المفاضلة بَين الشركة المغفلة والشركة المحدودة المسؤولية في القانون اللبناني — معايير الاختيار العملية
يَعرض هذا الدليل المفاضلة بَين الشكلَين الأكثر استخداماً من شركات الأموال في لبنان — الشركة المغفلة (SAL) والشركة المحدودة المسؤولية (SARL) — على ضَوء معايير الاختيار العملية في التطبيق اللبناني. ولا يَتضَمَّن نَصيحةً استثمارية ولا توصيةً بِرأس مال مُعَيَّن أو بِهيكلٍ مالي بِعَينه؛ بل يُبَيِّن أحكام كلّ شكل ومَوقعه التَطبيقي، تَمهيداً لِلاستشارة القانونية والمُحاسبية المتخصِّصة.
مقدّمة: تَحديد معيار المفاضلة
يَنحَصر اختيار الشكل القانوني عَملياً — في الغالب من الأحوال — بَين شكلَين من شركات الأموال عند تأسيس شركةٍ في لبنان لِنشاطٍ تجاري معتاد: الشركة المغفلة والشركة المحدودة المسؤولية. وقد تُستَهَلّ المفاضلة بَينهما بِسؤالَين شائعَين: أيّهما أَوسَع حمايةً لِذمّة الشريك، وأيّهما أَخَفّ عبئاً ضريبياً. والجواب عن السؤالَين واحدٌ في الشكلَين، كما سَيَتبيَّن أدناه، ولذلك لا يَصلحان معياراً لِلتفريق.
يَدور المعيار الفِعلي حَول خَمسة محاور: الحدّ الأدنى لِرأس المال، وعدد الشركاء وطبيعتهم، ودرجة انفتاح المُلكية وضَوابط التَفرّغ عن الحصص، وثِقَل الحَوكمة وكلفة التشغيل، وأدوات تَمويل التوسّع. ويَعرض هذا الدليل كلّ محورٍ على حِدة، ثمّ يَختم بِجدول معايير الاختيار.
النصّ الناظم لِلشركة المحدودة المسؤولية هو المرسوم الاشتراعي رقم 35 تاريخ 5/8/1967، فيما تَخضع الشركة المغفلة لِأحكام قانون التجارة اللبناني (المرسوم الاشتراعي رقم 304 تاريخ 24/12/1942) في بابه الثالث. وكِلا النظامَين شَهد تَحديثاً جَوهرياً بِمقتضى القانون رقم 126 تاريخ 29/3/2019، والأحكام المذكورة هنا هي النافذة بَعد هذا التعديل.
أوّلاً — أوجه الاشتراك بَين الشكلَين
تَثبيت أوجه الاشتراك يَسبق استعراض الفوارق، لِأنّه يُزيح فَرضيَّتَين شائعتَين تُربِكان المُفاضلة:
محدودية المسؤولية واحدة في الشكلَين. لا يَتحمَّل الشريك في أيٍّ من الشكلَين الخسائر إلّا بِمقدار حِصّته أو أسهمه، ولا يَكتسِب صفة التاجر بِمجرّد المساهمة. فالحماية التي يُوَفِّرها فَصل ذمّة الشركة عن ذمّة الشريك قائمة في الاثنَين على حدٍّ سَواء. فمن يَختار شكلاً على آخر طَلَباً لِحماية أكبر لِذمّته الشخصية يَبني على فَرضيّة غير دقيقة.
المعاملة الضريبية واحدة أيضاً. كِلا الشكلَين من شركات الأموال، فتَخضع أرباحهما لِضريبة الدخل بِمعدّل 17% (المادة 32 من قانون ضريبة الدخل)، وتَخضع توزيعاتهما على الشركاء لِضريبة بِمعدّل 10%. فالاختيار بَين الشركة المغفلة والشركة المحدودة المسؤولية لا يُغَيِّر العِبء الضريبي على الأرباح أو التوزيعات — خِلافاً لِما هو الحال مع الشركة القابضة وشركة الأوف شور اللتَين تَخضعان لِنظامٍ جَبائي مختلف. ومن يَبحث عن مَزيّة ضريبية يَنبغي أن يُوَجِّه نظره إلى هذَين النِظامَين الخاصَّين لا إلى المفاضلة بَين المغفلة والمحدودة المسؤولية.
إذا اتّضح أنّ الحماية والضريبة متساويتان، انتقَل القرار إلى محاوره الحقيقية.
ثانياً — رأس المال المتاح
الحدّ الأدنى لِرأس مال الشركة المحدودة المسؤولية هو خَمسة ملايين ليرة لبنانية، يُوَزَّع إلى حِصص متساوية. أمّا الشركة المغفلة فيَلزمها حدّ أدنى أعلى بِكثير: ثلاثون مليون ليرة لبنانية مكتتباً بِها بِالكامل.
