير قابل التجزئة ويَبقى بكامله على العقارات المُخصَّصة وعلى كلّ عقار منها وعلى كلّ قسم من هذه العقارات، ويَتبعها في أيّة يد تنتقل إليها.
من هذا التعريف تَنبثق ثلاث خصائص متلازمة:
- حقّ عيني تَبعي: يَتعلّق بالعقار، ولا يَستقلّ عن الدين الذي يَضمنه؛ يَنشأ بنشوئه ويَزول بزواله؛
- عدم التجزئة: التأمين يَرسخ على كامل العقار وعلى كلّ جزء منه. لا يُخفَّف بتسديد جزء من الدين، ولا يُتجزّأ على عدّة عقارات بنسب الأَقيام؛ يَبقى الكلّ على الكلّ وعلى كلّ جزء؛
- حقّ التتبع: يَلحق العقار في أيّة يد يَنتقل إليها — بيعاً، أو هبةً، أو إرثاً.
الأشياء قابلة التأمين (المادة 121)
تَحصر المادة 121 الأشياء قابلة التأمين في أربعة بنود حصراً:
1- العقارات المبنية وغير المبنية القابلة البيع والشراء، ومعها جميع ملحقاتها المعتبرة عقارات؛
>
2- حقّ الانتفاع الجاري على نفس العقارات والملحقات مدّة قيام هذا الحقّ؛
>
3- حقوق الاجارتَين والمقاطعة؛
>
4- حقّ السطحية.
البندان 3 و4 يَخصّان أنظمة عقارية تاريخية (الاجارتَين والمقاطعة والسطحية)، أمّا البندان 1 و2 فهما حجر الزاوية في التأمين العقاري المعاصر. البند 1 يَستدعي الانتباه إلى عبارة «القابلة البيع والشراء»: الأملاك العمومية والوقف الخيري لا تَقبل التأمين لأنّها غير قابلة للبيع.
التأمين على عقار شائع (المادة 122)
إنّ التأمين الذي يَعقده الشريك في عقار شائع بدون إذن من شركائه يَتحوّل بعد القسمة إلى الحصّة التي تَقع في نصيبه؛ أمّا المبالغ التي تَصيب عاقد التأمين من تَعادل قيم الحصص أو المبالغ التي تَستحقّ له من ثمن العقار، في حالة بيعه من شركائه، فتُخصَّص لتسديد مال التأمين.
هذه قاعدة عملية ضرورية: يَملك الشريك على الشيوع أن يُؤمِّن على حصّته دون موافقة شركائه، لكنّ التأمين يَنحصر بالحصّة فحسب ولا يَمتدّ إلى العقار بكامله. وإذا جَرت القسمة العينية، تَحوَّل التأمين إلى الحصّة المُفرَزة. وإذا بِيع العقار من الشركاء فيما بينهم، رُصدت الحصّة المُستحَقّة لعاقد التأمين لتسديد مال التأمين.
شمول التأمين للأبنية والتحسينات (المادة 123)
إنّ التأمين المُكتسَب يَشمل الأبنية والمَغروسات أو التحسينات المُحدَثة في العقار المؤمَّن.
أيّ أنّ التأمين يَمتدّ تلقائياً إلى ما يَطرأ على العقار من تَحسينات وإضافات بعد قيده. الدائن لا يَحتاج إلى تأمين تكميلي عند كلّ إضافة.
تأمين الفائدة (المادة 124)
تُتيح المادة 124 للدائن المسجَّل برأسمال ذي فائدة أو أقساط أن يَكتسب لفوائده وأقساطه — عن السنة المُستحَقّة بتاريخ طلب التنفيذ وعن السنة الجارية، شرط ألّا يَتجاوز المجموع مبلغ فائدة سنتَين — نفس رتبة التأمين المُعيَّنة للرأسمال، على ثلاثة شروط متلازمة:
- أن يكون هذا الحقّ متولِّداً عن العقد نفسه؛
- أن يكون مُسجَّلاً؛
- أن يكون معدَّل الفائدة مذكوراً صراحةً في قيد التأمين.
