logo

WIDE RANGE OF EXPERIENCE IN REAL ESTATE, ARBITRATION AND ALL MAJOR BRANCHES

Recent posts

  • الجزء الرابع م...

  • دليل عملي لأحك...

  • دليل عملي لأحك...

© Kallas Law firm.

Blog

Home / الدليل العملي لقانون الملكية العقارية  / الرهن العقاري والبيع بالوفاء في القانون اللبناني — الجزء الثالث من الدليل العملي لقانون الملكية العقارية

الرهن العقاري والبيع بالوفاء في القانون اللبناني — الجزء الثالث من الدليل العملي لقانون الملكية العقارية

الجزء الثالث من سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”، يُغطّي المواد 91 إلى 116 من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930، الباب الرابع — في حقوق الرهن)، شاملاً البيع بالوفاء (الرهن بنقل الملكية) والبيع بالاستغلال، ثم الرهن العقاري الاتفاقي بقواعده الأساسية، وقاعدة عدم التجزئة، ومَنْع تَملُّك الدائن للعقار عند عدم الوفاء، وموجبات الصيانة، وزوال الرهن بالترقين.

مقدّمة

في الجزء الثاني من هذه السلسلة عرضنا أحكام الارتفاقات العقارية بمصادرها الثلاثة — الطبيعي والقانوني والتعاقدي — وقواعد استعمالها وسقوطها بالترقين (المواد 56–90 من قانون الملكية العقارية اللبناني — قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930). يَنتقل هذا الجزء إلى الباب الرابع من القرار نفسه (المواد 91–116)، وعنوانه «في حقوق الرهن».

يَضمّ هذا الباب نظامَين متمايزَين في وظيفتهما الاقتصادية الواحدة — استيفاء دَين على عقار — ومختلفَين في تركيبهما القانوني:

  • الفصل الأوّل (المواد 91–100): الرهن بطريقة نقل الملكية — أي البيع بالوفاء ومُشتقّه البيع بالاستغلال. وفيهما تَنتقل الملكية إلى الدائن (المشتري) مؤقَّتاً، مع احتفاظ المديون (البائع) بحقّ استرداد العقار مقابل ردّ الثمن؛
  • الفصل الثاني (المواد 101–116): الرهن العقاري الاتفاقي — وفيه تَبقى الملكية للمديون، ويَنتقل إلى الدائن حقّ عيني تَبعي يَخوِّله حبس العقار وملاحقة نزع ملكيته إن لم يُوفَّ الدين.

استقرار الباب الرابع تشريعياً عالٍ: من المواد الستّ والعشرين، عُدِّلت مادة واحدة فقط — المادة 104 — بمقتضى قرار رقم 31/ل.ر تاريخ 14/2/1941 وقرار رقم 295 تاريخ 28/5/1942، وهي قواعد قابلية الرهن. النصوص الأخرى هي عينها التي أَرساها المُشترِّع عام 1930، وقد تَراكَم حولها اجتهاد غزير.

نطاق هذا الجزء: المواد 91–116 من قرار 3339، موزَّعة على:

  • المادتان 91–92: التعريف بالبيع بالوفاء وبفرعه البيع بالاستغلال؛
  • المواد 93–100: حقوق الفريقَين وموجباتهما خلال مدّة البيع بالوفاء؛
  • المواد 101–105: تعريف الرهن وقواعده الأساسية وقابلية العقار له؛
  • المواد 106–108: عدم تجزئة الرهن، ومَنْع التَملُّك بعَدم الوفاء، وعهدة العقار؛
  • المواد 109–111: آثار الرهن على الحقوق العينية السابقة وعلى مُلحقات العقار، وقواعد الاستغلال؛
  • المادة 112: صيانة الدائن للعقار المرهون وتكاليفها؛
  • المواد 113–115: عدم تجزئة الدين، وعدم التصرف الانفرادي، وإعارة العقار للمديون؛
  • المادة 116: زوال الرهن وترقين القيد في السجل العقاري.