هذا الفارق كان حاسماً تاريخياً في تَوجيه المشاريع الصغيرة والمتوسطة نَحو الشركة المحدودة المسؤولية. غَير أنّ الحدَّين معاً لم يَعودا يَعكسان قيمةً اقتصاديةً حقيقيةً بَعد التغيّر الكبير في قيمة الليرة، فصارا في الغالب عَتبةً قانونيةً شكليةً أكثر منهما عائقاً مالياً فعلياً. ومع ذلك يَبقى لِمستوى رأس المال أَثَرٌ عَملي في المصداقية أمام المصارف والشركاء التجاريين، بِصَرف النظر عن الحدّ القانوني الأدنى.
ثالثاً — عدد الشركاء وطبيعتهم
تَقبل الشركة المحدودة المسؤولية أن تُؤَسَّس بِشريكٍ واحد — يُسمَّى عندئذٍ «الشريك الوحيد» — أو بِشركاء لا يَتجاوز عددهم العشرين، فإذا تَجاوَزوا الثلاثين (بِسبب الانتقال بِالإرث) وَجَب تَحويل الشركة إلى مغفلة أو حَلّها في مهلة سنتَين. وإمكانية التأسيس بِشريكٍ واحد إضافةٌ حديثة نِسبياً أَدخَلَها تعديل 2019، بعد أن كان النصّ يَفرض ثلاثة شركاء على الأقلّ — وهي نُقطة جَديرة بِالانتباه لِمن تَكَوَّنت معرفته بِالنظام السابق.
في المقابل، تَتطلَّب الشركة المغفلة ثلاثة مساهمين على الأقلّ، دون حدٍّ أعلى. ويَجوز في الشكلَين أن يَكون الشريك أو المساهم شخصاً طبيعياً أو معنوياً.
يَتَّضح من هذا المحور أنّ الشركة المحدودة المسؤولية تُلائم العمل المُنفَرِد أو ضمن دائرةٍ ضَيِّقة معروفة من الشركاء، فيما تَستوعب الشركة المغفلة قاعدة مساهمين أَوسَع غير مَحصورة العدد.
رابعاً — انفتاح المُلكية وضَوابط التَفرّغ عن الحصص
يَقع في هذا المحور الفَرق البُنيوي الأعمق بَين الشكلَين، وهو في الغالب المعيار الحاسم في المُفاضلة.
تَقوم الشركة المغفلة على مَبدأ حُرّية التَفرّغ عن الأسهم: يَجوز لِكلّ مساهم أن يَتَفرَّغ بِحُرّية عن أسهمه لِشخصٍ آخر فيَحلّ هذا محلَّه في حقوقه وواجباته. وأسهم الشركة المغفلة اللبنانية كلّها اسمية مُنذ أن أَلغى القانون رقم 75 تاريخ 27/10/2016 الأسهم لِحاملها والأسهم لِأمر. ويَجوز لِنظام الشركة أن يُدخِل شَرط أفضليةٍ يُنَظِّم التَفرّغ، شَرط ألّا يَبلغ هذا الشرط حَدّ تَعطيل قابلية السهم لِلتداول عملياً.
أمّا في الشركة المحدودة المسؤولية فحِصّة الشريك ليست سَنداً قابلاً لِلتداول كَالسهم، ولا يَجوز إثباتها بِأسناد قابلة لِلتداول. والتَفرّغ عن الحصص لِشخصٍ من خارج الشركاء مُقَيَّد بِضمانتَين متلازمتَين لا يَستطيع نظام الشركة الالتفاف عليهما: موافقة شركاء يُمَثِّلون ثلاثة أرباع رأس المال على الأقلّ، وحقّ أفضليةٍ إلزامي لِلشركة أوّلاً (خلال خَمسة عشر يوماً) ثمّ لِلشركاء (خلال ثلاثين يوماً).
هذا القَيد مَقصودٌ تَشريعياً: فالشركة المحدودة المسؤولية تَقوم على اعتبارٍ شَخصي بَين شركائها، والقانون يَصون استقرار تَركيبتها بِمَنع دخول الأجنبي عنها دون موافقة الأكثرية المُعَزَّزة. ويَنحلّ الاختيار بَين الشكلَين، في جَوهره، إلى المفاضلة بَين مُلكيةٍ مفتوحةٍ قابلةٍ لِلتداول في الشركة المغفلة، ومُلكيةٍ مُغلَقةٍ مَضبوطة الدخول في الشركة المحدودة المسؤولية. فضَبط تَركيبة الشركاء وقَطع الطريق على انتقال الحصص خارج دائرتهم يُرَجِّح الشكل الثاني، فيما يُرَجِّح الأوّلَ تَيسيرُ التَداول وانفتاحُ المُلكية على المستثمرين.