هذه قاعدة عملية أساسية في صياغة عقود التأمين: إغفال ذِكر معدَّل الفائدة في صكّ التسجيل يَحرم الدائن من رتبة التأمين على فوائده، ويُنزلها إلى رتبة الدين العادي. واستقرّ الاجتهاد على أنّ الفائدة المنصوص عليها في العقد ضمن الحدود المُجازة قانوناً تَستحقّ ولو لم يُكرَّر ذكرها في القيد التَنفيذي، إذا كانت قد أُدرجت في صكّ التأمين الأصلي.
حفظ الرتبة (المادة 125)
كلّ تأمين مُسجَّل بصورة قانونية في السجل العقاري يَحتفظ برتبته وصحّته دون ما حاجة إلى معاملة جديدة، إلى أن يُقيَّد في نفس السجل، بصورة قانونية أيضاً، عقد الإبراء.
أيّ أنّ التأمين لا يَفقد رتبته بمرور الزمن. يَبقى نافذاً إلى حين قيد عقد الإبراء (أيّ ترقين التأمين بسبب الإبراء). لا يَلزم تجديد دوري ولا قيد لاحق لاستبقاء الحقّ.
التأمين الجبري والرضائي (المادة 126)
يكون التأمين جبرياً أو رضائياً، وفي كلا الحالَين لا يكون له مفعول قانوني إلّا بعد تسجيله.
هذه ثُنائية أساسية: مَصدر التأمين إمّا اتفاق الفريقَين (الرضائي) وإمّا حُكم القانون أو القضاء (الجبري). والقاعدة المشترَكة بينهما: التسجيل شرط مفعول، لا شرط إثبات. فلا أثَر للتأمين قبل قيده، ولو وُقِّع العقد رسمياً.
تَعدُّد التأمينات والرتبة بحسب القيد (المادة 127)
يَجوز وَضع عدّة تأمينات على عقار واحد، وسواءٌ أكانت جبرية أو رضائية فإنّ رتبَها تُعيَّن بحسب تاريخ قيدها في السجل العقاري.
هذه قاعدة الـ«أوّل في القيد، أوّل في الرتبة». ولا تَفرق المادة 127 بين التأمين الجبري والرضائي في تعيين الرتبة: التاريخ وحده هو المعيار. واستقرّ الاجتهاد على أنّ صاحب التأمين الأوّل في الرتبة يَملك أن يَتنازل عن أفضليته ليَتساوى مع صاحب تأمين لاحق، أو يَتقدّم صاحبٌ لاحق على سابق بنزولٍ منه؛ ولكن لا يَنتقل ذلك إلى الغير إلّا بقيد التنازل في السجل.
ثالثاً — التأمين الرضائي (المواد 128–130)
شرط الأهلية (المادة 128)
لا يَعقد التأمين الرضائي إلّا من كان له الأهلية بأن يَتصرّف بالعقار أو بالحقّ الذي يُخضعه للتأمين.
التأمين تَصرّف ناقل لجزء من السلطات على العقار (حقّ التتبع وحقّ الأَولوية). يَستلزم بالتالي أهلية التصرّف، لا أهلية الإدارة وحدها. القاصر، والمحجور عليه، والوكيل بإدارة دون توكيل خاصّ بالتأمين — كلّ هؤلاء لا يَملكون عقد تأمين رضائي صحيح.
القُصَّر والمحجورون والغائبون (المادة 129)
لا يَجوز التأمين على حقوق فاقدي الأهلية أو القُصَّر أو المحجورين إلّا للأسباب وبالطرق المُعيَّنة في القانون الخاصّ بأحوالهم الشخصية. أمّا حقوق الغائبين فما دام وضع اليد مُعطىً بصورة موقّتة فلا يَجوز التأمين عليها إلّا برخصة قضائية.
القاعدة هي حماية مَن لا يَملك الدفاع عن نفسه. ولا تُجاز التأمينات على عقاراتهم إلّا في حدود ما تَسمح به القوانين الخاصّة بقصورهم القانوني، أو — في حالة الغائب الذي وُضِعت يدٌ على عقاره مؤقَّتاً — برُخصة قضائية صريحة.
عدم جواز التأمين على المستقبل (المادة 130)
لا يَجوز التأمين على مُقتنيات في حيز المستقبل.
