دليل اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني🔍 الأداة التفاعلية للبحث في القرارات
الرقابة الدستورية

قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم ١/٢٠٠٥

الرقابة على دستورية القوانين · ٢٠٠٥/٨/٦

قرارٌ صادر عن المجلس الدستوري اللبناني رقم ١/٢٠٠٥ بتاريخ ٢٠٠٥/٨/٦ في مراجعة دستورية القانون رقم ٦٧٩/٢٠٠٥، انتهى فيه المجلس إلى إبطال كلّي.

التصنيف
الرقابة على دستورية القوانين
التاريخ
٢٠٠٥/٨/٦
رقم القرار
١/٢٠٠٥
القانون المطعون فيه
رقم ٦٧٩/٢٠٠٥
الجهة المستدعية
النواب
المآل
إبطال كلّي

القانون المطعون فيه

القانون رقم 679 تاريخ 19 تموز 2005 المتعلق بتأجيل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري والمنشور في الجريدة الرسمية ملحق العدد 30 تاريخ 20 تموز 2005.

المبادئ الدستورية التي أعملها المجلس في هذا القرار (٥)

  1. الفصل بين السلطات وتوازنهاسند

    «يقرر المجلس ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه واجب الابطال كليا لمخالفته مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، وهو مبدأ دستوري مكرس نصيا في مقدمة الدستور»

  2. وضوح التشريعسند

    «يرى المجلس ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه غير واضح وغير قابل للفقه»

  3. استقلال القضاءمؤيِّد

    «وبما أن المجلس يرى ايضا في هذا السياق ان نص الدستور في المادة ٢٠ منه على استقلال القضاة في اجراء وظيفتهم انما يحصن السلطة القضائية الدستورية المستقلة ضد اي فراغ»

  4. السيادة الشعبية وحق الانتخابمؤيِّد

    «استخراج التعبير الأمثل والأدق والأصح والأصدق عن إرادة الشعب الذي هو مصدر السلطات وصاحب السيادة في نظامنا السياسي»

  5. الانحراف التشريعيمؤيِّد

    «لا يذهب مذهب الانحراف التشريعي detournement de pouvoir بل الانحراف الاجرائي Detournement de procedure»

المواد الدستورية المستنَد إليها

المادة ١٦ (السلطة المشترعة)المادة ١٩ (المجلس الدستوري)المادة ٢٠ (السلطة القضائية)المادة ٣٠المادة ٣٣المادة ٦٤المادة ٦٩ (استقالة الحكومة)

نصّ القرار

قرار رقم ٢٠٠٥/١ تاريخ ٢٠٠٥/٨/٦

طلب تعليق وابطال القانون رقم ٦٧٩ تاريخ ١٩ تموز ٢٠٠٥ : تأجيل النظر بالمراجعات أمام المجلس الدستوري

نتيجة القرار

حفظ اختصاص المجلس الدستوري للنظر في مراجعة

الابطال

ابطال القانون ابطالاً كلياً لمخالفته الدستور والمبادئ

الدستورية المكرّسة فيه او المعتمدة من ضمن الكتلة

الدستورية

المواد المسند اليها القرار

الفقرة (ه)، (ج) من مقدمة الدستور

المواد ١٩ (٢)، ٢٠، من الدستور

المادة ٤ من نظام المجلس الدستوري

الأفكار الرئيسية

اختصاص المجلس الدستوري يرتقي إلى المرتبة الدستورية

السلطة الدستورية المحفوظ لها اختصاصها في الدستور

يستحيل المسّ بها بقانون عادي Competence d'attribution constitutionnelle

ان القانون لا يمثل الارادة العامة الا بقدر توافقه وأحكام

الدستور

المجلس الدستوري سلطة دستورية مختلفة ومستقلة عن

مجلس النواب وعن مجلس الوزراء وعن السلطة

القضائية

للمجلس الدستوري كياناً دستورياً مستقلاً واختصاصاً دستورياً محدداً وان تمتع بالصفة القضائية

مبدأ استمرارية السلطات الدستورية مبدأ ذو قيمة دستورية مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها هو مبدأ دستوري مكرّس نصيّاً في مقدمة الدستور عدم وضوح النص التشريعي وعدم فقهه يؤديان الى ابطاله عند تجاوزه حداً مفرطاً يبدّدان معناه حق رئيس مجلس الوزراء المستقيل بالطعن بالقانون لا يدخل في المفهوم الضيق لتصريف الاعمال، لأنّه عمل انشائي بامتياز وليس عمل اجرائي التمييز بين الانحراف التشريعي والانحراف الاجرائي Détournement de pouvoir et détournement de procédure

الخطأ الفاضح في التقدير يؤدي الى اعتبار القانون نصّاً عديم الوجود Loi inexistante

رقم المراجعة: ٢٠٠٥/١٢

المستدعون النواب السادة: غسان مخيبر، نعمة الله أبي نصر، وليد نجيب الخوري، يوسف خليل، اغوب بقرادونيان، ميشال عون، ابراهيم كنعان، فريد الخازن، الياس سكاف، عباس هاشم.

القانون المطلوب تعليقه وابطاله: القانون رقم ٦٧٩ تاريخ ١٩ تموز ٢٠٠٥ المتعلق بتأجيل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري والمنشور في الجريدة الرسمية ملحق العدد ٣٠ تاريخ ٢٠ تموز ٢٠٠٥

إن المجلس الدستوري

الملتئم في مقره في تاريخ ٢٠٠٥/٨/٦ برئاسة رئيسه امين نصار وحضور نائب الرئيس مصطفى العوجي والاعضاء: حسين حمدان، فوزي ابو مراد، سليم جريصاتي, سامي يونس، عفيف المقدم، مصطفى منصور، كبريال سرياني، وغياب العضو اميل بجاني بداعي السفر.

وعملا بالمادة ١٩ من الدستور،

وبعد الاطلاع على استدعاء الطعن وتقرير العضو المقرر تبين ان النواب المذكورين أعلاه تقدموا بتاريخ ٢٠٠٥/٧/٢٨ من المجلس الدستوري بمراجعة سجلت في القلم بالرقم ٢٠٠٥/١٢ يطلبون فيها:

اولا: اعتبار هيئة المجلس الدستوري الحالية هي صاحبة الاختصاص لبت هذه المراجعة.

ثانيا: اتخاذ القرار الفوري بتعليق مفعول النص المطعون فيه.