أوّلاً — تعريف البيع بالوفاء والبيع بالاستغلال (المادتان 91–92)

البيع بالوفاء (المادة 91)

تُعرِّف المادة 91 من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930) البيعَ بالوفاء بأنه:

(البيع بالوفاء) أو الرهن بطريقة نقل الملكية هو بيع عقار شريطة أن يكون للبائع في أي وقت كان أو عند انقضاء المهلة المعينة، حقّ استرداد المبيع مقابل ردّ الثمن، وللمشتري حقّ استرداد الثمن عند ردّ المبيع.

ثلاثة عناصر جوهرية:

  1. بيعٌ صحيح يَنقل الملكية إلى المشتري: العقار يُسجَّل باسم المشتري في السجل العقاري، فيُصبح مالكاً قانونياً لكنّه في الواقع الاقتصادي في موقع الدائن المرتهن؛
  2. حقّ استرداد للبائع: يُحتفظ للبائع — وفقاً لما يُتَّفق عليه في العقد — بحقّ استرداد المبيع مقابل ردّ الثمن، إمّا في أيّ وقت، وإمّا عند انقضاء مهلة معيَّنة؛
  3. حقّ المشتري في استرداد الثمن: بالتوازي، يَستردّ المشتري الثمن عند ردّ المبيع.

التمييز عن البيع مع حقّ الاسترداد (vente à rémérer) في المادة 473 من قانون الموجبات والعقود: هذان نظامان متمايزان رغم تشابه ظاهرهما. وقد استقرّ الاجتهاد على القاعدة الآتية:

  • في البيع بالوفاء (قرار 3339): يَعتبر الاجتهاد المشتري مرتهناً، ولا يحقّ له سوى التنفيذ على العقار عملاً بالمادة 100 من القرار. أيّ أنّ المشتري لا يَتملَّك العقار نهائياً عند عدم ردّ الثمن، بل يَسلك طريق البيع التنفيذي لاستيفاء دَينه؛
  • في البيع مع حقّ الاسترداد (المادة 473 موجبات): يُصبح المشتري مالكاً نهائياً للعقار إذا لم يَستردّ البائع المبيعَ في المهلة المتَّفق عليها، على ألّا تَزيد عن ثلاث سنوات؛ وإذا اشتُرطت مدّة أطول، أُنزلت إلى ثلاث سنوات.

وقد أَوضح الاجتهاد كذلك أنّ نصوصَ قرار 3339 المتعلِّقة بالبيع بالوفاء لم تُلغَ بصدور قانون الموجبات والعقود؛ النظامان مستقلّان، ولكلٍّ منهما مَبناه التشريعي وآثاره القانونية.

البيع بالاستغلال (المادة 92)

تُجيز المادة 92 بصورة عامّة أن يُباع بالوفاء كلّ عقار قابل للبيع. ثم تَفتح صورة فرعية:

ويمكن الاشتراط في عقد البيع بالوفاء أن يَظلّ البائع شاغلاً للعقار بصفة مستأجر: (وهو البيع بالاستغلال).

في البيع بالاستغلال، يَنتقل الملك إلى المشتري ولكن البائع يَستمرّ في الإقامة بالعقار بصفته مستأجراً، مع التزامه بدفع بدل الإيجار للمشتري طوال المدّة. وهذا تكييفٌ تعاقدي مُفيد عملياً: يُحافظ على استقرار الإشغال للبائع/المديون، ويُوفِّر للمشتري/الدائن غلَّة شهرية تُحسم من أصل الدين أو تُعتبر فائدةً عليه بحسب الاتفاق.

ثانياً — حقوق الفريقَين وموجباتهما خلال مدّة البيع بالوفاء (المواد 93–100)

حَظر التصرف الانفرادي (المادة 93)

خلال مدّة العقد، لا يجوز للمشتري ولا للبائع:

  • التفرّغ عن العقار؛
  • إيجاره؛
  • فَرض حقوق عينية عليه.

إلّا برضاهما الصريح المتبادل. الحَظر مزدوج ويَستهدف ضمان عودة العقار سليماً وخالياً عند الاسترداد.

اتفاقات على الاستغلال (المادة 94)

تَسمح المادة 94 للأطراف بأن يَشترطوا في العقد:

  • أن يَتناول المشتري منفعةً ما من العقار دون بدل؛
  • أو أن يَتمتّع بقسم من غلَّته.

