قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم ٤/٢٠٢٦
الرقابة على دستورية القوانين · ٢٠٢٦/٣/٢٦
قرارٌ صادر عن المجلس الدستوري اللبناني رقم ٤/٢٠٢٦ بتاريخ ٢٠٢٦/٣/٢٦ في مراجعة دستورية القانون رقم ٤٠/٢٠٢٦، انتهى فيه المجلس إلى إبطال جزئي.
- التصنيف
- الرقابة على دستورية القوانين
- التاريخ
- ٢٠٢٦/٣/٢٦
- رقم القرار
- ٤/٢٠٢٦
- القانون المطعون فيه
- رقم ٤٠/٢٠٢٦
- المآل
- إبطال جزئي
- رأيٌ مخالف
- نعم
القانون المطعون فيه
قانون الموازنة العامة رقم ٤٠ الصادر في ١٠/٢/٢٠٢٦ والمنشور في العدد ٧ من الجريدة الرسمية بالتاريخ إياه.
المبادئ الدستورية التي أعملها المجلس في هذا القرار (٥)
- الانتظام العام (المالي) ذو القيمة الدستوريةسند
«لأنّ انتظام المالية العامة في الدولة، الذي هو ركيزة الانتظام العام ذي القيمة الدستورية، لا يتحقّق الا في اطار الموازنة العامة»
- نظرية الظروف والشرعية الاستثنائيةمؤيِّد
«ونظراً للأهمية الاستثنائية التي أولاها الدستور للموازنة العامة، لا يجوز للحالة الشاذة المتمثلة في غياب قطع الحساب لسنوات عدة، أن تحول دون إقرار الموازنة العامة للعام ٢٠٢٦»
- منع فرسان الموازنة (cavaliers budgétaires)سند
«بل باجراءات لها طابع إداري وتنظيمي فتدخل في مفهوم فرسان الموازنة ويقتضي بالتالي ابطالها لمخالفتها المادتين 81 و82 من الدستور»
- شرعية الضريبة والمساواة أمام الفرائض العامةسند
«إنّ مجلس النواب هو الذي أناط به الدستور دون سواه من السلطات، اختصاص فرض الضرائب العمومية وإحداثها، والترخيص بجبايتها، وذلك بموجب قوانين شاملة تطبق أحكامها على جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء»
- الاختصاص التشريعي الشامل لمجلس النوابمؤيِّد
«اذا كان لا يجوز للسلطة المشترعة، في ممارستها لاختصاصاتها في مجال إقرار القوانين في المواضيع المحفوظة لها، أن تتخلّى بنفسها عنها»
المواد الدستورية المستنَد إليها
نصّ القرار
قرار
قرار رقم 2026/4 تاريخ 2026/3/26
مراجعة رقم ٢٠٢٦/٤
تاريخ ٢٠٢٦/٢/١٩
مراجعة رقم ٢٠٢٦/٥
تاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٤
موضوع المراجعتين: قانون الموازنة العامة رقم ٤٠ الصادر في ٢٠٢٦/٢/١٠ والمنشور في العدد ٧ من الجريدة الرسمية بالتاريخ إياه.
إنّ المجلس الدستوري الملتئم بتارخ 2026/3/26 بصورة مؤقّتة في مقرّ مجلس شورى الدولة في بيروت لأسباب أمنية، برئاسة رئيسه القاضي طنوس مشلب وحضور الأعضاء: عوني رمضان، أكرم بعاصيري، ألبرت سرحان، رياض أبو غيدا، فوزات فرحات، ميشال طرزي، الياس مشرقاني وميراي نجم.
وبغياب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة لأسباب صحيّة.
بعد الاطلاع على الملف وعلى التقرير، ولدى التدقيق والمذاكرة،
تبيّن أنّ النواب بولا يعقوبيان، مارك ضو، نجاة صليبا، إبراهيم منيمنه، ياسين ياسين، شربل مسعد، ملحم خلف، ميشال الدويهي، حليمة القعقور وسينتيا زرازير قدّموا مراجعة بتاريخ ٢٠٢٦/٢/١٩ سجّلت في قلم المجلس برقم ٤ طعنوا فيها بالمادة ٥٥ من القانون رقم 2026/40، وطلبوا قبول مراجعتهم شكلاً ووقف مفعول المادة ٥٥ فوراً كي لا ينتج عن تطبيقها آثار تكون عرضة للإبطال في حال قبول المراجعة أساساً، وطلبوا في الأساس ابطال المادة المذكورة لمخالفتها المواد ١٦ و٨١ و٨٢ و٨٣ من الدستور والفقرة (ه) من مقدّمته فضلاً عن كونها من فرسان الموازنة، كما طلبوا ابطال كل ما يراه المجلس مخالفاً للدستور أو للمبادئ ذات القيمة الدستورية.
وتبيّن أنّ النواب جورج عدوان، غادة أيوب، فادي كرم، غسان حاصباني، رازي الحاج، نزيه متى، سعيد الأسمر، الياس الخوري، الياس اسطفان، زياد الحواط، وجهاد بقرادوني قدّموا مراجعة بتاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٤، سجّلت في قلم المجلس برقم ٥ طعنوا فيها بالقانون رقم ٤٠ برمته، وطلبوا قبول المراجعة شكلاً وأساساً ابطال القانون للأسباب التالية:
أ- مخالفة أحكام المادة ٨٧ من الدستور واحكام الفقرة "ه" من مقدّمته.
ب- مخالفة الفقرة "ه" من مقدّمة الدستور والمادتين ٦٥ و٨٣ منه وذلك في المواد ٣٢- و٤٠ حتى 53 ضمناً، والمادة ٥٥ التي أدخلت جميعها في قانون الموازنة خلافاً للأصول الدستورية.
ج- مخالفة أحكام المادة ٨٤ من الدستور.
د- مخالفة أحكام المادة ٨٥ من الدستور.
٥- مخالفة أحكام المادتين ٨١ و٨٢ من الدستور معطوفتين على احكام الفقرة "ه" من مقدمته وذلك في المواد ٤٠ حتى ٥٣ ضمناً وهي التي أضيفت إلى الموازنة وتعتبر فرسان موازنة وكذلك المواد ٣٠ و٣١ و٣٢ و ٤١ و٥١ التي عُدّلت خلافاً للدستور (قانون الضريبة على القيمة المضافة).
وتبيّن أنّه بتاريخ ٢٠٢٦/٢/٢٥، بحث المجلس في وقف مفعول القانون المطعون فيه ولم يجد ما يبرر وقفه. وتبيّن أنّ التقرير ورد في ٢٠٢٦/٣/١١ وأنّه بالتاريخ إيّاه أرسل كتاب لجانب مجلس الوزراء الإفادة المجلس الدستوري ما اذا كانت التعديلات التي حصلت اثناء مناقشة الموازنة في لجنة المال والموازنة، قد اقترنت بموافقة مجلس الوزراء وفقاً للأصول، وقد ورد الجواب على الكتاب بتاريخ ٢٠٢٦/٣/١٢ برقم ٦٨٢ م.ص. وضمّ للملف.
وتبيّن أنّه بتاريخ 2026/3/16 وردت مذكّرة إضافية من مقدّمي الطعن رقم 2026/5، تسجلّت بتاريخ ورودها، فتقرّر اخراجها من الملف لورودها خارج المهلة القانونية.
وتبيّن أنّه بتاريخ 2026/3/18 تقرّر ضمّ المراجعة رقم 2026/5 الى المراجعة رقم 2026/4، لوحدة الموضوع، والسير بهما معاً لحسن سير العدالة.
بناءً عليه،
أولاً - فى الشكل:
حيث إنّ المراجعتين ٤ و٢٠٢٦/٥ وردتا ضمن المهلة القانونية وكلَّّ منهما مستوفيةً لسائر الشروط الشكلية، فتكونان مقبولتين في الشكل.