ثالثا: قبول المراجعة في الشكل، وفي الأساس ابطال القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه لعدم دستوريته، استنادا الى الاسباب الآتية:

السبب الاول: تعارض القانون المطعون فيه مع الفقرة الثانية من المادة ١٩ من الدستور ونصوص ذات طابع دستوري.

فلقد جاء في الفقرة الثانية من المادة ١٩ من الدستور اللبناني التي قضت بإنشاء المجلس الدستوري، ما يلي: "تحدد قواعد تنظيم المجلس والعمل به وكيفية تشكيله ومراجعته بموجب قانون".

وتطبيقا لهذا النص صدر اولا القانون رقم ١٩٩٣/٢٥٠ المعدل بالقانون رقم ٩٩/١٥٠ الذي انشأ فعلا المجلس الدستوري وحدد قواعد تنظيمه وكيفية تشكيله واصول مراجعته ومن ثم وفي الاطار عينه صدر قانون رقم ٢٠٠٠/٢٤٣ المتضمن النظام الداخلي للمجلس وقضى في المادة الرابعة على استمرار الأعضاء الذين انتهت ولايتهم في ممارسة اعمالهم الى حين تعيين بدلاء عنهم وحلفهم اليمين.

وقد ادلى المستدعون ان القانونين المشار اليهما هما بمثابة قانونين اساسيين او عضويين (Lois organiques) متلازمين مع الدستور بالذات ومرتبطين به كليا لانهما يتناولان في مضمونهما احكاما ونصوص ذات طابع دستوري ولا يجوز بالتالي تعديلها او الغاءها بموجب قانون عادي مثل القانون المطعون فيه بل بنصوص ذات طابع دستوري مثلها .

وتأسيسا على ذلك، يعتبر المستدعون القانون العادي المطعون فيه واقعا في غير موقعه الدستوري ومستوجبا الابطال.

السبب الثاني: القانون المطعون فيه يخرق مبدأ فصل السلطات.

بناء على المادة الأولى من القانون رقم ١٩٩٣/٢٥٠ المعدل بالقانون رقم ١٩٩٩/١٥٠، والتي نصت على ان المجلس الدستوري هو هيئة مستقلة ذات صفة قضائية وبالتالي فهو ضمن السلطة القضائية التي كفل الدستور في المادة ٢٠ منه استقلاليتها في مواجهة السلطتين الدستوريتين الآخرتين: التشريعية والتنفيذية.

وبموجب مبدأ الفصل هذا لا يجوز لأي سلطة دستورية ان تتدخل في سير عمل سلطة دستورية اخرى وان تمنعها من ممارسة مهامها بشكل منظم.

وان استقلال القضاء فضلا عن النص الدستوري الذي يكرسه، يعتبر مبدأ من المبادئ ذات القيمة الدستورية، وان القانون المطعون فيه وإن قضى بتأجيل النظر بالمراجعات ريثما يتم استكمال تعيين الهيئة الجديدة للمجلس الدستوري، فهو قد حرم الهيئة القضائية من النظر بالمراجعات، سواء كان ذلك لوقت محدد او غير محدد، فهو امر مرفوض دستوريا لأنه يقوض اركان الدولة عن طريق القضاء على احدى السلطات الدستورية الثلاث فيها: السلطة القضائية.

والعبرة هنا ليست في طاقة المجلس الدستوري على قبول المراجعات وحسب، وانما ايضا في قدرته على النظر فيها وبتها بصورة نهائية، وهذا ما حرّمه عليه القانون المطعون فيه فيكون هذا القانون واقعا في غير موقعه القانوني الدستوري ومستوجبا الأبطال.

السبب الثالث: مخالفة مبدأ استمرارية المرافق العامة.

اذا كان وجود هيئة معنوية ضروريا لحسن سير مرفق عام، فإنه ليس ما يحول دون استمرار هذه الهيئة في عملها رغم انتهاء اجل ولايتها وذلك تأمينا لمتطلبات المصلحة العامة والاستمرار بالرغم من عدم وجود نص صريح، فكيف الحال اذا كان هناك نص صريح بهذا المعنى مثل النص الوارد في المادة الرابعة من القانون رقم ٢٠٠٠/٢٤٣، وان القانون المطعون فيه بتعطيله لمرفق قضائي اساسي وهام، فإنه غير دستوري ومستوجب الإبطال.

السبب الرابع: إن القانون المطعون مشوب بالخطأ الساطع في التقدير.

إذا كان للسلطة التشريعية ان تعدل او تلغي اي قانون وفي اي وقت ودون ان ينازعها احد في ذلك، فإن ذلك لا يعني انه يجوز للسلطة التشريعية ان تخطئ عندما تمارس هذه السلطة حقها المذكور، فإن النص الجديد الذي يصدر عنها يجب ان لا يكون مسندا الى وقائع غير صحيحية ولا الى اسباب قانونية خاطئة ولا الى خطأ ساطع في التقدير وان لا يكون مشوبا بالانحراف في استعمال السلطة detournement de pouvoir لأنها تكون في ذلك قد "فرضت على البلاد والعباد تشريعا سلطويا فاسدا يعطل المصلحة العامة بدلا من ان يسيرها على نحو حسن ومنتظم، ولا يكون تاليا بدَّ من إبطاله"، ومتى تحول انحراف من هذا النوع في استعمال السلطة الى درجة من الخطورة تؤدي الى تعطيل مرفق عام دستوري هام وحيوي - كالمجلس الدستوري - فإنه يشكل عندئذ بالتأكيد خطأ فاضحا او ساطعا في التقدير، ومن واجب المجلس الدستوري من خلال رقابته على العمل التشريعي بمعرض مراجعة قدمت اليه ان يبطل النص المخالف، كما هي الحال في القانون المطعون فيه، الأمر الذي يستوجب ابطاله.