تأمينُ شيءٍ غير موجود فعلاً عند العقد لا يَنشئ أيّ حقّ عيني. لا يَصحّ تأمين عقار سيُشترى لاحقاً، ولا تأمين أبنية لم تُشيَّد بعد. القاعدة منطقية: الحقّ العيني يَستلزم محلّاً معيَّناً ومُعَيِّناً.
رابعاً — التأمين الجبري (المواد 131–139)
التعريف والحالات الخمس (المادة 131 — معدَّلة 1932)
تَبدأ المادة 131 بالتعريف:
التأمين الإجباري هو التأمين الذي يُسجَّل حُكماً، سواءٌ أكان برضى أم بغير رضى صاحب العقار، وفي الأحوال المُعيَّنة فيما يلي. ولا يكون هذا التأمين إلّا باسم معيَّن.
ثم تَحصر الأحوال في خمس فئات:
- حقوق وديون القصَّر والمحجورين — يُعقد التأمين الإجباري على أموال أوصيائهم؛
- حقوق وديون المرأة المتزوّجة — يُعقد على عقارات الزوج ضماناً للبائنة والحقوق الزوجية والتعويض عن الموجبات المترتِّبة على الزوج التي تكون بِعهدتها؛
- حقوق وديون الدولة والبلديات والإدارات العمومية — يُعقد على عقارات المحاسبين، وكذلك حقوق وديون الدولة، فيُعقد على عقارات مديونيها؛
- حقوق وديون البائع، والمبادل، والمقاسم — يُعقد على العقار المبيع أو المبادل به أو المقسوم، عند عدم الاحتفاظ بتأمين رضائي لضمان ثمن البيع أو فرق المبادلة أو فرق القسمة؛
- حقوق وديون الدائنين أو الموصى لهم بِتركة — يُعقد على عقارات التركة ضماناً لفرز تركة المُورَّث عن أموال الوارث.
استقرّ الاجتهاد على أنّ التأمين الجبري وسيلة احتياطية، وليس من الضروري أن يَتمتّع الحكم الذي يَأمر بقيده بالقوّة التنفيذية حتى يَستقرّ كأداة ضمان؛ وأنّ هذا التأمين يَبقى ساري المفعول ريثما يُبتّ في أساس الاعتراض عليه، وأنّ الطعن في قرار إلقائه يَعود إلى رئيس دائرة التنفيذ بمقتضى أصول التنفيذ، لا إلى محكمة الأساس.
تعيين المبالغ والعقارات (المادة 132)
يَجب دائماً أن يُعيَّن في التأمين الإجباري المبالغ المضمونة والعقارات الجاري عليها التأمين.
شرطٌ شَكلي جوهري. لا يَستقرّ التأمين الجبري إلّا بتحديد رقمي للمبلغ المضمون وبتعيين العقارات المخصَّصة. غموض أيٍّ من العنصرَين يَفتح باب الطعن في القيد.
السلطة المختصّة بالقصَّر والمحجورين (المادة 133)
أساس التأمين الإجباري المعقود لمصلحة القصَّر والمحجورين، وقوامه وشروطه، تُعيِّنها السلطة المُكلَّفة بالإشراف على إدارة الأوصياء بموجب التشريع المرعي الإجراء. الفلسفة: تَنظيم القرار في إطار رقابة وَلائية موحَّدة على الذمم المالية للقاصر.
عقد الزواج والمحكمة المختصّة (المادة 134)
أساس التأمين الإجباري المعقود لمصلحة المرأة المتزوّجة وقوامه وشروطه يَجوز تعيينها بنصّ صريح في عقد الزواج المحرَّر أمام السلطات ذات الصلاحية. وإذا لم يُحرَّر عقد زواج أو خلا من الأحكام اللازمة، فالمحكمة المدنية الموجودة في محلّ إقامة الطرفَين تُقرِّره.