ثانياً- فى الأساس:
أ- فى السبب المبنى على مخالفة القانون المطعون فيه للمادة ٨٧ من الدستور وللفقرة (ه) من مقدّمته:
حيث إنّ الجهة المستدعية تدلي بأنّ الموازنة أقرّت دون قطع حساب، كما تفرض المادة ٨٧ من الدستور وخلافاً لقراري المجلس الدستوري رقم ٢٠١٧/٥ ورقم ٢٠١٨/٢، وإنّه من غير الجائز استمرار الحالة الشاذة وعدم سبق الموازنة بإقرار قطع الحساب لمدة من الزمن لا تنتهي،
وحيث إنّ المادة ٨٧ من الدستور نصّت على أنّ "حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية التي تلي تلك السنة"،
وحيث إنّ إقرار الموازنة بدون قطع الحساب يشكّل مخالفة دستورية سبق لهذا المجلس أن أكّد عليها في جميع قراراته في الطعون التي وردته في الموازنات العائدة للسنوات ٢٠١٧ وما يليها، مبيّناً بشكل واضح أنّ غياب قطع الحساب يعطّل دور وصلاحيات ومسؤوليات السلطة التشريعية وديوان المحاسبة، ويعطّل بالتالي الرقابة المالية المناطة بموجب الدستور بالسلطتين التشريعية والقضائية، ويخالف بشكل فاضح أحكام المادة ٨٧ من الدستور، ونبّه الى أنّ عدم وضع قطع الحساب يشكّل حالة شاذة يجب الخروج منها سريعاً ووضع قطع الحساب وفق القواعد التي نصّ عليها الدستور وقانون المحاسبة العمومية، ولكنّه -أي المجلس الدستوري- لم يبطل تلك الموازنات معتبراً أنّه لا غنى للدولة عنها لأنّ انتظام المالية العامة في الدولة، الذي هو ركيزة الانتظام العام ذي القيمة الدستورية، لا يتحقّق الا في اطار الموازنة العامة،
(تراجع القرارات ٢٠١٨/٢، و2019/23، و٢٠٢٠/٢ و٢٠٢٣/١ و2024/1)،
وحيث يرى المجلس العودة الى جميع نصوص الدستور التي ترعى الموازنة لمعرفة ما اذا كان يقتضي ابطال قانون الموازنة الحاضرة، لإقرارها من دون قطع الحساب أم أنّه يقتضي عدم الابطال حفاظاً على الانتظام العام،
وحيث إنّ الدستور نصّ في المادة ٨٣ على أنّه كل سنة في بدء عقد تشرين الأول، تقدّم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً "،
وحيث إنّ الدستور منح الموازنة موقعاً استثنائياً، نظراً لأهميتها، فنصّ في المادة 32 منه على تخصيص جلسات العقد الثاني لمجلس النواب للبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل كل عمل آخر، كما نصّت المادة 86 من الدستور على أنّه إذا لم يبتّ المجلس نهائياً في شأن مشروع الموازنة قبل الانتهاء من العقد المعّين لدرسه، فرئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، يدعو المجلس فوراً لعقد استثنائي يستمر لغاية نهاية كانون الثاني لمتابعة درس الموازنة، وإذا انقضى العقد الاستثنائي هذا ولم يُبت مشروع الموازنة نهائياً فلمجلس الوزراء أن يتّخذ قرارا، يصدر على أثره مرسوم عن رئيس الجمهورية، يجعل بموجبه مشروع الموازنة بالشكل الذي قدّم به الى المجلس النيابي مرعياً ومعمولاً به "،
وحيث إنّه نظراً لما لقانون الموازنة من أهمّية، فقد نصّ الدستور على إقراره بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بدون موافقة السلطة الاشتراعية، اذا لم تقرّه ضمن المهلة المحدّدة، على الرغم من أنّ الدستور حصر إقرار القوانين بالسلطة الاشتراعية،
وحيث إنّه، ونظراً للمفاعيل السلبية التي تترتب على الدولة تبعاً لعدم إقرار الموازنة والتي تؤدي الى فوضى في المالية العامة، فقد أجاز الدستور حلّ مجلس النواب، في حال ردّه الموازنة برمتها بقصد شل يد الحكومة عن العمل (المادة 65 الفقرة 4)،
وحيث إنّ قطع الحساب اعتمد من أجل تحديد الخلل في تنفيذ موازنة سابقة والاسترشاد به لوضع موازنة لسنة قادمة، وبالتالي اعتمد وضع قطع الحساب من أجل الموازنة ولم تعتمد الموازنة من أجل قطع الحساب،
وحيث إنّه، ونظراً للأهمية الاستثنائية التي أولاها الدستور للموازنة العامة، لا يجوز للحالة الشاذة المتمثلة في غياب قطع الحساب لسنوات عدة، أن تحول دون إقرار الموازنة العامة للعام ٢٠٢٦، على أنّ يجري سريعاً الخروج من الحالة الشاذة هذه ووضع قطع حساب وفق القواعد التي نص عليها الدستور وقانون المحاسبة العامة لعودة المالية العامة الى الانتظام،
وحيث إنّه تبعاً لما تقدّم، لا يرى المجلس ما يوجب ابطال القانون المطعون فيه لعدم سبقه بقطع الحساب لأن البديل، أي عدم إقرار الموازنة ونشرها، يؤدّي إلى إطلاق يد الحكومة في الانفاق دون تحديد أي سقف له، ما يشكّل خللاً أكبر في النظام العام المالي ويلحق ضرراً فادحاً بمصالح البلاد العليا وذلك وفقاً لما استقرّ عليه اجتهاد المجلس،
وحيث إنّه بالنسبة للسبب المسند الى مخالفة القانون المطعون فيه لقوة القضية المحكمة الناتجة عن قراري المجلس الدستوري رقم 2018/2 و2020/2 والزاميتها المنصوص عليها في المادة 13 من قانون انشائه والمادة 52 من نظامه الداخلي، والتي نصّت على أنّ القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري تتمتع بقوة القضية المحكمة، وهي ملزمة لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والإدارية، فإن قوة القضية المحكمة تقتصر مبدئياً على الفقرة الحكمية من القرار دون الأسباب التي بنيت عليها، ما لم تكن تلك الأسباب مرتبطة بالفقرة الحكمية ارتباطاً وثيقاً وتشكّل الركن الأساسي والدعامة اللازمة لها،
وحيث إنّه من مراجعة قراري المجلس الدستوري رقم 2018/2 و2020/2، يتبيّن أنّهما اتبعا نهجاً ارشادياً وتوجيهياً حيث دعيت السلطة العامة الى الخروج من دون تباطؤ من الحالة الشاذة المتمثلة في عدم وضع قطع الحساب توخياً لعودة المالية العامة للانتظام، من دون أن تتضمن أي من الفقرتين الحكميتين وجوب إبطال قانون الموازنة لعدم سبقه بقطع الحساب، فلا تكون بالتالي ثمّة مخالفة لقوة القضية المحكمة،
وحيث إنّه، تبعاً لكلّ ما تقدم، فإنّ ما تدلي به الجهة المستدعية لهذه الناحية يكون في غير محلّه القانوني والواقعي الصحيح، ما يستوجب ردّه.
ب- فى السبب المبنى على مخالفة المادة ٥٥ من القانون المطعون فيه لأحكام المواد ١٦ و٨١ و٨٢ و٨٣ من الدستور والمبادئ الدستورية بما فيها مبدأ فصل السلطات المنصوص عليه فى الفقرة (ه ) من مقدمة الدستور فضلاً عن كونها من فرسان الموازنة:
حيث إنّ الجهة المستدعية تدلي بأنّ المادة ٥٥ من القانون المطعون فيه منحت الحكومة حقّ التشريع في الحقل الجمركي ومن ضمن ذلك التعريفات الجمركية، ما يعني تفويض صلاحيات تشريعية للحكومة هي محجوزة أصلاً للقانون، فضلاً عن كونها من فرسان الموازنة وأنّها دسّت على عجل في القانون المطعون فيه، وتضيف الجهة المستدعية أنّ النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها (فقرة ه)، وإنّ سلطة التشريع تتولاها هيئة واحدة هي مجلس النواب (م. 16 من الدستور)، في حين لا يتمّ فرض الضرائب العمومية الا بقانون شامل وعلى كافة الاراضي اللبنانية (م 81 من الدستور)، كما لا يجوز تعديل مثل هذه الضرائب إلا بقانون (م. ٨٢ من الدستور)، إضافةً إلى أنّ الدستور كرّس في مادته ٨٣ مبدأ سنوية الموازنة ووحدتها، وخلصت الجهة المستدعية للقول بأنّه لا يجوز التفويض في مواضيع محجوزة للمشرّع ومنها الضرائب والرسوم،
وحيث إنّ المادة ٥٥ تنصّ على ما يلي:
الُمنح الحكومة لمدة تنتهي في ٢٠٢٨/١٢/٣١، حق التشريع في الحقل الجمركي بموجب مراسيم تتخذ في مجلس الوزراء.
فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية، للحكومة أن تمارس هذا الحق مباشرة او تنيب المجلس الأعلى للجمارك ان يمارسها "،
وحيث، وبموجب المادتين ٨١ و٨٢ المشار اليهما أعلاه، إنّ مجلس النواب هو الذي أناط به الدستور دون سواه من السلطات، اختصاص فرض الضرائب العمومية وإحداثها، والترخيص بجبايتها، وذلك بموجب قوانين شاملة تطبق أحكامها على جميع الأراضي اللبنانية دون استثناء،
وحيث إنّه، اذا كان لا يجوز للسلطة المشترعة، في ممارستها لاختصاصاتها في مجال إقرار القوانين في المواضيع المحفوظة لها، أن تتخلّى بنفسها عنها، الا أنّ الطابع الخاص الذي يتصف به نظام فرض الرسوم الجمركية لجهة الاستعجال في إقرارها ولجهة تحضيرها الذي يستدعي في الكثير من الأحيان السرية التامة، لا يتلائم مع المناقشات العلنية في مجلس النواب، إضافةً الى تأثيرها المالي والاقتصادي، ما أدّى إلى الشذوذ عن هذه القاعدة الدستورية فدرجت العادة أن تصدر الرسوم الجمركية بقرار من السلطة التنفيذية، على أن تُعرض على السلطة التشريعية فيما بعد، وهذا ما يسمى Loi de Cadenas،
وحيث إنّه وفي هذا المجال، صدرت عدّة قوانين اعتباراً من العام ١٩٥٠، على سبيل المثال المرسوم الاشتراعي رقم ٢ تاريخ ١٩٥٠/٣/٢٣ والقانون رقم ٢٦٧ تاريخ ١٩٩٣/١٠/٢٣ والقانون رقم ٥٩٢ تاريخ ١٩٩٦/٨/٢٦ والقانون رقم ٩٣ تاريخ ٢٠١٨/١٠/١٠، جميعها تمنح الحكومة حق التشريع في الحقل الجمركي بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء مع الاحتفاظ بحقّها بأن تتولى ذلك مباشرة او أن تُنيب المجلس الأعلى للجمارك لممارسة هذا الحق في ما يتعلق بالرسوم الجمركية،
وحيث إنّ هذا التدبير أصبح مألوفاً على مرّ السنوات، وجاء في هذا السياق نص المادة ٥٥ من القانون المطعون فيه، فبات عرفاً دستوريا نشأ عن استعمالاته المتعدّدة،
وحيث إنّ العرف ينشأ تلقائياً في ظروف كل بلد ويكون أقرب إلى الواقع والحاجات العملية، ما يدفع الدستور ليكون أكثر انسجاماً مع المتطلبات الحقيقية للمجتمع، ومواكباً كذلك للتغيرات التي قد تطرأ على المستويات
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبهذه الطريقة يمكن للدستور الجامد أن يستفيد من مرونة العرف بدل أن يخضع لتعديلات قد تكون صعبة المنال في الكثير من الأحيان،
وحيث إنّ المصلحة العامة واستمرارية الدور الجمركي الفعّال (ارتفعت الايرادات الجمركية في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025 نحو 29,2 من مجموع الايرادات العامة)، تفرضان بقاء السلطات المختصة مهيأة في كل وقت لاتخاذ الاجراءات الضرورية ووضعها موضع التنفيذ، وذلك بالنظر الطابع السرعة الذي تتسم به التشريعات الجمركية ولطابع السرية خلال فترة دراستها واعدادها وحتى اصدارها، وهذا ما دفع بإبقاء عملية التشريع في الحقل الجمركي منوطاً بالسلطة التنفيذية الممثلة بالحكومة باعتبارها أداة لتحقيق سياستها الاقتصادية والإنمائية،
وحيث إنّ الهدف من هذا التفويض الاستثنائي يكمن في الحدّ من الانعكاسات السلبية للنمط التشريعي البطيء ومن الانتظار طويلاً لإقرار القوانين عبر البرلمان، ما يسمح للسلطة التنفيذية بتعديل الرسوم والتعريفات الجمركية بالسرعة والسرية التامتين بهدف ضمان التوازن بين حماية الصناعة الوطنية (رسم مكافحة الاغراق) واستقرار أسعار الاستهلاك، وتفادي استغلال التجار لهذه الفترة عبر المسارعة لتخزين البضائع ترقباً لارتفاع اسعار ها،
وحيث إنّ طبيعة التعرفة الجمركية الآنية والسرية هي التي ارغمت مجلس النواب على الاستمرار بتفويض صلاحيات مالية استثنائية ومحدّدة زمنياً من صلب اختصاصه التشريعي، وذلك تمكيناً للحكومة من اتخاذ التدابير الكفيلة بتأمين موارد جديدة للخزينة العامة هي بأشد الحاجة اليها،
وحيث لجهة ما أدلي به بكون المادة ٥٥ هي من فرسان الموازنة، فإنّ المادة المذكورة قد اكتفت بتجديد منح سلطة التشريع في الحقل الجمركي للحكومة باعتباره أداةً مهمة لتحقيق سياستها المالية والاقتصادية، ومن الثابت أنّ لهذا التشريع انعكاسات مالية غير مباشرة على الخزينة العامة، وتكون المادة ٥٥ متسمة بالطابع المالي ولا تعتبر بالتالي من فرسان الموازنة،
وحيث استناداً لما تقدّم، يكون كلّ ما ادلي به بالنسبة للمادة ٥٥ في غير محلّه القانوني ومستوجب الرد.
ج- فى السبب المبنى على مخالفة الفقرة (ه) من مقدّمة الدستور والمواد 65 و83 و84 منه:
حيث إنّ الجهة المستدعية تأخذ على القانون المطعون فيه مخالفته الفقرة (٥) من المادة ٦٥ من الدستور التي تنصّ على ضرورة موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها لإقرار الموازنة العامة للدولة في مجلس الوزراء، وكذلك مخالفته المادة ٨٣ من الدستور التي تحصر بالحكومة مهمّة تقديم موازنة شاملة لمجلس النواب بنفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، وأنّه تمّت إضافة مواد جديدة على مشروع الموازنة عبر لجنة المال والموازنة من دون المرور بمجلس الوزراء، ما يشكّل تعدّياً من السلطة التشريعية على السلطة الإجرائية وخرقاً فاضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في الفقرة "ه" من مقدّمة الدستور،
وحيث إنّ الجهة المستدعية تأخذ أيضاً على القانون المطعون فيه مخالفته المادة ٨٤ من الدستور التي تمنع أيّة زيادة او اقتراح بزيادة الاعتمادات اثناء مناقشة مشروع الموازنة، مردفةً أنّه تمّت زيادة سقف النفقات لعدة وزارات وهيئات ومجالس من دون موافقة مجلس الوزراء ما أدّى إلى تعديل جوهري في بنية الموازنة وزيادة سقف الإنفاق الإجمالي بشكلٍ مخالفٍ للدستور،
وحيث إنّ المادة ٨٣ من الدستور تنصّ على أنّه في كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، ويقترع على الموازنة بنداً بنداً"،
وحيث إنّ المادة 84 من الدستور تنصّ على ما يلي:
"لا يجوز للمجلس في خلال المناقشة بالميزانية وبمشاريع الاعتمادات الإضافية أو الاستثنائية أن يزيد الاعتمادات المقترحة عليه في مشروع الموازنة أو في بقية المشاريع المذكورة سواء كان ذلك بصورة تعديل يدخله عليها أو
بطريقة الاقتراح. غير انه يمكنه بعد الانتهاء من تلك المناقشة أن يقرر بطريقة الاقتراح قوانين من شأنها احداث نفقات جديدة "،
وحيث يتبيّن من نص المادة 84 المذكورة آنفاً أنّ القيد الوحيد المفروض على مجلس النواب لدى مناقشته مشروع الموازنة هو عدم امكان زيادة الاعتمادات المقترحة عليه في المشروع، ما يعني أنّه يعود للمجلس تعديل تلك الاعتمادات أو نقلها من بند إلى بند او من فصل الى فصل او من باب إلى باب، شرط الا يتخطّى السقف الاجمالي للاعتمادات المقترحة في مشروع الموازنة ،
وحيث إنّ الطاعنيين قد أوردوا في مراجعتهم أن النفقات الإجمالية كانت محددة بمبلغ /538،715،617،000،000/ ل.ل.، في مشروع الموازنة المحال من الحكومة فأصبحت //538،415،617،000،000/ ل.ل.، في قانون الموازنة المطعون فيه، ما يعني أن المبلغ الإجمالي تناقص ولم تطرأ عليه أي زيادات خلافاً لادلاءات الجهة الطاعنة،
وحيث إنّه لدى التدقيق في المرسوم رقم ١٤٧٨ الصادر بتاريخ 2 تشرين الأول 2025 "إحالة مشروع قانون الى مجلس النواب يتعلق بمشروع قانون الموازنة لعام 2026"، تبيّن أنّ مجموع الاعتمادات في المادة 2 منه يبلغ /000،000، 617، 534،715/ ل.ل.، ما يدلّ على أنّ القانون المطعون فيه تضمن زيادة حوالي /4000/ مليار ليرة لبنانية، فيشكل ذلك مخالفة للمادة 84 من الدستور،
وحيث إنّ الطاعنين يدلون أيضاً بأنّه تمت زيادة النفقات العائدة لكل من وزارة الصحة ومجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة ما مجموعه / ١٤،٥٠٠ / مليار ليرة لبنانية بدون تقديم أي اثبات، فتبين أنّ مشروع الموازنة المنشور في الجريدة الرسمية قد خلا من أي تفصيل لجهة الهيئات والمجالس وغيرها، لا سيما أنّ هذه النفقات تفوق وحدها زيادة ال4000 مليار ليرة لبنانية المشار اليها،
وحيث إنّ الطاعنين أدلوا أيضاً بأنّه جرى إضافة سقف الإنفاق لعدة وزارات وهيئات ومجالس أخرى بدون تحديد موضع الزيادات أو بيان ما يعزز أقوالهم، انما اقتصرت ادلاءاتهم على العموميات،
وحيث إنّ النظام الداخلي لمجلس النواب، والذي يمكن للمجلس الدستوري العودة اليه على سبيل الاستئناس لتفسير مادة في الدستور في حال عدم تعارضها مع النص الدستوري الصريح، أعاد في المادة 114 منه نقل مضمون المادة 84 من الدستور،
وحيث إنّ المادة 115 من النظام الداخلي جاءت تفسيراً واستكمالاً للمادة 114 منه، وبالتالي للمادة 84 من الدستور، وتناولت الأصول والاجراءات تحت الفصل السادس بعنوان " الموازنة والقوانين المالية"، وهي تنصّ على ما يلي: "يجوز للمجلس الغاء او تخفيض الاعتمادات في مشروع الموازنة كما يجوز له نقل هذه الاعتمادات من بند إلى بند او من فصل الى فصل او من باب إلى باب "،
وحيث إنّ الطاعنين لم يحددوا بالتفصيل البنود أو الفصول أو الأبواب التي جرت زيادة اعتماداتها، ومقدار الاعتمادات التي نقلت من بند إلى بند او من فصل الى فصل او من باب إلى باب، لتمكين المجلس الدستوري من معرفة ما إذا كانت هذه الاعتمادات الاضافية هي موضوع زيادة أو نقلها، كي يتسنى ابطالها، بعد تحديد موقعها ضمن نطاق الزيادة الاجمالية المحددة ب4000 مليار على مرسوم مشروع الموازنة، مع التنويه بأنّ الزيادات المشار إليها آنفاً بالنسبة لوزارة الصحة والهيئة العليا للاغاثة ومجلس الجنوب تفوق بأضعاف الفارق بين مجموع الاعتمادات في مشروع الحكومة وتلك الواردة في المادة 2 من القانون المطعون فيه، الأمر الذي يؤول الى رد طلب الابطال.