بناء على ما تقدم

أولا- في مسألة اختصاص المجلس الدستوري في إعمال رقابته على القانون المطعون فيه:

بما انه يجب بادئ ذي بدء، قبل التطرق إلى قبول المراجعة الحاضرة او عدم قبولها في الشكل او في الأساس، البت بالمسألة الاعتراضية Question prealable المتمثلة باختصاص المجلس الدستوري للنظر في دستورية القانون المطعون فيه رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ والذي ينص في مادته الوحيدة (الفقرة الأولى) على ان "يؤجل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله"، مما يفيد أن المشرع حجب عن المجلس الدستوري، الى حين تحقق اجل ان شرط غير مفهوم او غير مفقوه، ممارسة اختصاصه بالنظر بالمراجعات الواردة اليه، ومراجعة الإبطال هذه بالذات وعلى الأخص منها،

وبما ان المادة ١٩ من الدستور، التي ادخلت في صلبه بالقانون الدستوري رقم ١٨ تاريخ ١٩٩٠/٩/٢١٠ اخذا عن وثيقة الوفاق الوطني، وقد نصت على إنشاء مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية"، وحددت المراجع التي يحق لها التقدم من المجلس الدستوري بالمراجعات المتعلقة بمراقبة دستورية القوانين، وتركت للمشرع مواضيع محددة في فقرتها الثانية بالأمور التالية: "وضع قواعد تنظيم المجلس واصول العمل فيه وكيفية تشكيله ومراجعته"، وقد تم ذلك بالفعل بموجب قانوني إنشاء المجلس الدستوري ونظامه الداخلي، مما ادى الى إلغاء المادة ٣٠ من الدستور حكما التي كانت تنص على أن "للنواب وحدهم الحق بالفصل في صحة نيابتهم ولا يجوز إبطال انتخاب نائب ما إلا بغالبية الثلثين من مجموع الأعضاء"، وقد تم هذا الإلغاء الحكمي فور إنشاء المجلس الدستوري ووضع القانون المتعلق به موضع التنفيذ، وذلك بموجب فقرة مضافة الى المادة ٣٠ المذكورة بالقانون الدستوري رقم ٩٠/١٨، فتوحدت المرجعية الدستورية بشأن النظر بالطعون النيابية،

وبما ان لا مرجعية دستورية اخرى او سواها ناط بها الدستور اختصاص مراقبة دستورية القوانين، فضلا عن انه من المسلم به فقها واجتهادا ومنطقا انه من غير المقبول ان

يناط بالسلطة التي اصدرت عملا غير قانوني امر مراقبة سلامته وإلغائه عند الاقتضاء، كما "ان المشرّع الذي تجري ازاءه الرقابة الدستورية على اعماله لا يستطيع هو بذاته ان يحمي نفسه من مغبة قاعدة دستورية قد وضعت بغية ردعه".

- ادمون رباط - نظرية دستورية القوانين ودورها في لبنان، الحياة النيابية، المجلد التاسع، كانون الأول ١٩٩٣، ص ٥١.

وبما ان اختصاص المجلس الدستوري والحال على ما سبق، انما هو اختصاص يرتقي إلى المرتبة الدستورية تبعا لإنشاء المجلس الدستوري وتحديد اختصاصه بموجب نص دستوري، مما يجعل منه سلطة دستورية اوردها المشرع الدستوري في الباب الثاني من الدستور تحت عنوان "السلطات"، وفي الفصل الأول منه تحت عنوان"أحكام عامة"، في عداد السلطات الدستورية كما يلي:

- السلطة المشترعة، التي تتولاها هيئة واحدة هي مجلس النواب (م ١٦).

- السلطة الإجرائية، التي تناط بمجلس الوزراء الذي يتولاها وفاقا لأحكام الدستور (م١٧).

- المجلس الدستوري، وقد ناط به الدستور مراقبة دستورية القوانين والبت بالنزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابة (م١٩).

- السلطة القضائية التي تتولاها المحاكم وفاقا لأحكام القانون الذي عليه ان يحفظ للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة بالشروط والحدود التي يعينها، مع حرص الدستور ان يذكر صراحة ان "القضاة مستقلون في اجراء وظيفتهم" (م٢٠).

وبما أن المجلس يرى ان سلطة دستورية pouvoir constitue محفوظ لها اختصاصها بشكل محدد صراحة في الدستور ذاته Competence d'attribution constitutionnelle يستحيل المس بهما بقانون عادي, بل فقط بقانون دستوري, اي النص التشريعي الذي يسلك مسلك تعديل الدستور كما هي منصوص عنها في الدستور ذاته,

وبما انه لا يرد على ذلك بان القانون المطعون فيه رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ انما يندرج صحيحا في اطار الفقرة الثانية من المادة ١٩ من الدستور التي تحيل إلى القانون العادي امر تحديد قواعد تنظيم المجلس الدستوري واصول العمل فيه وكيفية تشكيله ومراجعته, ذلك ان تأجيل النظر بالمراجعات الواردة امام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله (؟!) انما يمس في الصميم عمل المجلس الدستوري واختصاصه المحدد في الدستور, حيث لا تنفصل الممارسة عن المضمون، لأن الاختصاص انما ينتفي عند استحالة الممارسة ولو الى حين،

ولأن قواعد الاختصاص المعتمدة في مختلف القوانين، دستورية منها او العادية، انما هي قواعد اختصاص ايجابي، اي هادف الى تحقيق الغايات التي من اجلها أنشأت السلطة او المؤسسة صاحبة الاختصاص المذكور.

وبما ان المجلس، في معرض موقفه من مسألة الاختصاص هذه، لا بد له ان يلتفت الى جوانب هامة وجوهرية تحيط بهذه المسألة، وهي تتلخص في ان حفظ اختصاص المجلس الدستوري للنظر في القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه سوف يتأتى عنه اثر حاسم على موضوع المراجعة في الأساس، وان الفرصة المتاحة للمجلس الدستوري ثمينة لا بل نادرة كي يرتقي بموقفه من هذه المسألة إلى مراتب الغايات التي من اجلها انشأ المشرع الدستوري هذا المجلس، وهذا ما لم يتح الى سواه من المجالس او المحاكم الدستورية في القانون المقارن، كالمجلس الدستوري الفرنسي مثلا، حيث لم تطرح عليها اوضاع قانونية مشابهة تتعطل فيها ممارسة اختصاصها الى حين بموجب قانون عادي،

وبما أن المجلس يرى، في هذا الخصوص، ان اختاص المجلس الدستوري بوجه عام ليس اختصاصا محصنا فقط لأنه منصوص عنه في القانون الأسمى، اي الدستور، بل لأن المجلس الدستوري في ممارسته لاختصاص مراقبة دستورية القوانين التي تقع تحت يده او اختصاص البت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية، انما يساهم في شكل فاعل وحاسم، ضمن الآلية والقواعد والأصول التي ترعى كل اختصاص له، في استخراج التعبير الأمثل والأدق والأصح والأصدق عن إرادة الشعب الذي هو مصدر السلطات وصاحب السيادة في نظامنا السياسي، تلك السلطات والسيادة التي يمارسها عبر السلطات الدستورية على ما ورد كل ذلك في الفقرة "د" من مقدمة الدستور، والمجلس الدستوري واتحد من هذه السلطات الدستورية وقد انشأ لغايات دستورية Objectifs a valeur constitutionnelle يتوخى من ورائها تحصين ارادة الشعب المباشرة في اختيار ممثليه والتعبير عنها أصدق تعبير، كما وارادته غير المباشرة من خلال وكلاءه وممثليه، اي النواب، عن طريق مراقبة الانتخابات الرئاسية التي يجرونها كما ودستورية اعمالهم التشريعية، على الأقل عند وضع يد المجلس الدستوري عليها،