زيادة الضمانات وتخفيفها (المادة 135)
إذا ظَهر أنّ الضمانات التأمينية المُعطاة للقصَّر والمحجورين أو للمرأة المتزوّجة غير كافية، يَحقّ للسلطة المُعيَّنة بالمادة 133 توسيعها فيما يَختصّ بالأَوَّلين، وللمحكمة فيما يَختصّ بالثانية. ويُعالَج فَرط الضمان بنفس الآلية تخفيفاً. القاعدة عَمَلية: الضمان يُكيَّف بحسب الحاجة، لا يُفرَض جامداً.
المحاسبون ومديونو الدولة (المادة 136 — معدَّلة 1932)
يُفرَض التأمين على عقارات المحاسبين بقرار من وزير المالية أو من الموظف الذي يَقوم مقامه، وكذلك على عقارات مديون الدولة.
السلطة بِيد وزير المالية مباشرةً (أو مَن يَقوم مقامه). لا يَستلزم الأمر تَدخّل قضائي. هذا تمييزٌ بِنيوي: التأمين على عقار محاسب الدولة وعلى عقار مديونها يَأخذ مَسرى إدارياً، لا قضائياً.
البائع والمبادل والمقاسم (المادة 137)
يَحقّ للبائع، والمبادل، والمقاسم لأموال غير منقولة أن يَطلبوا في عقد البيع، أو المبادلة، أو القسمة، تأميناً على العقارات المبيعة أو المبادل بها أو المتفرَّغ عنها، ضماناً لتسديد الثمن أو لضمان فرق ثمن الحصص. وإذا لم يَكن هناك نصّ يَقضي بعقد تأمين رضائي، فلكلٍّ منهم أن يَعقد التأمين الإجباري بموجب حكم من المحكمة المدنية الكائنة في محلّ العقارات.
أيّ أنّ المادة 137 تَفرض البديل الإجباري عند سكوت العقد عن الضمان الرضائي. هذا يَحمي البائع من أن يَجد نفسه — بعد نقل الملكية — دائناً عادياً لمشترٍ معسر.
المهلة الجوهرية: ستّة أشهر للدائن في فرز التركة (المادة 138)
تَنصّ المادة 138 على ثلاث قواعد مترابطة:
للدائن وللموصى لهم أن يَحفظوا حقوقهم في فرز التركات بموجب قَيد إجباري يُدوَّن في أثناء الستّة الأشهر التي تَلي افتتاح التركة. وإذا لم يَتمّ القيد في المدّة المذكورة فلا يكون لهذا الحقّ مفعول على العقارات.
>
ويَجري القيد بناءً على حكم صادر في غرفة المذاكرة، وبطلب من ذوي العلاقة، وبعد مطالعة النيابة العامّة.
ثلاث ملاحظات عَمَلية:
- المهلة قاطعة: ستّة أشهر من افتتاح التركة (لا من تاريخ علم الدائن بالوفاة). فَوات المهلة دون قيد يُفقد الدين أيّ مفعول على عقارات التركة في وجه الغير؛
- الحكم في غرفة المذاكرة: إجراء غير وجاهي، أسرع من الدعوى العادية، يَستلزم مع ذلك مطالعة النيابة العامّة؛
- القَيد الإجباري يَنفع جميع الدائنين والموصى لهم — حتّى من لم يُبادر إلى طلب القيد — بشرط ألّا يَكونوا قد تَخلَّفوا عن قيد طلباتهم خلال المهلة الستّة الأشهر؛ ولا يَنشئ هذا التوسيع دواعي جديدة لأفضلية ولا يَمسّ بدواعي الأفضلية السابقة بينهم.
القَيد الاحتياطي عند وجود سبب مستعجل (المادة 139)
في مختلف حالات التأمين الإجباري، يُمكن لرئيس المحكمة عند وجود سبب مستعجل، أن يَأمر، بناءً على استدعاء، بتدوين ما يُقتضي من قيود احتفاظية أو احتياطية.
مدّة هذا القَيد محدودة: يَنتهي مفعوله بصدور الحكم النهائي المُقتضى تسجيله. فإذا قَضى الحكم النهائي بتثبيت كلّ القيود أو بعضها، أَخذ التأمين رتبتَه من تاريخ القَيد الاحتياطي، لا من تاريخ القَيد النهائي. هذه ميزة جوهرية: القَيد الاحتياطي يَحفظ الرتبة الزمنية، فيُحمى الدائن من تأمين لاحق يُسجَّل بين الاستدعاء وصدور الحكم.