وحيث إنّه، تبعاً لما تقدّم، يكون السبب موضوع البحث مردوداً.
د- السبب المبنى على مخالفة أحكام المادة ٨٥ من الدستور:
حيث إنّ المادة ٨٥ من الدستور تنصّ على أنّه لا يجوز أن يفتح اعتماد استثنائي الا بقانون خاص، اما اذا دعت ظروف طارئة لنفقات مستعجلة فيمكن لرئيس الجمهورية ان يتخذ مرسوماً بموافقة مجلس الوزراء قاضياً بفتح اعتمادات استثنائية او إضافية وان ينقل اعتمادات في الموازنة على أن لا تتجاوز هذه الاعتمادات حداً أقصى يحدد في قانون الموازنة، ويجب ان تعرض هذه التدابير على موافقة المجلس في اول عقد يلتأم فيه بعد ذلك "،
وحيث إنّ الجهة المستدعية تأخذ على القانون المطعون فيه مخالفته أحكام المادة ٨٥ من الدستور لقيام لجنة المال والموازنة بتوزيع الاحتياطي والتصرف به خلافاً للدستور ولأحكام قانون المحاسبة العمومية وبالتالي شلّ يد رئيس الجمهورية والحكومة بإصدار أي مرسوم لفتح اعتماد استثنائي او إضافي لعدم توفّره، طالبةً ابطال " هذا التوزيع للاحتياطي"، من دون بيان كيفية توزيع ذلك الاحتياطي من قبل لجنة المال والموازنة المدلى به ولا مقداره ومن دون تحديد المواد التي ورد فيها والمطلوب ابطالها، ما يدل على عدم جديّة الطعن لهذه الناحية،
وحيث إنّه، على سبيل الاستفاضة في البحث، قد تبيّن من الجدول رقم 1 الملحق بالموازنة والمعنون "اعتمادات قانون موازنة عام 2026" (ص. 1189)، أنّ احتياطي الموازنة قدره /942،723، 21،799/ ل.ل.، ما يفوق نسبة 1% من مجموع اعتمادات الجزئين الأول والثاني من الموازنة، المنصوص عليه في المادة 26 من قانون المحاسبة العمومية، مع الاشارة الى أن المادة 85 من الدستور لم تحدد اي نسبة مئوية لهذه الجهة، ما يوجب ردّ هذا السبب.
٥- فى مخالفة أحكام المادتين ٨١ و٨٢ من الدستور معطوفتين على احكام الفقرة "ه" من مقدمته:
حيث إنّ الجهة المستدعية تدلي بأنّ المواد ٤٠ حتى ٥٣ دُسّت في القانون المطعون فيه خلافاً للأصول الدستورية والقانونية ما رفع عدد مواد الموازنة بعد إقرارها الى 57 مادة في حين كان عددها في المشروع الذي أحيل من الحكومة لا يزيد عن ٤٩ مادة، وكان من نتيجة ذلك أنه عدلت او ألغيت عدة ضرائب في قانون الموازنة وليس في قانون مستقل، الأمر الذي يخالف المادتين ٨١ و٨٢ من الدستور ويوجب ابطال المواد المشار اليها،
وحيث إنّ القول بعدم جواز رفع عدد مواد الموازنة هو قولٌ مردود كون المادة ٨٤ من الدستور قيّدت السلطة التشريعية، كما سبق بيانه، بقيد واحد هو عدم تجاوز سقف القيمة الإجمالية لاعتمادات الموازنة او القيمة الاجمالية للاعتمادات الإضافية، فلا يشمل هذا القيد من قريب او بعيد مجموع مواد مشروع قانون الموازنة او مواد مشروع قانون فتح الاعتماد الإضافي،
وحيث إنّ الجهة المستدعية تدلي ايضاً بأنّ هذه المواد المضافة تشكّل فرسان موازنة ولا علاقة لها بقانون الموازنة، وتحديداً المواد 30 و31 و32 و41 و45 و49 و51 و55 من القانون المطعون فيه، وأنّه كان يقتضي إدراجها لمناقشتها واقرارها في قوانين مستقلة وعدم دسّها في قانون الموازنة،
وحيث إنّ المادة ٥ من قانون المحاسبة العمومية عرّفت قانون الموازنة بأنّه النص المتضمن إقرار السلطة التشريعية لمشروع الموازنة، يحتوي هذا القانون على أحكام أساسية تقضي بتقدير النفقات والإيرادات واجازة الجباية وفتح الاعتمادات اللازمة للإنفاق، وعلى أحكام خاصة تقتصر على ما له علاقة مباشرة بتنفيذ الموازنة"،
وحيث إنّه يقتضي عملاً بهذا النص وصوناً لخصوصية الموازنة العامة وتماشياً مع الاجتهاد الدستوري المستقر استبعاد كل مادة قانونية غير مشمولة بتعريف المادة الخامسة، وذلك في سبيل سلامة التشريع ومنعاً لتمرير بعض المواد القانونية على عجل خصوصاً التي لا تمت بصلة للموازنة العامة، من دون تمكين المجلس النيابي من مراجعتها ومناقشتها في إطار مستقل وبيان الأسباب الموجبة التي أدّت الى اعتمادها،
وحيث إنّه يقتضي اعتماد التفسير الضيق لمفهوم فرسان الموازنة وحصره بالنصوص التشريعية الخارجة كلّياً عن تعريف المادة ٥ من قانون المحاسبة العمومية والتي ليس لها طابعاً مالياً أو اي تأثير بشكل مباشر او غير مباشر على إيرادات أو نفقات، الخزينة والتدقيق في المواد المطعون فيها في ضوء ذلك:
وحيث بالعودة الى المواد المثارة يتبيّن ما يلي:
- في المادة 30:
حيث إنّ المادة 30 من القانون المطعون فيه ترمي الى تعديل البند (7) من المادة 7 من المرسوم الاشتراعي رقم 1959/144 وتعديلاته (قانون ضريبة الدخل)،
وحيث إن المادة 30 المذكورة تكون ذات طبيعة مالية بحتة ولا تخرج عن مفهوم الموازنة انما تكتفي بتعديل رسم تمّ إقراره سابقاً ولا تستحدث رسماً جديداً، فلا تدخل بالتالي في مفهوم فرسان الموازنة.