وبما ان المجلس يرى من ناحية اخرى ان مبدأ تعاون السلطات الدستورية، المكمل لفصلها وتوازنها، يبرر مثل هذه المساهمة ويفرضها على المجلس الدستوري في إظهار إرادة الشعب على حقيقتها كي ينتظم إنشاء السلطات وعملها على وجه صحيح وفاعل،

وبما ان المجلس يرى ايضا، وفي تأطير لما سبق في معرض المراجعة الحاضرة بشأن القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون في، وفي مقاربة متطورة وجائزة في ان للعمل التشريعي، المحصور إنشاءه واقراره وتقدير ملائمته بهيئة واحدة هي مجلس النواب عملا بالمادة ١٦ من الدستور، وبحدود عدم الوقوع في الانحراف التشريعي او الخطأ الفاضح، ان القانون لم يعد بحد ذاته العمل المعبر عن الإرادة العامة، اي ارادة الشعب، على ما كانت عليه القاعدة تقليديا، اذ ان هذه القاعدة اضحت، بفعل إنشاء المجلس الدستوري وفي ضوء غاية انشائه دستوريا ووممارسته الفعلية لاختصاصه، "ان القانون لا يمثل الارادة العامة الا بقدر توافقه واحكام الدستور"،وهي قاعدة نسبية في النظام اللبناني بسبب اقتصار مراقبة دستورية القوانين على تلك المحالة اصولا الى المجلس الدستوري ولا تأخذ مداها المطلق الا عند ورود المراجعة بهذا الشأن كما في حالتنا، بينما هي أكثر شمولية في النظام الفرنسي حيث أن مراقبة دستورية القوانين تجري بالمبدأ قبل نشرها وبصورة منهجية وآلية، سيما القوانين الأساسية منها:

« La loi est l'expression de la volonté générale était le discours produit et légitimant à la fois, le pouvoir législatif des seuls représentants de la Nation, du Parlement seul. 'La loi n'exprime la volonté générale que dans le respect de la constitution' est aujourd'hui le discours produit et légitimant à la fois le pouvoir du Conseil de participer à la formation de la loi en vérifiant qu'elle respecte les règles constitutionnelles. »

Droit du contentieux constitutionnel, 4ª éd., Dominique Rousseau, pp. 409-410.

وبما ان المجلس يرى انه في حال عدم اعمال رقابته على دستورية القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه انما يكون قد تمنع إحقاق الحق، وهذا ما لم يرتضه على نفسه يوما، فضلا عن ان عدم النظر في المراجعة شيء وعدم اصدار القرار فيه شيء آخر، طالما أن المادة ٢١ من القانون رقم ٩٣/٢٥٠ وتعديلاته (إنشاء المجلس الدستوري) تعتبر النص التشريعي موضوع مراجعة الإبطال مقبولا في حال لم يصدر المجلس الدستوري قراره بشأن المراجعة ضمن المهلة المحددة في متن المادة المذكورة، فلا يتعطل مفعول التشريع بحجة الرقابة عليه،

وبما انه سبق للمجلس الدستوري بهيئته الحاضرة، وبعد انتهاء ولاية خمسة من اعضائه، وعملا بما سبق، ان حفظ اختصاصه واصدر القرار رقم ٢٠٠٣/١ تاريخ ٢٠٠٣/١١/٢١ بشأن مراجعة ابطال القانون رقم ٥٤٩ تاريخ ٢٠٠٣/١٠/٢٠ (تصميم

وتمويل تطوير واعادة اعمار مصفتي طرابلس والزهراني وتشغيلهما)، كما تلقى الطعون النيابية بالعمليات الانتخابية الأخيرة وباشر باتخاذ الإجراءات الآيلة الى دراستها، مما يدل على انه لم يشكك يوما في تكوينه او ينكفئ عن ممارسة اختصاصه،

لذلك

وفي ضوء كل ما سبق

يقرر المجلس الدستوري انه هو صاحب الاختصاص للبت في مراجعة الإبطال الحاضرة.

ثانيا - في الشكل:

بما ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ مطعون فيه قد نشر في ملحق العدد ٣٠ من الجريدة الرسمية تاريخ ٢٠٠٥/٧/٢٠، وقد وردت المراجعة الحاضرة الى المجلس الدستوري بتاريخ ٢٠٠٥/٧/٢٨ موقعة من نواب عشر، فتكون المراجعة هذه مقدمة ضمن المهلة القانونية ومستوفية سائر شروطها الشكلية، بحيث يقتضي قبولها في الشكل.

ثالثا- في الأساس:

ادلى المستدعون في اساس مراجعتهم ان القانون المطعون فيه مخالف للدستور ولنصوص ذات طابع دستوري وانه يمس بمبدأ الفصل بين السلطات وانه مخالف لمبدأ استمرارية المرافق العامة وانه مشوب بالخطأ الساطع في التقدير.

وبما أن المجلس يرى عدم امكانية مجاراة المستدعين في سببهم الاول المرتكز على ان قانوني إنشاء المجلس الدستوري ونظامه الداخلي هما من القوانين الأساسية او العضوية Lois organiques المتلازمة مع الدستور لأنهما صدرا بتفويض من المشرع الدستوري بمقتضى المادة ١٩ من الدستور مما يضفي على احكامهما القيمة الدستورية بحيث لا يجوز تعديلها بموجب قانون عادي بل فقط بموجب قانون ذي طابع دستوري مثلها، ذلك أن القوانين العضوية وانظمة المجالس Reglements d'assemblee والقوانين

الاستفتائية Lois referendaires انما هي اصناف من النصوص التشريعية ملحوظة صراحة في الدساتير، كالدستور الفرنسي على سبيل المثال، ولا يصح اطلاقا الاستئناس او القياس في معرض اصناف القوانين وتراتبيتها حيث يخلو الدستور اللبناني من امثالها،