ملاحظة على القسم الرابع: ألغى القانون رقم 76 تاريخ 3/4/1999 المواد 140 و141 و142، أي القسم الرابع كاملاً من الفصل الثاني (التأمينات المؤجَّلة). لا تَوجد في النصّ الراهن أحكام للتأمينات المؤجَّلة في قانون الملكية العقارية.
خامساً — حقوق الدائن صاحب التأمين (المواد 143–145)
إحالة الحقّ المشروطة بالرضى (المادة 143)
لا يَجوز للدائن صاحب التأمين أن يُحيل حقّه لشخص آخر إلّا برضى المديون الصريح، ما لم يَكن في العقد نصّ واضح يُخوِّله ذلك (كأن يُذكَر مثلاً في العقد أنّ التأمين هو لأمر).
القاعدة عكسية لقاعدة قانون الموجبات والعقود في إحالة الدين العادي. التأمين العقاري يُتيح للدائن حقوقاً واسعة على عقار المديون، فلا يَجوز نقل هذا الحقّ إلى شخص ثالث دون رضى المديون الصريح إلّا إذا اشتُرط ذلك صراحةً في صكّ التأمين (مثال: شرط «التأمين لأمر»).
إجراء التحويل (المادة 144)
تَتمّ إحالة الحقّ بِواحدة من طريقتَين:
- قيد الإحالة في السجل العقاري أو في سجل التأمينات؛
- أو تجيير شهادة القيد — على أن يكون إمضاء المُجيِّر مصدَّقاً رسمياً وفقاً للمواد 59 و60 و61 من قرار رقم 188 الصادر في 15/3/1926.
استقرّ الاجتهاد على أنّ تَبليغ التحويل وحده — قبل قيده في السجل العقاري — لا يُكسب الإحالة مفعولها في وجه الغير، ولا يَخوِّل المُحال له حقّ التتبع والأَولوية أمام دائرة التنفيذ.
حقّ التتبع (المادة 145)
إنّ أصحاب الديون الذين بِيدهم تأمين على عقار يَتبعونه في أيّة يد ينتقل إليها ويَقبضون المبلغ المخصَّص لهم، كلٌّ بحسب الرتبة المُعيَّنة في القيود.
هذا تثبيت لخاصّية الحقّ العيني: التأمين يَتبع العقار، لا الذمّة. ويَستوفي صاحبه دَينَه من ثمن العقار بحسب رتبة قيد تأمينه، أيّاً كانت يد المالك الراهن.
سادساً — مفعول التأمين تجاه المديون والمنتقل إليه (المواد 146–149)
تَصرّف المديون المطلق (المادة 146)
يَتصرّف المديون أو واضع اليد تَصرّفاً مطلقاً بالعقار المؤمَّن عليه، وله، وفقاً للقواعد المُعيَّنة أدناه، أن يَتحرّر من موجبه قبل أجله، دون إذن من الدائنين أصحاب التأمين.
أيّ أنّ التأمين لا يُجمِّد العقار. يَملك المديون البيعَ، والإيجارَ، والترتيبات العينية الأخرى — لكنّ التأمين يَتبع العقار في يد المنتقل إليه.
حقّ خيار المنتقل إليه (المادة 147)
إذا باع المديون العقار أو الحقّ الجاري عليه التأمين بعد إجراء عقد التأمين، فالشخص الثالث المنتقل إليه العقار والمدخل في القضية يكون له الخيار:
>
– إمّا بأن يَفي الدائن الملاحق رأسماله بكامله مع الفائدة والمصاريف؛
– أو بأن يَتحمّل معاملات نزع الملكية الإجباري التي يُباشرها الدائن.