- في المادة 31:
حيث إنّ المادة 31 من القانون المطعون فيه تتعلّق بتعديل المادة 28 من القانون رقم 379 تاريخ 2001/12/14 (الضريبة على القيمة المضافة)، والمتعلّقة بطريقة حسم الضريبة التي أصابت الأصول الثابتة والتي اكتسبها شخص خاضع للضريبة،
وحيث إنّ المادة 31 تتعلّق بطريقة حسم الضريبة التي أصابت الأصول الثابتة التي اكتسبها شخص خاضع للضريبة، فهي مادة ذو طابع ضريبي ومالي وليست بالتالي من فرسان الموازنة.
- في المادة 32:
حيث إنّ المادة 32 من القانون المطعون فيه ترمي الى تعديل المادة 30 من القانون رقم 379 تاريخ 2001/12/14 (الضريبة على القيمة المضافة)، والمتعلّقة بطلب استرداد الضريبة وتمديد المهل بهذا الشأن، فتكون ذات طابع ضريبي ومالي وليست بالتالي من فرسان الموازنة.
- في المادة 41:
حيث إنّ المادة 41 من القانون المطعون فيه ترمي الى منح مهلة استثنائية لتقديم طلبات الاسترداد وفقاً لأحكام المادة 59 من القانون رقم 2001/379 (قانون الضريبة على القيمة المضافة) والعائدة للعام 2024،
وحيث إنّ المادة 41 تتعلّق بمنح مهلة لتقديم طلبات الاسترداد المتعلقة بالضريبة على القيمة المضافة، والتي هي مادة ضريبية بامتياز، فلا تدخل بالتالي في مفهوم فرسان الموازنة.
في المادة 49:
حيث إن هذه المادة ترمي الى تحميل أصحاب العلاقة مصاريف أعمال التحديد والتحرير، وبالتالي فهي ترتبط بإيرادات الموازنة، فلا تدخل بالتالي في عداد فرسان الموازنة.
- في المادة 51:
حيث إنّ هذه المادة ترمي الى تعديل مهلة التصريح الدوري عن الضريبة على القيمة المضافة، فيكون لها الطابع الضريبي وهي لا تستحدث ضريبة جديدة، فلا تدخل بالتالي في مفهوم فرسان الموازنة.
- في المادة 55:
لا تعتبر من فرسان المزازنة للأسباب المبيّنة آنفاً.
وحيث تبيّن للمجلس أنّ المادة 46 من القانون المطعون فيه ترمي الى تمديد المهل المنصوص عليها في المادة 11 من قانون اكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان،
وحيث إنّ هذه المادة لا ترتبط مباشرة بنفقات وايرادات الموازنة، بل باجراءات لها طابع إداري وتنظيمي فتدخل في مفهوم فرسان الموازنة ويقتضي بالتالي ابطالها لمخالفتها المادتين 81 و82 من الدستور.
لهذه الأسباب
وعطفاً على القرار رقم ٢٠٢٦/2 تاريخ ٢٠٢٦/٣/١٨، القاضي بضم المراجعة رقم 5 الى المراجعة رقم 4،
يقرّر بالأكثرية،
أولاً: فى الشكل:
قبول المراجعتين شكلاً.
ثانياً: فى الأساس:
1- إبطال المادة /46/ من الموازنة المطعون فيها.
2- ردّ سائر الأسباب والمطالب الزائدة والمخالفة.
ثالثاً: إبلاغ هذا القرار من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، ونشره في الجريدة الرسمية.
قراراً صدر في بيروت بتاريخ 2026/3/26.
ميراي نجم (مخالفة)
الياس مشرقاني (مخالف)
فوزات فرحات
ميشال طرزي
رياض أبو غيدا
أحمد أكرم بعاصيري
ألبرت سرحان
أمين السرّ
الرئيس
عوني رمضان
طنوس مشلب
مخالفة القرار الصادر بنتيجة الطعن بالقانون رقم 2026/40 (الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2026) ميراي أميل نجم
عضو المجلس الدستوري
في هذه الحقبة القاتمة التي تمرّ بها البلاد، وسط حرب دامية ومدمّرة تحصد الأرواح وتحرق الأرض وتزرع الخوف والذعر في كل أرجاء الوطن، وفي حين يبدو المستقبل قاتماً مظلماً أكثر من أي وقت مضى، بتنا بأمسّ الحاجة الى تعزيز منطق سيادة القانون، والانضواء تحت راية الدستور ومبادئه، لأنّ الدولة بدستورها ومؤسساتها هي خشبة الخلاص الوحيدة لهذا الشعب المنهك والتائه، والطريق الوحيد للخروج من الفوضى السائدة وطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ لبنان،
ولأنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية وفق ما نصّت عليه الفقرة (د) من مقدّمة الدستور، فيعود له أن يسائل السلطات العامة على أدائها، هي التي تستمد شرعيتها من السيادة الشعبية،
ولأن المساءلة الشعبية لا تقوم الا في ضوء ممارسة الحكم بشكل شفاف وصادق، وفق أحكام الدستور وتحت سقف القانون،
ولأنّ المحاسبة والشفافية هما سمتان أساسيتان لانتظام الحياة العامة في الأنظمة الديمقراطية، وبات توفّرهما ملحّاً وحيوياً في المرحلة المتأزّمة التي يتخبّط بها الوطن،
وبما أنني على قناعة بأنّه على السلطات العامة واجب تطبيق أحكام الدستور ومبادئه بشكل صارم فالأمر ليس خياراً، باعتبار أنّ تلك الأحكام تشكّل ركائز النظام اللبناني، وأعمدة دولة القانون التي لطالما نحلم بتحقيقها ونسعى اليها، وقد وضِعت أمانةً بين يدي المجلس الدستوري كي يسهر عليها بصفته حامٍ للدستور والمؤتمن على تطبيقه ومنع كل التجاوزات والانتهاكات التي قد تطاله من خلال عمل السلطة التشريعية مقصودةً كانت ام بغير قصد، وانسجاماً مع موقفي السابق - لا بل مع قناعتي الراسخة - من القرارين الصادرين بنتيجة الطعن بقانون بالقانون رقم 2024/324 المتعلّق بالموازنة العامة للعام 2024 (القرار رقم 2024/3 تاريخ 4/2024/4) والموازنة العامة للعام 2022 (القرار رقم 2023/1 تاريخ 2023/1/5)، حيث كنت قد خالفت أيضاً رأي الأكثرية لجهة عدم جواز إقرار الموازنة العامة قبل اقرار قانون قطع الحساب بما يشكل انتهاكاً لأحكام المادة 87 من الدستور، فانّي أخالف رأي الأكثرية لناحية النتيجة التي توصلت اليها، عملاً بأحكام المادة 12 من قانون المجلس الدستوري رقم 250 تاريخ 1993/7/14 والمادة 36 من نظامه الداخلي، لكلّ ما سبق ذكره وتحديداً للسبب التالي:
- في مخالفة القانون المطعون فيه للمادة 87 من الدستور لجهة وجوب إقرار قانون قطع الحساب قبل إقرار الموازنة:
حيث إنّ الفقرة (ج) من الدستور حدّدت نظام الحكم في لبنان على أنّه "جمهورية ديمقراطية برلمانية"، وحيث إنّه في الأنظمة الديمقراطية البرلمانية، تعتبر الرقابة التي يجريها البرلمان على الموازنة العامة وعلى تنفيذها من قبل الحكومة، من أهمّ الوظائف التي أنيطت به الى جانب الوظيفة الرئيسية المتمثّلة بالتشريع، لا سيما وقد نشأت البرلمانات في الأصل على خلفية فكرة الرقابة الضريبية،
وحيث إنّ قانون الموازنة العامة يتمتّع بطابع القانون الأساسي وفقاً لأحكام الفقرة (5) من المادة 65 والتي أوردت الموازنة العامة للدولة من ضمن المواضيع الأساسية، ما يشير الى أهميّته القصوى بحيث أنّ وجود الدولة مرتبط ارتباطاً عضوياً بماليتها وبانتظام تلك المالية وصدقيتها وشفافيتها، وهو يعبّر من ناحية عن سياسة الحكومة العامة، ومن ناحية أخرى، يشكّل الصك الأساسي الذي يجيز للحكومة سنوياً الجباية والانفاق ويتيح للبرلمان وللجهات الرقابية القضائية كديوان المحاسبة، اجراء الرقابة على مداخيل الدولة ونفقاتها،