أي أنّ المشتري قد يَستفيد مادّياً من العقار بصورة شِبه مجانية أو بنسبة محدَّدة من الإيرادات، وهذا ما يُمارَس عملياً كتعويض ضمني عن استثماره للثمن خلال مدّة العقد.

موجبات الصيانة والإصلاح وحساب الغلَّة (المادة 95)

ما لم يُتَّفق على خلاف ذلك، تَتحمّل المادة 95 المشتري بـ:

  • صيانة العقار؛
  • إجراء التصليحات المفيدة والضرورية.

ويُحسم من غلَّة العقار المصاريف الناجمة عن الصيانة والإصلاحات.

والقاعدة الثانية: إذا تَسلَّم المشتري العقار، أَصبح مسؤولاً تجاه البائع عن الغلَّة المستوفاة (ما لم يُتَّفق على خلاف ذلك). تَجري التسوية سنوياً: تُحسم قيمة الغلَّة من أصل الدين بعد طرح قيمة الغلَّة المستوفاة لحساب المشتري الخاصّ وفقاً لشروط العقد، ومقدار مصاريف الصيانة على العقار.

المسؤولية عن التَلَف والتخريب — والتأمين (المادة 96)

تَضع المادة 96 آلية دقيقة لمعالجة تلَف العقار:

  • مقدار التلَف أو التخريب يُحسم من أصل الدين؛
  • إذا ساوى مقدار التلَف ثمنَ المبيع، أُلغي البيع حُكماً؛
  • إذا تَجاوزه، توجَّب الفرق على المشتري؛
  • يُستثنى من ذلك ما كان بقوّة قاهرة.

أمّا إذا كان العقار مضموناً بعقد تأمين، فإنّ تعويض شركة الضمان يُرصَد بالأفضلية لتسديد دَين الدائن (أي البائع المُسترَدّ)، ويَسقط عن المديون قسط من الدين بمقدار قيمة التعويض. هذه قاعدة عملية أساسية: لا يَعود تعويض التأمين إلى مالك العقار وحده، بل يَخدم في المقام الأوّل وفاء الدين الذي ضمنته الصفقة.

انتقال حقّ الإلغاء بالوفاة (المادة 97)

عند وفاة المشتري أو البائع، يَنتقل حقّ الإلغاء لورثتهما. هذا تأكيدٌ على أنّ البيع بالوفاء — رغم طابعه الشخصي الذي يَتشكّل في ضوء حاجات الفريقَيْن — يَنتج آثاراً قابلة للانتقال بالإرث.

عدم تجزئة البيع بالوفاء (المادة 98)

البيع بالوفاء لا يَتجزّأ ولو قُسم الدين فيما بين ورثة المشتري أو البائع. القاعدة عملية الأثر: لا يَكفي أن يُسدِّد أحد ورثة البائع حصّته من الدين ليَستردّ حصّة من العقار؛ يَجب وفاء كامل الدين لاسترداد كامل العقار.

حماية المشتري من دائني البائع (المادة 99)

خلال مدّة العقد كلّها، وقبل تسديد الثمن ليد المشتري، لا يحقّ لدائني البائع أن يَستعملوا أيّ حقّ على العقار. هذا يَحمي المشتري من مزاحمة دائنين للبائع ساعَوا إلى إفقار ذمّته بعد البيع.

إذا لم يَردّ البائع الثمن (المادة 100)

إذا لم يَردّ البائع الثمن عند انقضاء المدّة، يحقّ للمشتري أن يَطلب بيع العقار ليَستوفي دَينه من ثمنه. وهذه القاعدة هي التي يَستند إليها الاجتهاد لتكييف المشتري بأنه «مرتهن»: لا يَتملّك العقار تَملُّكاً نهائياً عند الإخلال، بل يَسلك طريق البيع التنفيذي. الإجراء التنفيذي يَجري وفقاً لقواعد التنفيذ على العقارات في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني (المادة 827 وما يَليها).