ثلاث قواعد عَمَلية:
- شرط الإدخال: لا يَتقرَّر الخيار إلّا في معرض الدعوى التنفيذية، بعد إدخال المنتقل إليه فيها وَفق الأصول؛
- خيار الوفاء يُسقط الملاحقة: إذا اختار المنتقل إليه دفع الدين بكامله — أصل وفائدة ومصاريف — تَوقّفت إجراءات نزع الملكية، وحلّ هو محلّ الدائن في حقّ الرجوع على المديون الأصلي وفقاً للأصول العامّة؛
- خيار التحمّل: يُتيح للمنتقل إليه ترك إجراءات البيع التنفيذي تَستكمل مسارها، فيَتلقّى ثمنَ البيع ما بَقي منه بعد استيفاء الدائن.
تَلَف العقار وتعويض الضمان (المادة 148)
تُعالج المادة 148 — في فقرتَيها — حالة تَلَف العقار المؤمَّن بآلية دقيقة:
الفقرة الأولى: إذا تَلف العقار أو أُصيب بتخريبات فأَصبح غير كافٍ ضماناً للدائن، يَحقّ له أن يَطلب:
- استرجاع ماله فوراً بعد صدور قرار قضائي، أو
- نَيل تأمين إضافي.
أمّا تعويضات شركة الضمان (السوكرتا)، فتُخصَّص مبدئياً لترميم العقار بشرط أن تكون كافية لإعادته إلى حالته السابقة. ويَجري الترميم وإنفاق المال تحت إشراف الدائن (أو الدائنين) ضمن الشروط المتَّفق عليها بينه وبين المديون؛ وعند تَعذُّر الاتفاق، يَفصل القاضي.
الفقرة الثانية: إذا كانت تعويضات الضمان غير كافية لإعادة العقار، أو رَجع المديون عن ترميم العقار، يُوزَّع مبلغ التعويضات على أصحاب الديون الممتازة وأصحاب التأمين الداخلين في التوزيع كلٌّ بحسب رتبة دَينه، ويَسقط حقّ المديون من الاستفادة من الأجل بمقدار هذا المبلغ.
المعنى العَمَلي: عقد ضمان العقار لدى شركة الضمان ليس عقداً «خاصاً» بالمالك. تعويض الضمان ذُو وَجهة عقارية، يَخدم في المقام الأوّل وفاء الديون المُؤمَّنة على العقار، ولا يَعود إلى المالك إلّا بعد استيفائها.
تَغيير قوام العقار ودعوى العطل والضرر (المادة 149)
إذا أَحدث الشخص المنتقل إليه تَغييراً في قوام العقار الجاري عليه التأمين، فإنّ التخريبات التي تَنتج عن عمله أو إهماله وتُلحق ضرراً بالدائنين أصحاب التأمين تُخوِّلهم حقّ إقامة دعوى العطل والضرر عليه. أمّا هو، فله أن يُطالب بالنفقات التي رَأى لزوماً لصرفها لصيانة العقار والاعتناء به.
هذه قاعدة توازنية: المنتقل إليه يَحتفظ بسلطات التَصرّف على العقار، لكنّه يَضمن سلامة قوامه تجاه الدائنين أصحاب التأمين؛ وفي المقابل، يَحقّ له استرداد نفقاته الضرورية على العقار.
سابعاً — زوال التأمين وترقين القيد (المادتان 150–151)
أسباب الترقين (المادة 150)
يَزول التأمين بالترقين. ويَحصل الترقين:
>
1- بسقوط الموجب الذي يكون التأمين ضامناً له؛
2- برجوع الدائن عن حقّه.
طريقان لزوال التأمين، يَلتقيان عند خطوة إدارية واحدة: الترقين في السجل العقاري. وقبل الترقين، يَظلّ القَيد ساري المفعول حتّى لو سَقط الدين موضوعياً. استقرّ الاجتهاد على أنّ الدين موجب أصلي، والتأمين موجب إضافي يَتبعه؛ فبسقوط الدين بمرور الزمن أو بالوفاء، يَسقط التأمين، لكنّ الأثر العملي على السجل لا يَتحقّق إلّا بقيد الترقين أو بحكم قضائي قاضٍ به.
شَطب القيد بإيداع الدين (المادة 151)
تُشطَب القيود برضى الفريقَين اللذَين لهما الصفة اللازمة لذلك، أو بموجب حكم مُكتَسب قوّة القضية المحكمة. على أنّه يُمكن شَطبها دون رضى الدائنين إذا أُودع مبلغ الدين بعد عرضه عرضاً فعلياً على الدائنين ورَفضهم قبوله.