وحيث إنّ الدستور اللبناني خصّص فصلاً كاملاً لمالية الدولة هو الفصل (ب) من الباب الرابع، تحت عنوان "في المالية" يشمل المواد 81 الى 89 منه، حدّد فيه مبادئ عامة ومهلاً صارمة وأصولاً مفصّلة ومحددة يتمّ بموجبها إقرار الموازنة العامة للدولة، بحيث تشكل تلك القواعد الدستورية الصريحة والواضحة إطاراً شاملاً متكاملاً يسهم في انتظام المالية العامة للدولة،
وحيث إنّ الدستور أناط بمجلس النواب، باعتباره ممثّلاً للسيادة الشعبية، هذه المهمّة الفائقة الأهمية المتجسّدة بالحفاظ على انتظام المالية العامة، فيقوم برقابة لاحقة على تنفيذ الموازنة للسنة المنصرمة بعد اطلاعه على قطع الحساب المتضمّن الحسابات النهائية للإدارة العامة للسنة السابقة، فيوافق عليها بعد أن يكون ديوان المحاسبة قد دقّقها، وذلك قبل إقرار قانون الموازنة للسنة القادمة والذي يجيز بموجبه للحكومة الجباية والانفاق مجدّداً،
وحيث إنّ مبدأ السيادة الشعبية يفترض درجة عالية من الشفافية في عمل المجلس النيابي التشريعي والرقابي، لا سيما في ما يتعلّق بالمال العام، إذ أنّه من أبسط قواعد الموازنة الوضوح والعدالة في الجباية والانفاق بالاستناد الى بيانات حسابية دقيقة، شفافة وواضحة لا تظهر للمجلس النيابي الا من خلال قطع الحساب مدقّق،
وحيث أننا في زمن يعاني فيه الاقتصاد الوطني من انكماش حاد وركود، وتتعرض المالية العامة لأزمة بنيوية، ما يحتّم أن يتمّ وضع قانون الموازنة العامة وإقراره وفقاً لقواعد الصدقية والشفافية والوضوح في الرؤيا الاقتصادية وأن ينطلق من بيانات حسابية مدقّقة وسليمة،
وحيث إنّ قطع الحساب والموازنة العامة، وإن كانا يُقرّان بموجب قانونين منفصلين من الناحية الشكلية، إنما هما متلازمان ومتكاملان من حيث التراتبية والمضمون، حيث إنّه لا يجوز إقرار الموازنة العامة للسنة القادمة من دون
الاستناد الى البيانات المالية الواردة في قطع الحساب للسنة السابقة. وقد سبق للمجلس الدستوري أن ركّز على أهمية قانون قطع الحساب عبر اجتهاد مستقر، فجاء في قراره رقم 2017/5، تاريخ 2017/9/22 ما حرفيته : "بما أنّ انتظام مالية الدولة العامة، وخضوع السلطة الاجرائية لرقابة السلطة الاشتراعية في مجال الجباية والانفاق، يقتضي معرفة حقيقية للواردات والنفقات عن طريق قطع الحساب"،
وحيث إنّ مبدأ تسلسل قانوني قطع الحساب والموازنة وتلازمهما هو مبدأ دستوري، يُستدلّ عليه من صراحة أحكام المادة 87 من الدستور التي نصّت على أن «حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة وسيوضع قانون خاص لتشكيل ديوان المحاسبة» ، فاستعمال فعل "يجب" في المادة 87 المذكورة يشير الى الزامية إقرار قانون قطع الحساب، كما أنّ المشترع الدستوري حرص في هذا النص على أولوية الموافقة على حسابات الأدارة النهائية "قبل" نشر موازنة السنة الثانية، وربط بين هذين القانونين، ما يشير إلى أنّ أحكام المادتين 86 و87 متلازمة ولا يجوز الفصل بينهما في ضوء صراحة النص. كما أنّه لا يجوز اقرار الموازنة ونشرها من دون أن يسبقها الموافقة على قطع الحساب. وهذا ما أشارت إليه أيضاً المادة 15 من قانون المحاسبة العمومية (مرسوم رقم 14969 تاريخ 1963/12/30)، الذي يعتبر بمثابة القانون العضوي المتمّم للدستور، والتي نصت على ما يلي:
«تقدّر واردات السنة الجديدة استناداً إلى العنصرين التاليين:
أ- تحصيلات السنة الأخيرة التي أنجز مشروع قطع حسابها.
ب- تحصيلات الأشهر المنصرمة من السنة الجارية.
ولوزير المالية أن يعدل التقدير على أساس أوضاع يعتمدها، على أن يبرر أسبابها.»
وحيث إنّ هذا الترتيب التسلسلي والتلازم بين قطع الحساب والقوانين المالية (المتضمّنة قانون الموازنة)، يشار اليه في فرنسا بمبدأ "التسلسل ( أو الترابط ) الفاضل «le principe de chainage vertueux » بحيث يقتضي أن يقدّم مشروع قانون قطع الحسابات loi de reglement قبل الأول من آب، ويتمّ فحصه في القراءة الأولى من قبل البرلمان قبل التصويت على مشروع قانون المالية للعام التالي، كي يتسنّى للبرلمان مراقبة نتائج تنفيذ الموازنة العائدة للعام المنصرم قبل الشروع في مناقشة الاعتمادات والأهداف المقترحة للسنة المقبلة،
وحيث إنّ مجلس النواب، بتخلّفه عن إقرار قانون قطع الحساب قبل إقرار قانون الموازنة العامة، يكون قد تقاعس عن القيام بإحدى أهمّ الوظائف التي أناطها به الدستور والتي يستمدّها من السيادة الشعبية، وهي الرقابة على أداء الحكومة وعلى انفاقها للمال العام، بغية إبراء ذمتها للسنة المنصرمة من خلال قطع الحساب المدقّق، وهو ابراء يجب أن يسبق الموافقة على مشروع الموازنة العامة المقدّم من الحكومة والذي يجب أن يكون مرتكز بدوره الى
قطع الحساب المدقّق من ديوان المحاسبة، الذي أوجده الدستور كهيئة قضائية رقابية لهذه الغاية بالذات (المادة 87 من الدستور)،
وحيث إنّ التمادي في الامتناع عن إقرار قانون قطع الحساب قبل إقرار الموازنة العامة وفق الترتيب التسلسلي الالزامي الذي نصّت عليه المادة 87 من الدستور، على الرغم مما ورد في قرارات المجلس الدستوري السابقة من ايعاز بالخروج بأسرع وقت من "الحالة الشاذة " المتمثّلة بعدم إقرار قانون قطع الحساب على مدى سنوات طويلة، يشكّل تجاوزاً لأحكام نص دستوري (المادة 87 من الدستور) وتجاوزاً لمبدأ دستوري حذّر منه ونبّه إليه المجلس الدستوري في عدة قرارات سابقة ، ما يؤدّي إلى تطبيع مخالفة فادحة للدستور يرتكبها المجلس النيابي غير آبه بتحذيرات المجلس الدستوري وتوصياته، ما يشكّل خرقاً متمادياً للدستور وتجاوزاً لقوة القضية المحكمة لقرارات المجلس الدستوري، إضافةً الى أنّه خرق للانتظام المالي العام المالي الذي كرّسه الدستور في أحكام صريحة ومتلازمة في ما بينها يقتضي التقيّد بها، فتتحوّل هذه الحالة الشاذة سنة بعد سنة الى قاعدة وتضحى توصيات المجلس الدستوري الى مجرد رأي استشاري غير ملزم فيما قرارات المجلس هي قرارات مبرمة وملزمة للسلطات العامة كافة، وبالتالي يقتضي على السلطتين التشريعية والتنفيذية التقيّد بها لِزاماً في إطار دولة القانون.
لجميع هذه الأسباب،
أسجّل هذه المخالفة إذ أرى أنّ قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2026 المطعون فيه مخالفاً للمادة 87 من الدستور، ما يستوجب ابطاله برمّته، خلافاً للنتيجة التي انتهى اليها قرار الأكثرية.