خامساً — الحوكمة وكلفة التشغيل
تُدار الشركة المحدودة المسؤولية بِبَساطة نِسبية: يَكفي مدير واحد أو عدّة مديرين من الأشخاص الطبيعيين، من الشركاء أو من غيرهم. ولا تَخضع لِبنية مجلس الإدارة ولا لِلفَصل بَين الرئاسة والإدارة العامة.
في المقابل، تَقوم حَوكمة الشركة المغفلة على مجلس إدارة من ثلاثة إلى اثنَي عشر عضواً (المادة 144 من قانون التجارة)، يَرأسه شخص طبيعي يُعَيِّنه المجلس (المادة 153)، ويَجوز انتخاب أعضائه من المساهمين أو من غيرهم بَعد تعديل 2019. وهذه البنية أَغنى وأَدقّ، لكنّها أَثقَل إدارياً.
ويَمتدّ الفارق إلى الرقابة الحسابية. فتَعيين مفوّض المراقبة إلزامي دائماً في الشركة المغفلة. أمّا في الشركة المحدودة المسؤولية فهو اختياري بِالأصل، ولا يُصبح إلزامياً إلّا في حالاتٍ مُعَيَّنة: إذا تَجاوَز عدد الشركاء العشرين، أو بَلَغ رأس المال ثلاثين مليون ليرة، أو طَلَبه شريك أو أكثر يُمَثِّلون خُمس رأس المال. على أنّ مُتطلَّبات وزارة المالية لِأغراض التصريح الضريبي السنوي تَجعل تَدقيق الحسابات أمراً شِبه مُتَّبَع عملياً في معظم الشركات المحدودة المسؤولية، حتى خارج حالات الإلزام القانوني — وهي نُقطة يَنبغي أخذها في الحُسبان عند تَقدير كلفة التشغيل السنوية.
يَتَّضح من هذا المحور أنّ الشركة المحدودة المسؤولية أَخفّ حَوكمةً وأَقلّ كُلفةً عند التأسيس وفي التشغيل، فيما تَنزع الشركة المغفلة إلى تَنظيمٍ أَوسَع يُلائم المشاريع ذات الحَجم الأكبر وما تَستلزمه من حَوكمة مؤسَّسية ورقابة دائمة.
سادساً — أدوات تَمويل التوسّع
تَنفرد الشركة المغفلة بِمنظومةٍ من أدوات التمويل لا يَتَوَفَّر مثلها لِلشركة المحدودة المسؤولية: فلها أن تُصدِر سندات دَين (المادة 122 من قانون التجارة)، وسندات قابلة لِلتحويل إلى أسهم (المادة 121 من قانون التجارة وَفقاً لِأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 54 تاريخ 16/6/1977)، ولها أن تَلجأ إلى الاكتتاب العَلني لِزيادة رأس مالها.
أمّا الشركة المحدودة المسؤولية فيَحظر عليها القانون إصدار أيّ قيمٍ منقولة أو اللجوء إلى الاكتتاب العَلني لِتمويل نَفسها. فتمويلها مَحصورٌ بِمَوارد شركائها، دون مَنفذٍ إلى الادّخار العام.
ويَتَرَتَّب على ذلك أنّ المشروع المُتَطَلِّب لِزياداتٍ مُتعاقبة في رأس المال، أو لِاستقطاب مستثمرين مؤسَّسيين، أو لِإصدار أدوات دَينٍ قابلة لِلتحويل، يَجد في الشركة المغفلة الإطار المُلائم لِهذه الأدوات. أمّا المشروع العائلي أو المحدود الذي يَكتفي بِالتمويل الذاتي من شركائه فتَكفيه الشركة المحدودة المسؤولية.
سابعاً — النشاطات المحظورة على الشركة المحدودة المسؤولية
ثمّة قَيدٌ يَحسم القرار سَلَفاً في قطاعاتٍ بِعَينها. فخَمسة أنواع من النشاط لا يَجوز أن تُزاوِلها الشركة المحدودة المسؤولية: مشاريع الضمان (التأمين)، والاقتصاد والتوفير، والنقل الجوي المنظَّم، والعمليات المصرفية، وتوظيف الرساميل لِحساب الغير. فمن يُؤَسِّس مصرفاً أو شركة تأمين أو مؤسسةً مالية لا خيار أمامه: عليه اعتماد الشركة المغفلة (راجع المادة 126 من قانون النقد والتسليف لِلمصارف). وعليه، إذا كان النشاط المنوي مُزاوَلته ضِمن هذه القائمة، انتفت المفاضلة من الأساس.