>
إنّ إيداع مبلغ الدين بعد عرضه عرضاً فعلياً يُبرئ ذمّة المديون، ويَقوم تجاهه مقام الدفع إذا كان العرض قد جَرى بوجه صحيح؛ ويكون المبلغ أو الشيء المودَع على هذه الصورة بِعهدة الدائن ومسؤوليته.
هذه آلية حماية أساسية للمديون: إذا رَفض الدائن قبول الوفاء، فالمديون لا يَبقى رهينة هذا الرفض؛ يَعرض الدين عرضاً فعلياً (بواسطة الكاتب العدل عادةً)، فإذا رُفض، أَودع المبلغ، وأَصبح للمديون أن يَطلب شَطب القيد. تَنتقل تَبِعة المبلغ المودَع إلى الدائن، وتَنقطع الفوائد، ويَتحرّر العقار من القَيد التأميني.
ثامناً — نزع الملكية الإجبارية (المادة 158)
قاعدة المادة 158 (معدَّلة 1932)
في حالة عدم الدفع عند استحقاق المبالغ المضمونة، يَحقّ لكلّ دائن صاحب تأمين مهما كانت رتبته أن يُلاحق بيع العقار أو الحقّ الجاري عليه التأمين بطريقة نزع الملكية الإجباري.
>
وللدائن المرتهن أو للمشتري بالوفاء أو بالاستغلال استعمال الحقّ نفسه، ولكن ليس له أن يَستعمله إلّا عندما يكون المديون قد أَعطاه وكالة دورية غير قابلة العزل لهذه الغاية.
ثلاث قواعد جوهرية:
- لكلّ صاحب تأمين الحقّ في الملاحقة بصرف النظر عن رتبته. لا يَتعيّن انتظار صاحب التأمين الأوّل؛ يَستطيع صاحب التأمين الثاني أو الثالث افتتاح الإجراء، مع احتفاظ كلّ دائن سابق برتبته في توزيع الثمن؛
- الدائن المرتهن (في الرهن العقاري الاتفاقي) لا يَنزع الملكية مباشرةً — كما رَأينا في المادة 107 من قرار 3339 المعروضة في الجزء الثالث من هذه السلسلة، التي تَحظر تَملّك الدائن المرتهن للعقار. والمادة 158 تَستثنى من الحَظر الحالة التي يَملك فيها الدائن المرتهن وكالة دورية غير قابلة العزل بموجب صَكّ مُسبَق؛
- المشتري بالوفاء والمشتري بالاستغلال — رغم أنّ تَكييفهما القانوني تَكييف مالك لا مرتهن — لا يَستعملان حقّ نزع الملكية إلّا بنفس الشرط: وَكالة دورية غير قابلة العزل من البائع.
الإحالة إلى أصول التنفيذ على العقار
بإلغاء المواد 159 إلى 173 من قرار 3339 بمقتضى قرار 48/ل.ر. تاريخ 28/3/1933، انتقلت بِنية إجراء نزع الملكية الإجباري بكامله إلى التشريع التنفيذي، ثم انتظمت اليوم في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني ضمن الكتاب التاسع (المادة 827 وما يَليها).
أربع قواعد بِنيوية تَستحقّ الاستحضار عند تطبيق المادة 158:
- الجهاز المختصّ: تُربط بمحكمة الدرجة الأولى دائرة للتنفيذ يَرئسها القاضي المنفرد في المنطقة التابعة لها (المادة 827 من قانون أصول المحاكمات المدنية). يَختصّ رئيس الدائرة بإصدار القرارات والأوامر المتعلِّقة بالتنفيذ والفصل في أساس المشاكل التنفيذية على وَجه السرعة (المادة 829)؛
- الاختصاص المكاني: لتنفيذ الأحكام والقرارات والأوامر القضائية، يَعود الاختصاص للدائرة الكائنة في مركز محكمة الدرجة الأولى التي نَظرت الدعوى المحكوم بها، أو محكمة الاستئناف عند الاقتضاء (المادة 830)؛
- السند التنفيذي: لا يَجوز التنفيذ الجبري إلّا بسند تنفيذي. والأسناد التنفيذية هي الأحكام والقرارات والأوامر القضائية وقرارات المحكمين القابلة للتنفيذ والأسناد الرسمية والعادية وسائر الأوراق التي يَعتبرها القانون قابلة للتنفيذ مباشرة (المادة 835)؛
- حقّ الأَولوية في التنفيذ: الدائن صاحب حقّ الامتياز أو الرهن أو التأمين على أحد أموال مدينه أو بعضها غير ملزم بأن يُنفِّذ أوّلاً على هذه الأموال (المادة 858). أيّ أنّ صاحب التأمين العقاري يَحتفظ بحرية اختيار وَجهة التنفيذ، فلا يُجبَر على الشروع بالعقار المؤمَّن قبل أن يَلاحق سائر أموال المديون.