تطبيق متعلِّق بإثبات الصورية: عرَّفنا أعلاه أنّ البيع بالوفاء يُنشئ في الواقع رابطة دائن/مَدين. وقد يَعمد البعض إلى إخفاء رهن خلف بيعٍ ظاهره صحيح، تَملُّصاً من قاعدة المادة 107 (مَنع التَملُّك بعَدم الوفاء، تَأتي تالياً). وقد استقرّ الاجتهاد على أنّ البيع الصوري إخفاءً لرهن يُخالف النظام العام ويُشكِّل احتيالاً على القانون، وعليه يَجوز إثبات العقد الحقيقي — حتى بين طرفَي العقد — بجميع وسائل الإثبات، بما في ذلك القرائن.

ثالثاً — تعريف الرهن العقاري وقواعده الأساسية (المواد 101–105)

تعريف الرهن (المادة 101)

الرهن عقد يُوضع بموجبه المديون عقاراً في يد دائنه، أو في يد عدلٍ، ويُخوِّل الدائن حقّ حبس العقار إلى أن يُدفع له دَينه تماماً. وإذا لم يُدفع الدَين، فله الحقّ بِملاحقة نزع ملكية مديونه بالطرق القانونية.

أربعة عناصر جوهرية يُمكن استخلاصها من النصّ:

  1. عقد: الرهن في هذا الفصل رهن اتفاقي، يَنشأ عن تراضي الطرفَين، تَمييزاً له عن «التأمين» الذي يَنشأ بقوّة القانون أو بحكم القاضي (وتُعالجه المواد 117 وما يَليها، أي الباب الخامس الذي يُغطّيه الجزء الرابع من هذه السلسلة)؛
  2. وضع العقار في يد الدائن أو في يد عدلٍ: قد يَستلم الدائن العقار بنفسه، وقد يَستلمه شخصٌ ثالث محايد (عدلٌ) يَحفظه باسم الطرفَين؛
  3. حقّ الحبس: للدائن المرتهن حقّ في حبس العقار إلى حين الوفاء الكامل بالدين؛
  4. حقّ الملاحقة بنزع الملكية: إن لم يُدفع الدَين عند استحقاقه، فللدائن أن يَلاحق نزع ملكية المديون بالطرق القانونية، أي عبر التنفيذ على العقار وفق قواعد قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني.

ملاحظة في التكييف: في الرهن المصرفي الحديث، يَكتفي الدائن في الغالب بقَيد الرهن على صحيفة العقار في السجل العقاري دون نَزع الحيازة المادّية، فيَبقى العقار في يد المديون. هذا التَطبيق لا يُخالف النصّ: التَخويل القانوني بحقّ الحبس قائم، ولكنّه يَجري عبر قَيد الإشارة في السجل لا عبر النزع المادّي للحيازة.

المحلّ المشروع للرهن (المادة 102)

لا يجوز تخصيص الرهن لِضمان موجبات بعمل شيء أو بعدم عمله.

الرهن العقاري لا يَصلح إلّا لِضمان موجبٍ مالي يُعبَّر عنه بمبلغ من المال. لا يَجوز تخصيصه لضمان موجبات بعمل أو بعدم عمل (مثل عدم منافسة، أو تقديم خدمة). الموجب الذي يَضمنه الرهن يَجب أن يَكون قابلاً للتعبير بمقدار قابل للسداد.

تَبَعِيَّة الرهن للدين (المادة 103)

تَتوقّف صِحّة الرهن على وجود دَين ثابت ثبوتاً صحيحاً.

الرهن العقاري حقٌّ عيني تَبَعي: لا يَقوم بذاته، بل يَقوم بقيام دَينٍ مَضمون به. إذا انتفى الدَين (لم يَنشأ، أو أُبطل، أو سَقط بالوفاء أو بمرور الزمن أو بأيّ سببٍ آخر)، انتفى الرهن تَبعاً له بحُكم طبيعته الإضافية.

قابلية العقار للرهن (المادة 104 — المعدَّلة)

عُدِّلت المادة 104 بمقتضى قرار رقم 31/ل.ر تاريخ 14/2/1941 وقرار رقم 295 تاريخ 28/5/1942، وأَصبح نصُّها الراهن:

كلّ عقار جاز بيعه جاز رهنه.

لا يجوز رهن حصص مشتركة الملكية.