وبما ان المجلس يرى الخوض في سائر اسباب الطعن تحقيقا لأعمال الرقابة الدستورية على النص التشريعي المطعون فيه بأفضل المقاربات المعتمدة في العلم الدستوري كالتالي:

١- في مخالفة القانون ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون في مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها:

أ- بما ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون يؤجل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله،

وبما ان الفقرة (ه) من مقدمة الدستور تنص صراحة على ان "النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"،

وبما ان المادة ١٩ من الدستور تنشئ مجلسا دستوريا وتحدد اختصاصه، فيضحي سلطة دستورية مستقلة تتمتع بالصفة القضائية،

وبما ان المادة ٢٠ من الدستور تنص على قيام السلطة القضائية وعلى استقلال القضاة في اداء مهامهم،

وبما ان المجلس يرى أن المشرع الدستوري عندما ينشئ مجلسا دستوريا انما ينشئ سلطة دستورية، وهو عندما يصف الوظيفة القضائية بالسلطة القضائية، ويورد المجلس الدستوري ومن ثم السلطة القضائية بالتسلسل في عداد السلطات بعد السلطة المشترعة والسلطة الإجرائية، انما يرتقي بالمجلس الدستوري والسلطة القضائية الى سلطتين دستوريتين مستقلتين عن السلطة المشترعة والسلطة الإجرائية على ما خطه قلم العلامة ادمون رباط قبل إنشاء المجلس الدستوري والذي ينسحب عليه:

« Le fait de qualifier la fonction juridictionnelle de 'pouvoir judiciaire' et de l'inscrire à la suite des deux autres pouvoirs témoigne de la volonté des constituants de l'ériger en pouvoir constitutionnel distinct, indépendant du législatif et de l'exécutif. Déclaration conçue avec bonheur par ses auteurs, dans l'intention manifeste de

conférer aux principes qu'elle énonce, en vue d'assurer l'indépendance des juges et aux justiciables les garanties fondamentales une consécration constitutionnelle, à laquelle ni la loi et encore moins un acte du gouvernement ou de l'administration ne saurait porter atteinte. »

La Constitution libanaise. Origines, textes et commentaires. Edmond Rabbath, pp. 160-161.

وبما ان مبدأ فصل السلطات هو مبدأ دستوري مكرس في الدستور اللبناني الذي يعتبر ان النظام قائم عليه اي انه ركن من اركان هذا النظام، فيكون المجلس الدستوري سلطة دستورية مختلفة ومستقلة عن مجلس النواب وعن مجلس الوزراء وعن السلطة القضائية، واختصاصه محدد في الدستور ذاته بمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية، حتى إذا توقف عمل اي من هذه السلطات الدستورية، تفقد الهيكلية الدستورية دعامة من دعائمها ويتوقف سيرها ويتعطل انتظامها الدستوري،

وبما أن المشرع الدستوري اللبناني عند نصه على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها انما هدف من خلال هذا التكريس النصي لمبدأ دستوري الى تفادي المحظور الأخطر، والمتمثل في تعطيل عمل سلطة دستورية مستقلة بفعل سلطة دستورية مستقلة اخرى خارج الأطر الدستورية ،

وبما ان المجلس يرى عدم مجاراة المستدعين في اختصار بحثهم في السبب الأول المذكور على استقلالية السلطة القضائية والقضاة والضمانات المتوافرة لهم وعدم جواز المس بها، ذلك أن للمجلس الدستوري كيانا دستوريا مستقلا واختصاصا دستوريا محددا وان تمتع بالصفة القضائية، وهو اختصاص سبق وصف خصائصه وغاياته وأثاره على انتظام ممارسة سائر السلطات الدستورية لاختصاصها بشكل صحيح تعبيرا عن ارادة الشعب الذي هو مصدر كل السلطات وصاحب السيادة،

وبما أن المجلس يرى ان قيام السلطة المشترعة، دون أية اجازة دستورية، بكف يد للمجلس الدستوري عن النظر بالمراجعات الواردة اليه، تحت اية ذريعة كانت، انما يقع باطلا بطلانا كليا لانه يؤدي الى طغيان سلطة دستورية على أخرى وتعطيل عمل سلطة دستورية مستقلة بفعل دستورية اخرى:

« Considérant qu'aucune disposition de la Constitution non plus que de la loi organique ... ne permet aux autorités ou aux parlementaires habilités à déférer une loi

au Conseil constitutionnel de le dessaisir en faisant obstacle à la mise en œuvre du contrôle de constitutionnalité engagé. »

C.C. 96-386 D.C, 30 déc. 1996, Rec. 155; Les grandes décisions du Conseil constitutionnel, 11e éd., no 23, p.311.

وبما أن نزع المشرع العادي اختصاص المجلس الدستوري بالنظر بالمراجعات الواردة اليه، انما يؤلف تجاوزا للمبادئ والنصوص الدستورية في حين لا يعود لاية سلطة دستورية الخروج عن الدستور واحكامه ومبادئه:

« Le Conseil constitutionnel a clairement affirmé dans un considérant de principe que lorsque la Constitution confie à la loi la fixation de règles ou la détermination de principes, ceci « ne saurait dispenser le législateur, dans l'exercice de sa compétence, du respect des principes et des règles de valeur constitutionnelle qui s'imposent à tous les organes de l'Etat ». Le dernier membre de phrase est particulièrement significatif et important: aucun organe de l'Etat, aucun pouvoir institué, n'échappe au respect de la norme constitutionnelle. »

C.C. 82-132 D.C. 16 janv. 1982, Rec. 18; Les grandes décisions du Conseil constitutionnel, 11e éd., no 31, p. 459.

وبما ان الفقه الدستوري الفرنسي قد اشار الى ان المجلس الدستوري الفرنسي لا بد ان تتاح له فرصة يوما لازالة بعض الغموض الذي يكتنف دور المشرع عند تدخله في عمل السلطة القضائية المستقلة وكأن المشرع في ذلك يقتص منها لاتخاذها اجراءا او قرارا يراه المشرع غير مناسب:

« Il y a là un mélange des genres qui ne peut durer: Le législateur n'est pas habilité à prendre des mesures d'administration, mais seulement des mesures normatives; la pratique du législateur-administrateur, ou du législateur-juge (dans la mesure où certaines de ces réformes apparaissent comme des sanctions infligées à des institutions qui ont "démérité") n'est pas conforme au principe de séparation des pouvoirs, et un jour ou l'autre le Conseil constitutionnel sera conduit à l'affirmer ... » Les grandes décisions du Conseil constitutionnel, 11e éd., no 42, p. 728.