عضو المجلس الدستوري
ميراي أميل نجم
مخالفة عضو المجلس الدستوري القاضي الياس مشرقاني
المراجعتان: 4 و2026/5
القانون المطعون فيه: 40 تاريخ 2026/2/10 (قانون الموازنة العامة لعام 2026)
حيث أنّ طبيعة المراجعات أمام المجلس الدستوري تفرض عليه عدم التقيّد في النظر بالنصوص القانونية المطعون في دستوريتها وحسب، إنما التصدي للقانون برمّته وبالتالي ممارسة الرقابة الدستورية الشاملة عليه،
وحيث أنّ مراجعة الطعن بدستورية القانون ليست مراجعة شخصية بل أنها تتعلق بالإنتظام العام الدستوري المرتبط بكل قانون يصار إلى إقراره وإصداره، فيكون من واجب المجلس الدستوري أن يضع يده عفواً على كلّ مخالفة لأحكام الدستور بدون أن يتقيّد بمطالب الطاعنين حصراً،
(قرار المجلس الدستوري رقم 2019/23 تاريخ 2019/9/12)
وحيث أنّ الرقابة الدستورية لا تقتصر على الأسباب المثارة بوجه المادة أو المواد المطعون بدستوريتها، إنما يشرّع المجال أمام المجلس الدستوري لبناء قراره على أسباب مختلفة لم يتبنّاها الطعنون في مراجعتهم،
وحيث أنّ المقصود بالدستور هو معناه الواسع أي ليس النصّ المكتوب فحسب بل أيضاً مجموعة القواعد والمبادئ التي لها قيمة دستورية والتي تشكّل مجتمعةً ما يعرف بالكتلة الدستورية،
(Bloc de constitutionnalité)
وحيث أنّ المجلس تصدّى في قراره لما جاء في مراجعة الطعن حول مخالفة المادة 87 من الدستور وذلك على خلاف محملها،
لذلك، يقتضي مخالفة قرار الأكثرية إستناداً على ما يلي:
في عدم دستورية قانون موازنة العام 2026 لمخالفته أحكام المادة /87/ من الدستور
حيث أنّ الهدف الأساس لنشوء المجالس النيابية في الديمقراطيات العريقة هو الحصول على موافقة ممثلي الشعب على أسباب وكيفية فرض وجباية الدولة للضرائب والرسوم وكذلك تحديد حدود وآليات وأبواب وطرق الإنفاق العام، بحيث أصبح لا يجوز أن تتم جباية ضرائب أو رسوم، ولا أن يجري إنفاق أي من تلك الأموال أو من غيرها إلاّ بإجازة من المجلس النيابي الذي هو ممثل الشعب.
وفي المنحى ذاته، نصّ الدستور اللبناني، ثمّ قانون المحاسبة العمومية، على أحكام تنظّم كيفية إعداد الموازنة العامة ومناقشتها وإقرارها في المجلس النيابي، وأيضاً على أصول الرقابة على تنفيذها. كذلك "لحظ النص الدستوري مسألة إقرار المجلس النيابي لقطوع حساب الموازنات العامة للسنوات المنتهية، كما لحظ الأحكام والظروف المحددة بدقة التي تجيز إصدار الموازنة بمرسوم من قبل مجلس الوزراء إذا تلكّأ مجلس النواب عن إقرارها."
(الرئيس فؤاد السنيورة، "المالية العامة للدولة بين التسييس والتضليل"، الطبعة الأولى، سنة 2022، صفحة 43)
وحيث أنّ قطع الحساب هو كشف الحساب الذي تتقدم به الحكومة الى مجلس النواب لإقراره، والذي تبيّن فيه المبالغ التي أجاز المجلس النيابي للحكومة إنفاقها في قانون الموازنة لسنة معيّنة، مضافاً إليها الإعتمادات الأخرى التي تكون قد أقرّت، وذلك بالمقارنة مع المبالغ التي أنفقتها الحكومة فعلا" من حساب الموازنة.
وبالتالي، يكشف قطع الحساب الفروق الحاصلة زيادة أو نقصاناً ويبيّن السند الذي ارتكزت عليه الحكومة في ذلك. ويبيّن هذا الحساب أيضاً الإيرادات التي تمّت جبايتها بالمقارنة مع ما كان مقدّراً جبايته من قبل الحكومة، كما هو مبيّن في قانون الموازنة الذي أقرّه مجلس النواب.
وحيث أنّه، على أساس ذلك، يتحدد العجز أو الفائض الفعلي المحقق في حساب الموازنة خلال سنة معيّنة.
وحيث أنّ قطع الحساب هذا يجري إقراره سنوياً عن السنة التي تسبق سنة إعداد الموازنة، أي بتأخير سنة واحدة، وذلك كي تستطيع وزارة المال إقفال حسابات موازنة السنة المنتهية.
وحيث أنّ المادة 87 من الدستور صريحة لهذه الجهة إذ نصّت على أنّه يجب أن تعرض حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة على مجلس النواب ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة.
وحيث أنّ حسابات الدخول لأي سنة مالية هي ذاتها الأرصدة الختامية للحسابات العائدة لنهاية السنة المالية السابقة كما يظهر في قطع حساب الموازنة وأيضاً في حساب المهمة لتلك السنة، كلّ في ما يخصّه.
وحيث أنّ ذلك يعني أنّ تحديد القيود الإفتتاحية لأي سنة يفترض وجود الحسابات الختامية للسنة السابقة مع مستنداتها الكاملة، ما يتطلّب حكماً العودة الى جميع الحسابات.
وحيث أنّ القرار موضوع المخالفة يشدد على مدى أهميّة قطع الحساب لكنّه يعتبر أنّ قطع الحساب اعتمد لأجل الموازنة وليس العكس، وأنّ الدستور أولى الموازنة أهمية إستثنائية بوحيث لا يجوز للحالة الشاذة المتمثلة بغياب قطع الحساب لسنوات عدّة أن تحول دون إقرار الموازنة العامة للعام 2026 وخلصت الأكثرية إلى عدم إبطال القانون المطعون فيه لهذه العلّة.
وحيث أنّه من غير الجائز استمرار الحالة الشاذّة، التي هي في الحقيقة مخالفة دستورية موصوفة، وعدم سبق الموازنة بإقرار قطع الحساب ردحاً من الزمن بات لا ينتهي إلى درجة أنّ الشواذ أمسى القاعدة، وأصبحت مراعاة الظروف شمّاعة يعلّق عليها للإحجام عن تنظيم قطوع الحسابات وإقرارها.
وحيث أنّ المجلس الدستوري مؤتمن على مراقبة احترام القانون لأحكام الدستور، فلا يسعه أن يستنبط الأعذار والمبررات و يجترح المهل الإضافية التي تتيح للمجلس النيابي تجاوز النصوص الدستورية الآمرة كنصّ المادة 87 من الدستور اللبناني.
وحيث أنّ إجتهاد المجلس الدستوري يعتبر في قراره رقم 2018/2 أنّ قطع الحساب يعبّر عن واقع تنفيذ الموازنة وتحديداً أرقام الواردات والنفقات والتوازن في ما بينهما، ويعكس مدى الإلتزام بخطّة عمل السنة المنصرمة، ويمكّن البرلمان من اتخاذ قرارات مبنيّة على معلومات حقيقية عند إقرار الموازنة أو تعديلها وفقاً لمعطيات مالية وإقتصادية واكتشاف مكامن الخطر في المالية العامة، وإتخاذ التدابير التصحيحية في الوقت المناسب.
وحيث أنّ إنجاز الحسابات المالية يتيح لهيئات الرقابة القضائية، وبشكل خاص ديوان المحاسبة، تدقيق أوضاع المالية العامة، كما يمكّن السلطة الإشتراعية من القيام بوظيفتها الرقابية في الشق المالي من خلال مراقبة الحكومة ومحاسبتها.
وحيث أنّه وفقاً للدستور تجري مناقشة وإقرار الحسابات المالية للسنة المنصرمة في مجلس النواب قبل نشر موازنة السنة اللاحقة.
وحيث أنّ المادة /118/ من النظام الداخلي لمجلس النواب تنصّ على أن يصدّق المجلس أولاً على قانون قطع الحساب ثم على موازنة النفقات وبعدها على قانون الموازنة وفي النهاية على موازنة الواردات.
وحيث أنّه على الحكومة أن تحيل قطع الحساب على المجلس النيابي في نهاية كل سنة ليوافق عليه ويبرئ ذمّتها.
وحيث أنّ قطع الحساب هو الأداة الأساسية لإجراء التدقيق في الحسابات العامة وفي تنفيذ الموازنة ولإتمام المراقبة والإشراف على حسن استخدام السلطة التنفيذية للأموال العمومية.
وحيث أنّ إقرار الموازنة بدون قطع حساب يعطل الرقابة المالية المناطة بموجب الدستور بالسلطتين الإشتراعية والقضائية، وينتهك مبدأ فصل السلطات، ويحوّل السلطة الإشتراعية إلى أداة بيد السلطة التنفيذية فتصبح عاجزة عن ممارسة دورها في الرقابة الجدّية والمجدية.
وحيث أنّ غياب قطع الحساب يؤدي إلى غياب الشفافية في جباية المال العام وإنفاقه، وبالتالي التشكيك في صدقية الموازنة العامة وسلامة تنفيذها، كما يؤدي إلى فتح الباب واسعاً أمام تفشّي الفساد واستشرائه.
وحيث أنّ الحكومات المتعاقبة تقاعست عن وضع قطع الحساب السنوي وفقاً لما نصّ عليه الدستور كما تقاعست عن وضع موازنات عامة سنوية، يقابلها تراخي مجلس النواب في القيام بدوره الأساسي لناحية إلزام الحكومة بوضع قطع الحساب السنوي، وتخلّيا معاً عن الإضطلاع بالصلاحيات التي ناطها بهما الدستور، فألحقا ضرراً فادحاً بالمصلحة الوطنية العليا.