قاعدتان:

  1. التَلازم بين قابلية البيع والرهن: كلّ عقار يَجوز بيعه يَجوز رهنه. والعكس صحيح: ما لا يَجوز بيعه (كالأملاك العامّة في الفقرة الأولى من المادة 9 من قرار 3339، والأموال غير القابلة للتصرف) لا يَجوز رهنه؛
  2. مَنْع رهن الحصص المشتركة: الحصص الشائعة في عقارٍ غير مَفروز لا تَقبل الرهن منفردةً عن باقي الحصص. هذا قيدٌ تشريعي يَستوجب — عملياً — إجراء قسمة العقار (إفرازاً أو تصفيةً) قبل تَخصيص حصّة منه برهنٍ مستقلّ.

رهن العقار ضماناً لِدَين الغير (المادة 105)

يُمكن رهن العقار ضماناً لِدَين على غير الراهن.

أي أنّ المالك يَستطيع أن يَرهن عقاره ضماناً لِدَين شخصٍ آخر (قريب، شريك، شركة). الراهن هنا ليس هو المديون؛ يَتحمّل العقارُ ضمانةَ دَينٍ ذمّةُ المديون فيه شخص ثالث. وهذا تطبيقٌ شائع عملياً في الإقراض المصرفي عند رهن عقارٍ من شخصٍ كفيلٍ ضماناً لِقَرض مَنشأة أو فرد.

رابعاً — عدم التجزئة، مَنْع التَملُّك، والعهدة (المواد 106–108)

مبدأ عدم التجزئة (المادة 106)

يَضمن كاملُ العقار المرهون كلَّ جزء من الديون، لذلك لا يحقّ للمديون أن يَطلب التَمتُّع بعقاره قبل وفاء الدين.

كلّ ذرّة من العقار تَضمن كلّ ذرّة من الدين، وكلّ جزء من الدين مَضمون بكامل العقار. لا يَستطيع المديون أن يَطلب الإفراج عن جزءٍ من العقار بحجّة أنه سَدَّد جزءاً من الدين متناسباً معه. القاعدة جَوهرية لِحماية الدائن.

مَنْع تَملُّك الدائن للعقار بعَدم الوفاء (المادة 107)

لا يجوز الاتفاق على أن يَبقى العقار المرهون في حالة عدم وفاء الدين، ملكاً للدائن.

هذا الحَظر — المُعبَّر عنه في الفقه بـشَرط الـ pacte commissoire — قاعدة آمرة وضمانة جَوهرية للمديون. لا يَجوز للأطراف أن يَتّفقوا، لا في عقد الرهن الأصلي ولا في عقد لاحق، على أن العقار يَنتقل تَلقائياً إلى الدائن إذا لم يُسدَّد الدَين في الأجل. وقد استقرّ الاجتهاد على أنّ هذه القاعدة من النظام العام، فأيّ بَندٍ يَقول بصَيرورة العقار ملكاً باتّاً للدائن بمجرَّد عدم الوفاء في أجلٍ معيَّن يَكون باطلاً.

والتطبيق الأهمّ: قاعدةُ المادة 107 تَنسحب بطريق القياس على عقد التأمين العقاري أيضاً، وإن كان النصّ وارداً في باب الرهن، لأنّ نظامَي التأمين والرهن يَستهدفان غايةً واحدة هي توفير الضَمانة الخاصّة للدائن، فلا مبرِّر لإباحة التَملُّك التَلقائي في أحدهما ومَنعه في الآخر.

طريق الدائن الوحيد عند الإخلال: نزع ملكية المديون بالطرق القانونية (المادة 101 in fine) — أي البيع التنفيذي وتوزيع الثمن بالأفضلية على الدائنين المُسجَّلين.

عهدة العقار المرهون (المادة 108)

يَبقى العقار بإشراف واضع اليد، ويَبقى بعهدة المالك وعلى مسؤوليته إذا أَثبت المُرتَهن حدوث ظروف قاهرة.

«واضع اليد» قد يَكون الدائن نفسه أو العدلُ المُتَّفق عليه أو المالك إذا بَقي مُحتفِظاً بالحيازة المادّية (وهو الحال الغالب في الرهون المصرفية الحديثة). والمسؤولية عن العقار تَبقى على المالك أصلاً، لكنّ المُرتَهن يَستطيع أن يُحرِّر نفسه من أيّ مسؤولية تَبعية إن أَثبت حدوث ظروف قاهرة.