وبما ان المجلس يرى ايضا، مشاطرا في ذلك الفقه الدستوري الفرنسي، ان قيام المجلس الدستوري بابطال نص تشريعي عادي تطرق إلى مسألة تتعلق بالدستور، اي تحديدا باختصاص دستوري لسلطة دستورية مستقلة، انما يكون في ذلك ساهرا على تقيد السلطة المشترعة بمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تكون سمة هذا الابطال تصحيحا لمسلك وليس اقتصاصا من السلطة المشترعة، فالقضاء الدستوري يعيب على المشرع العادي تطرقه الى

مادة خارجة عن اختصاصه، وهو في ذلك لا يمنع المشرع من اقرار التشريع بل ينقض اعتماد المسالك والآليات الخاطئة لاقرار هذا التشريع ويترك المجال مفتوحا للسلطة المشترعة في اعتماد المسالك والآليات المعتمدة للتعديل الدستوري،

وبما ان المجلس يرمي من وراء ذلك الى التأكيد ان اختصاصه بمراقبة دستورية القوانين يعزز الديموقراطية البرلمانية التي تؤلف النظام الدستوري اللبناني بحسب الفقرة "ج" من مقدمة الدستور، ذلك ان المجلس الدستوري يفرض على السلطة المشترعة وعلى سائر السلطات الدستورية حين يتاح له ذلك، التقيد بأحكام الدستور وهو التعبير الاسمى عن ارادة الشعب وسيادته:

« Quand le législateur ordinaire statue sur un des objets relevant de la matière constitutionnelle, ou donne aux lois un contenu contraire aux principes de fond posés par le pouvoir constituant, il viole les règles constitutionnelles de répartition des compétences. La sanction du juge constitutionnel n'est donc jamais une condamnation de fond, mais une condamnation de procédure: l'inconstitutionnalité de la loi résulte de ce que le législateur ordinaire est intervenu sur une matière, ou a édicté une disposition qui n'était pas de sa compétence. Le juge constitutionnel n'interdit donc pas l'édiction de la norme; il sanctionne seulement son édiction législative, laissant libre son adoption par la voie d'une loi constitutionnelle. En ce sens, le contrôle de la constitutionnalité des lois, loin de porter atteinte à la démocratie, en est le garant, puisqu'il permet d'imposer au Parlement et à tous les organes de l'Etat, le respect de la Constitution, expression suprême de la volonté générale et de la souveraineté populaire ... le Conseil constitutionnel est lui-même un pouvoir constitué. »

Droit du contentieux constitutionnel, 4e éd., Dominique Rousseau, pp. 409-410.

وبما ان المجلس، في ضوء كل ما سبق، يقرر ان القانون ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه يمس بمبدأ الفصل بين السلطات ويقتضي ابطاله لهذه الجهة ابطالا كليا.

ب-اما لجهة توازن السلطات وهي القاعدة التي تكمل مبدأ فصل السلطات وتعاونها وتندرج في صلبه كما هو مكرس في الفقرة "ه" من مقدمة الدستور، فان المجلس يرى ان القانون ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه يخل اخلالا فاضحا بقاعدة توازن السلطات ليس فقط لان السلطة المشترعة تطغى على المجلس الدستوري بقانون عادي يشل اختصاصه الدستوري، بل، والادهى من ذلك، لان هذا القانون يحدث فراغا دستوريا من جراء تعطيل

عمل سلطة دستورية مستقلة تحرص كل الحرص على تفادي هذا الفراغ من خلال استمرار اعضائها في ممارسة مهامهم،

وبما ان المجلس يرى ان مبدأ استمرارية السلطات الدستورية منعا لحدوث اي فراغ هو مبدأ ذو قيمة دستورية على ما اقر ذلك المجلس الدستوري الفرنسي مرارا، وعلى ما يستمد من احكام الدستور اللبناني بالذات التي تحول دون احداث اي فراغ دستوري في اي من السلطتين المشترعة والاجرائية بنصوص دستورية مفصلة وحاسمة، بحيث ينتفي التوازن بين السلطات الدستورية المستقلة اذا حيل دون الفراغ في بعضها بموجب نصوص دستورية حاسمة واتيح الفراغ في بعضها الآخر،

وبما انه، تأكيدا لما سبق، نص الدستور اللبناني في مواد مختلفة منه على ملء الفراغ في السلطتين التشريعية والاجرائية، كفرض الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين اذا خلا مقعد واحد في مجلس النواب (م ٤١) وكأن تستمر هيئة مكتب مجلس النواب في تصريف الاعمال حتى انتخاب مجلس جديد (م٥٥) او كأن تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء في حال خلو سدة الرئاسة لاية علة كانت (م٦٢), أو كأن تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة او بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة تصريفا للاعمال بالمعنى الضيق (م٦٤) او كفرض دورة انعقاد استثنائية حكما على مجلس النواب عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة لمواكبة تأليف الحكومة الجديدة ونيلها الثقة (م٦٩)، او كاجتماع مجلس النواب حكما في اليوم العاشر الذي يسبق اجل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية (م٧٣) او اجتماع مجلس النواب فورا بحكم القانون لانتخاب الخلف اذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة رئيس الجمهورية او استقالته او سبب آخر، حتى اذا اتفق ان خلت الرئاسة حال وجود مجلسا لنواب منحلا تدعى الهيئات الانتخابية دون ابطاء ويجتمع المجلس بحكم القانون حال الفراغ من الاعمال الانتخابية (م٧٤)، او اعتبار مجلس النواب الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية بحيث يترتب عليه الشروع حالا في انتخاب رئيس الدولة قبل القيام بأي عمل آخر (م٧٥) ... ،

وبما ان المجلس يرى ان هذا الحرص الدستوري الشديد على عدم احداث اي فراغ في السلطتين الاشتراعية والاجرائية انما ينسحب حكما على المجلس الدستوري الذي هو ايضا سلطة دستورية مستقلة انشأها الدستور ونص على اختصاصها، وذلك عملا بقاعدة توازن السلطات،

وبما أن المجلس يرى ايضا في هذا السياق ان نص الدستور في المادة ٢٠ منه على استقلال القضاة في اجراء وظيفتهم انما يحصن السلطة القضائية الدستورية المستقلة ضد اي فراغ،

وبما ان المجلس لا يرى سبيلا الى احقاق قاعدة التوازن بين السلطات في حال قدر للسلطة ان تحصن نفسها ضد الفراغ وتركت أخرى دون اي تحصين لفراغ يصيبها ولو الى حين،

لذلك

وفي ضوء كل ما سبق،

يقرر المجلس ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه واجب الابطال كليا لمخالفته مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، وهو مبدأ دستوري مكرس نصيا في مقدمة الدستور التي تتضمن المبادئ الدستورية العامة التي يقوم عليها النظام الدستوري اللبناني.