وحيث أنّ الإستمرار في تغييب قطع الحساب يشكّل إنتهاكاً فاضحاً للدستور.
وحيث أنّ المجلس الدستوري في قراره رقم 2018/2 الآنف ذكره سبق أن نبّه إلى ضرورة أن يجري "سريعاً وبدون تباطؤ" وضع قطع الحساب وفق القواعد التي أملاها الدستور وقانون المحاسبة العمومية لكي تعود المالية العامة إلى الإنتظام، "ولوضع حدٍّ لتسبيب المال العام"، وضبط الواردات والنفقات وتقليص العجز في الموازنة العامة"، وممارسة رقابة فعلية وفاعلة على تنفيذ الموازنة.
وحيث أنّ عبارة "سريعاً وبدون تباطؤ" لا يمكن أن تستمرّ المخالفة تحت ستارها لسنوات عدة لا حدّ لها ولا أفق، خاصة أنّ المخالفة تلك امتدت على مدى موازنات متعددة ومتتالية بدون أن يحرّك المجلس النيابي الركود الضارب بعملية إنجاز قطع الحساب المطلوب بإلحاح.
وحيث أنّه ليس ثمة ما يبشّر بعدم جعل الإستثناء قاعدة لا بل عرفاً، كما سبق أن أشرنا، فندخل في المحظور الأكثر خطورة على الوضع الدستوري.
وحيث أنّ السلطة الإشتراعية ليست سيّدة نفسها إلاّ بقدر ما تلتزم أحكام الدستور، ومن هنا ضرورة ممارسة الرقابة عليها من القضاء الدستوري.
«La loi est l'expression de la volonté générale était le discours produit et légitimant à la fois, le pouvoir législatif des seuls représentants de la Nation, du Parlement seul. La loi n'exprime la volonté générale que dans le respect de la constitution est aujourd'hui le discours produit et légitimant à la fois le pouvoir du Conseil de participer à la formation de la loi en vérifiant qu'elle respecte les règles constitutionnelles.»
(Droit du Contentieux Constitutionnel, 4ème éd. Dominique Rousseau, pp. 409-410)
وحيث أنّ المادة /13/ من قانون إنشاء المجلس الدستوري نصّت على تمتّع القرارات الصادرة عنه بقوة القضية المقضية وعلى أنها ملزمة لجميع السلطات والمراجع وهي غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن.
وحيث أنّه لا يسع مجلس النواب التمادي في تجاهل قرارات المجلس الدستوري الملزمة والتي تساهم مساهمة أساسية في صناعة سليمة لقانونٍ يراعي أحكام الدستور.
وحيث أنّه، وللأسف، فإنّ "خرق الدساتير تقوم به الأطراف التي يناط بها تطبيق الدستور والتي تمتلك صلاحيات دستورية".
وحيث أنّ البند ثانياً من القانون رقم 2019/143 الصادر حيثدة وحيدة (الذي شكّل إستثناءاً بمعرض نشر موازنة العام 2019) حدّد للحكومة مدة ستة أشهر لإنجاز الحسابات المالية النهائية والمدقّقة بدون أن تنجز أي مهمة من هذا القبيل منذ نيّف وسبع سنوات.
وحيث أنّ المجلس الدستوري دأب في عدد من قراراته على اعتماد "أوضاع سياسية ومالية واقتصادية صعبة" مشفوعة "بانتشار وبائي" بدون أن يبيّن الترابط المباشر والوثيق بين تلك الأوضاع وبين الإمتناع عن إعداد قطع الحساب وإقراره، لا سيما أنّ إغفال موجب إقراره نشأ قبل الأوضاع التي شكا منها المجلس ولم يستقرّ الى طبيعته بعد زوال تلك الأوضاع كما أنّ حالة الإغفال استمرّت حتى اليوم بدون مبرّر مقبول.
وحيث أنّ الأوضاع المعوّل عليها كحالات استثنائية، سمحت لا بل سَهُلَ معها إقرار قانون الموازنة وقوانين أخرى شتّى ما عدا العمل على ولادة قطع الحساب وإقراره، الأمر الذي ينزع عن تلك الأوضاع والحالات جدّيتها وصوابها وصدقيتها ويؤكد وجوب عدم الأخذ بها في مقابل نصّ المادة /87/ من الدستور الصريح والملزم.
وحيث أنّه من غير الجائز بعد، أن تنطوي قرارات المجلس الدستوري المتعاقبة على تساهلٍ إزاء الخرق البرلماني للدستور، بل ينبغي أن تبني الحصن المنيع بوجه أي تجاوز للنص الدستوري الواضح والصريح وبدون الإكتراث لأي ذريعة أو حجّة.
وحيث أنّ المادة /87/ من الدستور نصت صراحة وبكل وضوح على "أن حسابات الإدارة المالية النهائية لكلّ سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة".
وحيث أنّ المهمة الأساسية للمجلس الدستوري هي مراقبة دستورية القوانين وبالتالي يكون هو حامي الدستور.
وحيث أنّه لا يعوّل على القول بالمصلحة العامة في معرض النص الدستوري الصريح والواضح والقاطع والملزم.
وحيث أنّ الإجتهاد الدستوري جعل من المصلحة العامة مبدأً ثانوياً ومكمّلاً secondaire et complementaire في غياب النص، بمعنى أنّه لا يؤخذ بها مع وجود النص الصريح.
(تراجع مخالفة نائب رئيس المجلس الدستوري القاضي طارق زيادة وهي جزء لا يتجزأ من القرار رقم 2018/2) وحيث أنّه ليس ثمة ظرف مقبول يبرّر الإمتناع عن وضع قطع الحساب عاماً بعد عام وهو مفروض وجوباً.
وحيث أنّ المجلس الدستوري الفرنسي اعتمد موقفاً متشدداً عندما أعلن عدم دستورية موازنة العام 1980 بسبب مخالفة البرلمان الأصول التشريع (1979 CC 79-110 DC du 24 decembre)، وكانت المخالفة أنّ البرلمان إنتقل إلى مناقشة الباب الثاني من الموازنة قبل التصويت على الباب الأوّل مخالفاً الأصول المنصوص عليها في المادة /40/ من القرار التنظيمي (Ordonnance) الصادر في 2 كانون الثاني 1959، فكم بالحري متى كانت المخالفة جوهريّة وجسيمة وبالحجم العارم والمتكرّر إبّانَ نشر كل موازنة سنويّة.
وحيث أنّه من مهام المجلس الدستوري، عملا" بالمادة 18 من قانون إنشائه، مراقبة دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون، وبالتالي "السهر على حماية أحكام الدستور"، لذا، إذا اعتبر المجلس أنّ النص موضوع المراجعة غير دستوري و مشوب بعيب كلياً أو جزئياً، فعليه أن يقضي سنداً للمادة 22 من قانون إنشائه، بإبطاله كلياً أو جزئياً بقرار معلل يرسم حدود البطلان.
LOUIS FAVOREAU et LOIC PHILIP : Les grandes décisions du conseil constitutionnel. Dalloz 1991 p.295 no 9 :
« ... Le conseil constitutionnel ... est chargé de dire le droit, de veiller au respect des règles constitutionnelles dans les limites et les conditions fixées par la constitution ...
Il se borne à constater qu'il ne peut être porté atteinte à ce droit ou à cette liberté par la voie législative ordinaire ... »
وحيث أنّ قطع الحساب، كما سبق أن أشرنا، هو بيان محوري لتنفيذ النفقات والواردات العمومية الفعلية للسنة المنصرمة وهو يستوجب مراعاة مبدأ "صدق الموازنة" sincerite du budget في نفقاتها ووارداتها، وحسن تقديرها، وذلك كي لا تأتي الموازنة موازنةً وهمية.
JEAN LUC ALBERT : Finances publiques, Editions Dalloz 2019. Page 46. No 488 : « Mais le budget, étant un acte de prévision, la sincérité ici requise est une sincérité subjective, ainsi que le précisent à la fois l'article 32 de la loi organique du 1er Août 2001 relative aux lois de finances, qui indique que la sincérité des lois de finances s'apprécie compte tenu des informations disponibles et des précisions qui peuvent raisonnablement en découler, et le conseil constitutionnel, qui estime qu'ici la sincérité se caractérise par l'absence d'intention de fausser les grandes lignes de l'équilibre déterminé par les lois de finances. »
لذا، يقتضي ابطال قانون موازنة العام 2026 رقم 40 كلياً لمخالفته احكام المادة 87 من الدستور. بناءً على ما تقدّم أخالف رأي الأكثرية.
في /2026/3 القاضي المخالف الياس مشرقاني