خامساً — الحقوق العينية السابقة والمُلحقات والاستغلال (المواد 109–111)

احترام الحقوق العينية المُحرَزة قبل قَيد الرهن (المادة 109)

لا يَمسّ الرهن بالحقوق العينية المُحرَزة بطريقة قانونية (والمُحتفظ بها) على العقار قبل قيد الرهن في السجل العقاري.

القاعدة تَكرِّس مبدأ الأسبقية الزمنية الراسخ في القانون العقاري اللبناني: الحقّ العيني المُسجَّل قبل الرهن يَتقدَّمه. فإن كان على العقار حقّ ارتفاق مُسجَّل، أو حقّ انتفاع، أو رهنٌ سابق، أو حقّ تَأمين، فكلّها تَستمرّ نافذةً تجاه الدائن المرتهن اللاحق، الذي يَأخذ العقار بحالته السجلّية حال قَيد رهنه.

امتداد الرهن إلى المُلحقات (المادة 110)

يَشمل الرهن جميع الأشياء التي كانت أو أَصبحت أجزاءً متمّمةً للعقار أو من منتفعاته أو من ملحقاته الضرورية.

ثلاث طبقات من المُلحقات تَنضمّ إلى الرهن:

  • الأجزاء المتمِّمة (parties intégrantes): ما يَلتحم بالعقار التحاماً مادّياً (بناء، حائط، أَساس)؛
  • المنتفعات: ما يُستغَلّ بالعقار من ثمار وغلَّات؛
  • المُلحقات الضرورية: ما يَخدم العقار خدمةً تَبعية ضرورية (مَدخل، شبكة مياه داخلية، باب رئيسي).

الأهمّية العملية: عند نزع الملكية في البيع التنفيذي، يَمتدّ التنفيذ إلى هذه الفئات كلّها، فلا يَستطيع المديون أن يَنزع التحسينات أو الإضافات لِيُخفِّف القيمة المُتحصَّلة.

قاعدة الاستغلال — لا منفعة مجّانية للدائن (المادة 111)

لا يَجوز للدائن أن يَتناول دون رضى المديون منفعةً مجّانية من العقار المرهون، وعليه أن يَستغلّ كلّ الثمار التي يُمكن أن يُغلّها العقار، وتُحسم هذه الغلَّة من الدين المضمون — حتى قبل استحقاقه — محسوبةً أوّلاً على الفائدة والنفقات ثم على رأس المال.

ثلاث قواعد متلازمة:

  1. مَنع المنفعة المجّانية: الدائن لا يَستفيد من العقار دون مقابل؛
  2. موجب الاستغلال: عليه أن يَستغلّ كلّ غلّة مُمكنة (لا أن يَتركها تَضيع)؛
  3. ترتيب الإقفال المُحاسبي: تُطبَّق الغلَّة أوّلاً على الفائدة والنفقات، ثم على أصل الدين، وذلك حتى قبل استحقاق الدين الكامل.

سادساً — صيانة الدائن للعقار وتكاليفها (المادة 112)

على الدائن أن يَعتني بصيانة العقار المرهون وبإجراء التصليحات المُفيدة والضرورية له، على أن يَتناول من الغلَّة جميع مصاريف الصيانة والتصليحات، أو أن يَستوفيها بالأفضلية من ثمن العقار. وله دائماً أن يَرفع هذه الموجبات عن عاتقه بتخلّيه عن حقّ الرهن.

ثلاث قواعد:

  1. موجب الصيانة على الدائن الذي يَضع يده على العقار: عليه أن يَحفظه ويُصلحه، لا أن يَتركه يَتدهور؛
  2. استرداد المصاريف: يَستوفيها أوّلاً من الغلَّة، وإن لم تَكفِ فمن ثمن العقار بالأفضلية على سائر الدائنين؛
  3. حقّ التخلّي: للدائن في أيّ وقت أن يَتخلّى عن الرهن ويَتحرَّر من موجباته. التخلّي يَنزع عنه الضمانة العينية، ويُعيده إلى وضع الدائن العادي، لكنّه يُحرِّره من تكاليف العقار.