٢- في مخالفة القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه لقاعدة وجوب ان يكون النص التشريعي قابلا للفقه وواضحا Principe de l'accessibilite et de l'intelligibilite :de la loi

بما ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه قد نص على تأجيل النظر بالمراجعات امام المجلس الدستوري ريثما يتم استكماله،

وبما ان عبارة "ريثما يتم استكماله" تعني ان المجلس الدستوري غير مكتمل في هيئته الحاضرة،

وبما أن الأسباب الموجبة لهذا القانون لا تلقي الضوء الساطع على المقصود والمبتغى من هذه العبارة المبهمة، وكل ما في الأمر ان الأسباب الموجبة تلك تشير الى ان مجلس النواب قد انتخب ثلاثة اعضاء جدد في حين ان مجلس الوزراء لم يعين من جهته عضوين جديدين، بحيث يكتمل عقد البدلاء، فيقسمون اليمين وتبدأ عندئذ ولايتهم فيتوقف الاعضاء الخمسة المنتهية ولايتهم عن ممارسة اختصاصاتهم،

وبما أن الأسباب الموجبة تشير ايضا الى ان وضع المجلس غير دستوري وغير قانوني مما يستدعي استكمال الهيئة وانتخاب رئيسها للنظر بالمراجعات والطعون، ومما يفيد أن المشرع يعتبر ان الهيئة الحاضرة للمجلس الدستوري غير مكتملة، بحيث يجب أن ترفع يده عن ممارسة اختصاصه لحين اكتمال الهيئة،

وبما ان المجلس يرى أن النص التشريعي المطعون فيه غير واضح على الاطلاق ومتضمن لواقعة او وضع قانوني غير مفهوم ويصعب ربطه بكف يد المجلس عن النظر بالمراجعات الواردة اليه،

وبما انه سبق للمجلس الدستوري ان قرر ان عدم وضوح النص التشريعي او عدم فقهه يؤديان الى ابطاله عند تجاوزه حدا مفرطا مبددا معناه: يراجع القرار رقم ٢٠٠٢/٣، تاريخ ٢٠٠٢/٧/١٥، بالمراجعة المتعلقة بابطال القانون رقم ٤٣٠ تاريخ ٢٠٠٢/٦/٦ المتعلق بانشاء حساب لادارة وخدمة وتخفيض الدين العام وحسابات أخرى لعمليات التسنيد،

وبما أن المجلس يرى ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه غير واضح وغير مفهوم سيما بالنسبة للشرط او الاجل اللذين تتوقف عليهما استعادة المجلس الدستوري لاختصاصه الذي انتزعه منه المشرع، كما ايضا بالنسبة لمسألة التأجيل وهل ان في الأمر تعليقا للاختصاص او تعطيلا له سيما في ضوء ما سبق بموضوع الاجل والشرط المتعذر فقههما على المجلس الدستوري بالذات وعلى اصحاب المراجعات لديه على تنوعها، هذا فضلا عن ان التشريع المذكور يفصل بين المراجعات القضائية وسائر الاختصاصات المناطة برئيس المجلس او اعضائه بقوانين انشائه ونظامه الداخلي وسواها كقانون الاثراء غير المشروع على سبيل المثال ... فهل ان المقصود هو ذلك الانفصام في عمل المجلس الدستوري فيكون صالحا ومختصا في ميادين حفظها القانون لرئيسه او لاعضائه وغير مختص في ميادين حفظها له الدستور صراحة،

لذلك

وفي ضوء كل ما سبق

يرى المجلس ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه غير واضح وغير قابل للفقه، فضلا عن انه غير قابل للتطبيق المجزأ وغير ذي موضوع بسبب ان الهيئة الحاضرة للمجلس الدستوري مكتملة كيانيا ووظيفيا حتى انتخاب وتعيين جميع البدلاء وحلفهم اليمين معا، وذلك عملا بالمبدأ الدستوري القائل باستمرارية

السلطات العامة وبنص المادة ٤ من نظامه الداخلي التي جاءت تكريسا للمبدأ المذكور، سيما ان المجلس الدستوري لا يمكن ان يسأل عن عدم ممارسة سواه من السلطات الدستورية لاختصاصها بانتخاب او تعيين البدلاء عن اعضائه المنتهية ولايتهم، فيكون القانون المذكور مستوجبا للابطال ابطالا كليا.

٣- في مخالفة القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه للمادة ١٩ من الدستور لجهة حق رئيس مجلس الوزراء بمراجعة المجلس الدستوري في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين:

بما ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه قد صدر بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٠٥ وفقا لآلية اصدار القوانين ومذيلا بالتالي بتوقيع رئيس مجلس الوزراء السابق الاستاذ محمد نجيب ميقاتي في وقت كانت الحكومة فيه معتبرة مستقيلة عند بدء ولاية مجلس النواب الجديد عملا بالفقرة "ه" من المادة ٦٩ من الدستور،

وبما ان المجلس، وبمعزل عن موقفه من اشكالية قيام السلطة المشترعة بالعمل التشريعي في ظل حكومة مستقلة في الدورة الاستثنائية الحكمية المنصوص عنها في البند (٣) من المادة ٦٩ من الدستور، او في دورة استثنائية جرى افتتاحها وفقا للمادة ٣٣ من الدستور، وفي حال اعتباره جدلا ان المعنى الضيق لتصريف الاعمال الذي تقوم به الحكومة قبل نيلها الثقة او الحكومة المستقيلة او الحكومة المعتبرة مستقيلة وفقا للبند (٢) من المادة ٦٤ من الدستور، يجيز لرئيس مجلس الوزراء المستقيل توقيع مثل هذا القانون تأمينا لسير العمل الاشتراعي وعدم تعطيله، وهذا ما يردنا ايضا وايضا الى مبدأ عدم جواز حدوث فراغ دستوري في سلطة دستورية مستقلة والى مستلزمات هذا المبدأ، يرى ان حق رئيس مجلس الوزراء المستقيل بالطعن بالقانون الذي يشارك بتوقيعه رئيس الدولة في مرسوم اصداره لا يدخل في المفهوم الضيق لتصريف الاعمال، لانه عمل انشائي بامتياز وغير اجرائي، طالما ان من شأنه أن يؤدي الى ابطال هذا النص التشريعي واحداث وضع قانوني مغاير بنتيجة هذا الابطال،