ثامناً — جدول معايير الاختيار
يُلَخِّص الجدول الآتي معايير المُفاضلة العملية بَين الشكلَين، على أن يُقرَأ بِوصفه مَدخلاً لِلاستشارة القانونية والمُحاسبية لا بَديلاً عنها:
| المعيار | يُرَجِّح الشركة المحدودة المسؤولية (SARL) | يُرَجِّح الشركة المغفلة (SAL) |
|---|---|---|
| عدد الشركاء | شريك واحد إلى عدد محدود (حتى عشرين) | ثلاثة فأكثر، أو قاعدة مساهمين واسعة |
| انفتاح المُلكية | الرغبة في ضَبط دخول الشركاء (مُلكية مُغلَقة) | الرغبة في سُهولة تَداول الأسهم (مُلكية مفتوحة) |
| الحوكمة وكلفة التشغيل | تَفضيل بِنيةٍ مُبَسَّطة (مدير واحد كافٍ) | قَبول بِنية مجلس إدارة ورقابة دائمة |
| تمويل النموّ | تمويل ذاتي من الشركاء | الحاجة إلى إصدار أسهم وسندات وجذب مستثمرين |
| طبيعة النشاط | تجارة وصناعة وخدمات معتادة | تأمين أو مصارف أو مؤسسات مالية (إلزامي) |
تاسعاً — قابلية التحويل بَين الشكلَين
اختيار الشكل لا يَكتسي طابعاً نهائياً. فيَجوز تَحويل الشركة المحدودة المسؤولية إلى شركة مغفلة بِالأكثرية المُعَيَّنة لِتعديل النظام الأساسي (ثلاثة أرباع رأس المال)، شَرط أن يَكون الشركاء قد صَدَّقوا على حسابات السنتَين السابقتَين؛ بل يَكفي تَمثيل نصف رأس المال إذا تَبيَّن أنّ قيمة الموجودات الصافية تَزيد على خمسين مليون ليرة. فالمشروع الذي يَبدأ شركةً محدودة المسؤولية ثمّ يَتَّسِع نشاطه وتَنشأ الحاجة إلى استقطاب مستثمرين، يَنتقل إلى الشركة المغفلة دون تأسيس كيانٍ جديد. ويُخَفِّف هذا المسار من ثِقَل القرار الأوّل، إذ يُتيح البَدء بِالشكل الأبسط والترقّي عند الاقتضاء.
خلاصة
المفاضلة بَين الشركة المغفلة والشركة المحدودة المسؤولية لا تَجري في باب الحماية ولا في باب الضريبة — فهما متساويتان في الاثنَين — بل تَدور حَول الحدّ الأدنى لِرأس المال، وعدد الشركاء، ودرجة انفتاح المُلكية، وثِقَل الحَوكمة، وأدوات تمويل التوسّع. فالشركة المحدودة المسؤولية شركةٌ ذات طابعٍ شَخصي ومُلكيةٍ مُغلَقة، مُبَسَّطة الحَوكمة، مُنخفضة الكلفة, تُلائم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والعائلية، وكذلك شركات الشريك الوحيد. أمّا الشركة المغفلة فشركةُ أموالٍ ذات مُلكيةٍ مفتوحة، مؤسَّسية الحَوكمة، تَستوعب أدوات تمويلٍ مَوسَّعة، وتَلزم حَتماً في القطاعات المنظَّمة كَالتأمين والمصارف. وبِفَضل قابلية التحويل بَين الشكلَين، يَبقى ممكناً البَدء بِالشكل الأبسط والترقّي عند الاقتضاء.
ومَهما يَكن الترجيح المبدئي، فالقرار النهائي يَستحقّ استشارةً قانونيةً ومُحاسبيةً تأخذ في الاعتبار خصوصية المشروع وهيكل المجموعة وأهداف الشركاء.
مقالات ذات صلة
- الشركة المحدودة المسؤولية — الجزء الخامس من الدليل العملي للقانون التجاري
- الشركة المغفلة (1): التأسيس والوثائق
- الشركة المغفلة (2): سير الأعمال، الحلّ، الاندماج والانشطار
- جدول مقارن لأبرز خصائص الشركة المغفلة والقابضة (هولدنغ) والأوف شور والمحدودة المسؤولية
- الشركة ذات الشريك الواحد في لبنان: كل ما تحتاج معرفته