تطبيق عملي: في الرهون المصرفية الحديثة حيث لا يَضع المصرف يده على العقار، تَخلو الرهنية من موجبات الصيانة، ويَستمرّ المديون في صيانة عقاره. تَنشط القاعدة عند انتقال الحيازة إلى الدائن (وهو الفرض الكلاسيكي للنصّ)، أو عند التَدابير المؤقَّتة التي قد تُنقَل بموجبها يدُ المديون عن العقار خلال إجراءات النزاع.

سابعاً — عدم تجزئة الدين، عدم التصرف الانفرادي، إعارة العقار (المواد 113–115)

عدم تجزئة الدين بالميراث (المادة 113)

تُعالج المادة 113 الفرضَ الحسّاس: إذا تُوفّي المديون أو الدائن وتُقاسَم الدَين على الورثة، هل تَجوز التجزئة المُتقابلة في العقار المرهون؟ الجواب: لا.

  • إذا أَدّى وريث المديون نصيبه من الدين، لا يَستطيع المطالبة باستلام جزءٍ من العقار المرهون يُساوي نصيبه؛
  • وإذا قَبَض وريث الدائن نصيبه من الدين، لا يَستطيع تسليم أيّ جزء من العقار للمديون فيُضرَّ بمصلحة شركائه في الميراث الذين لم يَقبضوا حصصهم.

القاعدة منطقية: الرهن لا يَتجزّأ، فلا يُمكن للتجزئة في الذمم (دائنة أو مدينة) أن تَسحب إلى التجزئة في الضمانة.

حَظر التصرف الانفرادي والبطلان الحُكمي (المادة 114)

ليس للمديون ولا للدائن أن يَتصرَّفا بالعقار المرهون دون رضاهما المتبادل، وكلّ عقد يَجري خلافاً لهذه القواعد باطل حُكماً.

البطلان هنا حُكمي — أي بقوّة القانون لا بحاجة إلى دعوى تأسيسية. تَنطبق القاعدة على كلّ تصرف منفرد على العقار، مهما كان شكله: بيع، إيجار طويل المدى، إنشاء ارتفاق، تَخصيص لرهن آخر. الرضى المتبادل يَجب أن يَكون صريحاً، ويُسجَّل في الشكل المُناسب للتصرف.

إعارة العقار للمديون أو إيجاره منه (المادة 115)

العقار المرهون الذي يُعيره الدائن المرتهن إلى المديون أو يُؤجِّره منه يَبقى مخصَّصاً لضمان وفاء الدين.

في الفرضَيْن — الإعارة (دون بدل) أو الإيجار (ببدل) — لا تَنزع هاتان العمليتان عن العقار صفةَ الرهن. تَبقى الضمانة قائمة، ويَبقى للدائن حقّ تصفيتها بنزع الملكية إن لم يُوفّ الدَين. القاعدة تَحمي الدائن من حِيلة قد يَلجأ إليها بعض الأطراف لإفراغ الرهن من مفعوله بإعادة الحيازة المادّية إلى المديون بصورة شكلية.

ثامناً — زوال الرهن وترقين القيد (المادة 116)

تَختم المادة 116 الباب الرابع بقاعدة موجزة:

يَزول الرهن بـ:

تسديد الدين عند استحقاقه؛

– أو بالاتفاق بين المديون والدائن المرتهن؛

– أو بمجرَّد إرادة المُرتَهن.

ولا يَكون لزوال الرهن مفعول قضائي إلّا بعد ترقين القيد المدوَّن في السجل العقاري.

ثلاث طرق لزوال الرهن في الذمّة، تَلتقي جميعاً عند خطوة إدارية واحدة: الترقين.

  1. الزوال بالوفاء: تَبَعاً لطبيعة الرهن التَبَعية، يَسقط بسقوط الدين الذي ضَمنه. هذا الفرض الأكثر شيوعاً؛
  2. الزوال بالاتفاق: يَتفق المديون والدائن المرتهن — قد قبل استحقاق الدين أو لأيّ سبب آخر — على فكّ الرهن. يُحرَّر اتفاق مكتوب يُقدَّم إلى أمين السجل العقاري؛
  3. الزوال بإرادة المُرتَهن المنفردة: يَستطيع الدائن وحده أن يَتنازل عن حقّ الرهن، فيَنقضي الرهن دون حاجة إلى موافقة المديون (وهذا منطقي: الرهن حقّ للدائن، فله أن يَتنازل عنه).