وبما ان المجلس يرى ان حرمان رئيس مجلس الوزراء المستقيل من حقه الدستوري بالطعن بنص تشريعي ما من شأنه ان يفتح كوة في النص التشريعي المذكور يتسلل منها

اليه عيب عدم الدستورية اذ يصبح هذا النص التشريعي بمنأى عن كل مراجعة لابطاله جزئيا أو كليا بقرار من رئيس مجلس الوزراء يتخذه بالاستناد الى حقه المحفوظ له في المادة ١٩ من الدستور، فتنتفي في ذلك، على قلتها، احدى حالات ممارسة المجلس الدستوري لاختصاصه المكرس دستورا بمراقبة دستورية القوانين، وهي حالات قليلة كما اسلفنا بالمقارنة مع حالات الامساك بالنصوص التشريعية المحفوظ للمجالس او المحاكم الدستورية في بعض القوانين المقارنة، كالقانون الدستوري الفرنسي مثلا،

وبما ان المجلس يرى ان استبعاد رئيس مجلس الوزراء المستقيل، بالشكل الموصوف اعلاه، من دائرة المراجع التي يحق لها أن تجعل المجلس الدستوري يقبض على اختصاصه بمراقبة دستورية قانون مذيل بتوقيع رئيس مجلس الوزراء المستقيل من شأنه ان يبطل هذا القانون لمخالفته نص المادة ١٩ من الدستور لهذه الجهة، سيما ان مهلة الطعن بالقانون المذكور قد تنقضي قبل أن ينتقل حق الطعن الى الخلف،

لذلك

وفي ضوء ما سبق يرى المجلس ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ مستوجب الابطال ابطالا كليا لهذا السبب ايضا.

٤-في السبب المتعلق بالخطأ الفاضح في التقدير والانحراف التشريعي:

بما ان المجلس يرى لهذه الجهة ان القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ المطعون فيه، وخلافا لما ادلى به المستدعون، لا يذهب مذهب الانحراف التشريعي detournement de pouvoir بل الانحراف الاجرائي Detournement de procedure، بمعنى ان هذا النص التشريعي بالذات لو سلك المشرع في اعتماده مسلك التعديل الدستوري، لما شابه عيب عدم الدستورية،

وبما انه يستمد من اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي انه يميز بين الانحراف الإجرائي والانحراف التشريعي، حيث رأى في احد قراراته ان لجوء السلطة المشترعة الى آلية

تشريعية منصوص عنها في الدستور وذلك فقط بهدف التملص من رقابة المجلس الدستوري انما يؤلف انحرافا اجرائيا ليس الا:

« Le Conseil constitutionnel n'a pas condamné au titre de détournement de pouvoir le recours à une procédure législative qui serait incompatible avec le principe de séparation des pouvoirs, et serait, en outre, constitutif d'un détournement de procédure pour répondre exclusivement au souci d'éluder le contrôle du Conseil constitutionnel. »

- Les grandes décisions du Conseil constitutionnel, 11e édition, m. 39, p. 666.

وبما ان المجلس يرى ايضا ان التذرع بالخطأ الفاضح في التقدير Erreur) (manifeste d'appreciation يقع في غير موقعه لسببين اثنين على الاقل:

- ان مخالفة أحكام الدستور والمبادئ الدستورية لا تؤلف بذاتها خطأ تشريعيا فاضحا في التقدير، هذا الخطأ الذي يتيح للمجلس الدستوري ان يسحب اختصاصه في مراقبة دستورية القوانين على الملائمة التشريعية. وان هذا الخطأ بالذات يجعل من التشريع تشريعا زائفا، لانه يخرج عن قواعد التشريع ومبادئه المعتمدة فقها واجتهادا والتي توجب ان يكون عاما General ومجردا Abstrait وغير شخصي Impersonnel.

وان المجلس لا يرى ان القانون المطعون فيه يندرج في هذه الخانة من الزيف.

- ان الخطأ الفاضح في التقدير يؤدي في حال توافره جدلا الى اعتبار النص التشريعي الزائف بفعل هذا الخطأ الموصوف اعلاه نصا عديم الوجود Loi inexistante، وذلك بالمقارنة مع الاجتهاد الاداري، تلك المقارنة الجائزة علما وفقها بين القانونيين الدستوري والاداري المنتسبين معا الى عائلة القانون العام على ما اورده العلامة ادمون رباط في رأيه الاستشاري تاريخ ١٩٧٨/٩/١٦ الموجه الى رئيس مجلس النواب في ذلك الحين. الدستور اللبناني- احكامه وتفسيره- الدراسات والوثائق المتعلقة به- بشارة منسى - ١٩٩٨ - الصفحات ١٦٩ وما يليها.

وان المجلس يرى في هذا السياق ان اعتبار القانون المطعون فيه عديم الوجود كأنه لم يكن اصلا لا يتناسب والعيوب الدستورية التي تشوبه والتي تؤدي الى ابطاله كليا.

لذلك

وفي ضوء ما سبق،

يرى المجلس اهمال السبب المتعلق بالانحراف التشريعي والخطأ الفاضح في التقدير.

لهذه الأسباب

يقرر المجلس:

اولا: حفظ اختصاص المجلس الدستوري للنظر في مراجعة ابطال القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩. ثانيا: قبول مراجعة ابطال القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ في الشكل.

ثالثا: ابطال القانون رقم ٢٠٠٥/٦٧٩ ابطال كليا لمخالفته احكام الدستور والمبادئ الدستورية المكرسة فيه او المعتمدة من ضمن الكتلة الدستورية.

رابعا: ابلاغ هذا القرار الى المراجع المختصة ونشره في الجريدة الرسمية.

قرارا صدر في السادس من شهر آب سنة ٢٠٠٥.

افتح الأداة التفاعلية للبحث في القرارات

جزء من دليل اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني · كلّ القرارات.

مرجعٌ بحثيّ غير رسميّ من إعداد مكتب كلاس للمحاماة. يُرجى التحقّق من النصّ الرسمي المنشور قبل الاعتماد عليه؛ ولا يُغني عن استشارةٍ قانونية.