نزع الملكية الإجباري بمراحله المعقَّدة — من قرار طرح العقار للبيع، إلى إعلان النشر، إلى المزاد العلني، إلى قرار الإحالة، إلى توزيع الثمن — هو نظام تنفيذي مستقلّ يَستحقّ معالجة مفصَّلة في موضع آخر. هنا، يَكفي القول إنّ المادة 158 تَفتح الباب، ثم تُحيل ضمناً إلى قانون أصول المحاكمات المدنية لاستكمال البِنية الإجرائية.
استقرّ الاجتهاد على أنّ بعض العيوب الإجرائية في معاملات نزع الملكية — كاحتواء النشر على بدل أقلّ من ثمن الطرح المقرَّر بعد التخفيض — لا تُعتبر عيوباً جوهرية تَستدعي البطلان، ولا يَجوز الإدلاء بها بمعرض الطعن بقرار الإحالة عن طريق استئنافه، بل بدعوى البطلان وفقاً لأصول قانون أصول المحاكمات المدنية. واستقرّ كذلك على أنّ قرار الإحالة في البيع الجبري لا يُعتبر سنداً صحيحاً بمعنى مرور الزمن القصير المُكسِب للملكية إلّا إذا كان حاصلاً على عقار جارٍ على ملك المديون فعلاً؛ فإذا تَبيَّن أنّ العقار لم يَكن مَلك المديون، فلا يَنقل قرار الإحالة الملكية، وتَبقى دعوى البطلان مسموعة حتّى انقضاء مرور الزمن العادي.
خلاصة
في هذا الجزء، عَرضنا نظام الامتيازات والتأمينات في الباب الخامس من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930، المواد 117–173)، مع توضيح ثلاث طبقات تشريعية لاحقة (قرار 102/1932 المعدِّل، وقرار 48/1933 المُلغي لاثنتَين وعشرين مادّة، وقانون 76/1999 المُلغي للقسم الرابع كاملاً). وانطلقنا في تحليل الأحكام السارية على هذه الأَولوية: من الامتيازات العقارية الثلاث الحصرية (المواد 117–119)، إلى القواعد العامّة للتأمين (المواد 120–127)، إلى التأمين الرضائي بشروطه (المواد 128–130) والتأمين الجبري بحالاته الخمس وآليات قيده (المواد 131–139)، إلى حقوق الدائن صاحب التأمين وحقّ التتبع (المواد 143–145)، ومفعول التأمين تجاه المديون والمنتقل إليه (المواد 146–149)، وصولاً إلى زوال التأمين بالترقين (المادتان 150–151)، وقاعدة نزع الملكية الإجبارية بإحالتها الراهنة إلى قانون أصول المحاكمات المدنية (المادة 158).
في الجزء الخامس من هذه السلسلة، نَنتقل إلى الباب السابع (في اكتساب الحقوق العينية بمرور الزمن — المواد 204–219) والباب الثامن (في الوعد بالبيع وحقّ الشفعة — المواد 220–227) من قرار 3339، مع ما يَتفرّع عنهما من قواعد مرور الزمن المُكسِبة للملكية، وشروط الوعد بالبيع وأثره، وحقّ الشفعة بأنواعه وأسبابه — وهي من الموضوعات الأَكثر إثارةً للنزاع العملي في التطبيق العقاري اللبناني.