نقطة جَوهرية في القفل: ولا يَكون لزوال الرهن مفعول قضائي إلّا بعد ترقين القيد في السجل العقاري. حتى يَتمّ الترقين، يَبقى الرهن قائماً في مواجهة الغير — قد يَطّلع طرف ثالث على صحيفة العقار ويَتصرَّف وفقاً لما هو مُدوَّن. لذلك تَتطلَّب القاعدة العملية: لا يَكتفي المُديون بتسديد الدين، بل يَتابع لدى أمين السجل العقاري إلى أن يَتمّ ترقين قيد الرهن فعلياً، حتى تَتحرّر صحيفة عقاره من الإشارة.

تاسعاً — خلاصة وإشارة إلى الجزء الرابع

غطّى هذا الجزء المواد 91–116 من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار 3339)، التي يُنظِّم بها المُشترِّع نَمَطَين من ضمان الدَين على عقار: البيع بالوفاء (والبيع بالاستغلال) الذي يَنقل الملكية مؤقَّتاً إلى الدائن مع حقّ استرداد للمديون؛ والرهن العقاري الاتفاقي الذي يُبقي الملكية للمديون ويُخوِّل الدائن حقّ حبس وحقّ ملاحقة نزع الملكية. النصوص الـ26 شبه مستقرّة منذ 1930 (تعديل واحد على المادة 104 في 1941 و1942).

أبرز ما يَعني المحامي عند صياغة عقد أو تَقدير وضع عقار مرهون:

  • البيع بالوفاء ≠ البيع مع حقّ الاسترداد: الأوّل يَجعل المشتري في موقع المرتهن (لا يَتملَّك عند الإخلال، يَسلك نزع الملكية)؛ الثاني يُتملِّكه عند انقضاء المهلة دون استرداد (ومهلة هذا الأخير محدودة بثلاث سنوات بمقتضى المادة 474 موجبات)؛
  • شَرط تَملُّك الدائن للعقار عند عدم الوفاء باطلٌ (المادة 107) ولو وَرد بصياغات بديلة: تَملُّك تلقائي، انتقال آلي، رهن صوري في صورة بيع — كلّها مَردودة. الطريق الوحيد هو نزع الملكية القانوني؛
  • الرهن لا يَتجزّأ (المادتان 106 و113): لا يَستطيع المديون استرداد جزءٍ من العقار بِسداد جزءٍ من الدين، ولا يَستطيع وارثٌ سداد حصّته لاسترداد حصّة العقار؛
  • الترقين شَرطٌ لِنفاذ زوال الرهن تجاه الغير (المادة 116). لا يَكفي الوفاء ليَتحرَّر العقار سجلّياً؛
  • عقد التأمين على العقار يَنفع الدائن بالأفضلية (المادة 96): تعويض الضمان يَخدم وفاء الدين قبل أن يَعود إلى المالك.

في الجزء الرابع من هذه السلسلة، سنَنتقل إلى الباب الخامس من قرار 3339 — في الامتيازات والتأمينات (المواد 117–173). يُكمِّل هذا الباب نظام الضمانات على العقار بنوعَيْن متمايزَيْن عن الرهن الاتفاقي: الامتيازات التي يَمنحها القانون مباشرةً لِفئاتٍ من الدائنين بسبب طبيعة دَينهم (الدولة، البائع، المُقاول، إلخ)، والتأمينات (الجبري والاتفاقي والقضائي) بأَوْلوياتها المختلفة وقواعد قيدها وترقينها. كما يُعالج الباب الخامس قواعد نزع الملكية الإجبارية (التنفيذ على العقار)، وهي الإجراءات التي يَلجأ إليها الدائن المرتهن — استناداً إلى المادة 101 وإلى أصول التنفيذ في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني — لاستيفاء دَينه من ثمن العقار.