عقد الضمان (التأمين) في القانون اللبناني: الأحكام العامة والضمان البحري
مقدمة
صنّف المشرّع اللبناني عقد الضمان (التأمين) ضمن عقود الغرر في الكتاب العاشر من قانون الموجبات والعقود، ويقوم تنظيمه، في نطاق هذا المقال، على نصّين أساسيين: قانون الموجبات والعقود (المواد 950 إلى 1023) الذي يتضمّن الأحكام العامة لعقد الضمان وأنواعه البرية، وقانون التجارة البحرية (المواد 293 إلى 380) الذي أفرد باباً كاملاً للضمان البحري بأحكامه الخاصة. والعلاقة بين النصّين واضحة: فالمادة 952 من قانون الموجبات تنصّ صراحةً على أن الضمانات البحرية تبقى خاضعة لقانون التجارة والقوانين المختصة بها.
يتناول هذا المقال الإطار التشريعي لعقد الضمان، بدءاً من تعريفه وأركانه في القانون العام، مروراً بالأحكام الخاصة بكل نوع من أنواع الضمان، وصولاً إلى الضمان البحري بقواعده المتميّزة، في مرجع يجمع الأحكام المتفرّقة في نصّ واحد متسلسل.
القسم الأول: الأحكام العامة لعقد الضمان (قانون الموجبات والعقود)
تعريف عقد الضمان وأركانه
عرّفت المادة 950 عقد الضمان بأنه عقد يلتزم بمقتضاه شخص (يقال له الضامن) ببعض الموجبات عند نزول بعض الطوارئ بشخص المضمون أو بأمواله، مقابل دفع بدل يُسمّى القسط أو الفريضة. فأركان العقد ثلاثة: الخطر المؤمّن منه، والقسط، وموجب الضامن عند تحقّق الخطر.
وتُطبّق أحكام الباب الأول من الكتاب العاشر على الضمان ذي الأقساط، لكنها لا تُطبّق على شركات الضمان المتبادل ونقابات الضمان إذا كانت مخالفة لقوانينها أو أنظمتها الخاصة. كما أن معظم أحكام هذا الباب ليست من النظام العام بل هي تفسيرية، أي يجوز مخالفتها بنصّ صريح في العقد (المادة 953)، باستثناء النصوص التي صرّح المشرّع بأنها مرعية الإجراء رغم كل اتفاق مخالف.
إعادة الضمان
أجازت المادة 954 للضامن أن يُضمِّن عند الغير المخاطر التي ضمنها، سواء شمل ذلك عقداً واحداً أو عدة عقود أو جميع العقود. وفي جميع الأحوال، يبقى الضامن وحده مسؤولاً تجاه المضمون، فعلاقة إعادة الضمان لا تُنشئ أي رابط مباشر بين المضمون وشركة إعادة الضمان.
تكوين العقد ولائحة الشروط
يُنظَّم عقد الضمان خطياً، في سند مسجَّل لدى كاتب العدل أو في سند عادي، ويجب عند تنظيمه عادياً أن يُحرَّر منه عدد من النسخ الأصلية بقدر أصحاب المصالح المتميّزة. ويؤرَّخ العقد في يوم إبرامه ويبيَّن فيه: الشيء المضمون، واسما الضامن والمضمون ومحل إقامتهما، ونوع الأخطار المضمونة، وتاريخ ابتداء الأخطار وانتهائها، والقيمة المضمونة، والقسط أو بدل الضمان، وخضوع المتعاقدين لحكم محكّمين عند النزاع إذا اتفقوا على ذلك. ويجوز أن تتضمّن لائحة الشروط ذيولاً (ملاحق) تُعدّل أحكام العقد الأصلي.
موجبات المضمون
يقع على عاتق المضمون عدة التزامات أساسية:
أولاً، الإفصاح عن الخطر: يجب على المضمون أن يُطلع الضامن بوضوح، عند إتمام العقد، على جميع الأحوال التي من شأنها أن تُمكّنه من تقدير الأخطار التي يضمنها. فإذا تكتّم المضمون أو قدّم عن قصد تصريحاً كاذباً من شأنه أن يغيّر موضوع الخطر أو يخفّفه في نظر الضامن، جاز إبطال العقد. على أن الإبطال لا يقع ما لم يلازم عامل سوء النية المضمون في ما كتمه أو صرّح به. وقد استقرّ الاجتهاد على أنّ عبء إثبات هذا العامل يقع على الضامن، فإن لم يُثبته فالمضمون مفترض حسن النية. وإذا ظهر الكتمان قبل وقوع الطارئ، فللضامن أن يفسخ العقد بعد عشرة أيام من تبليغ الإنذار؛ وإذا لم يظهر إلا بعد وقوعه، يُخفَّض التعويض بنسبة الفرق بين معدّل الأقساط التي دُفعت ومعدّل الأقساط التي كان يجب أن تُدفع لو أُعلنت المخاطر على وجه صحيح تام.
ثانياً، دفع القسط: يلتزم المضمون بدفع الأقساط في مواعيدها. وعند التأخر عن الدفع يوجّه الضامن إنذاراً بكتاب مضمون، فيقف حكم العقد بعد عشرة أيام من تاريخ الإنذار؛ وبعد مرور عشرين يوماً على انقضاء هذه المهلة يحقّ للضامن فسخ العقد أو المطالبة بتنفيذه لدى القضاء.
ثالثاً، الإبلاغ عن الطارئ: عند وقوع كل طارئ يؤدي إلى إلقاء التبعة على الضامن، على المضمون أن يُعلمه به في ظرف ثلاثة أيام من تاريخ علمه. ولا تسري هذه الموجبة على ضمان الحياة. أما ما ينفقه المضمون في سبيل تخفيف الضرر عند تحقّق الخطر، فيلتزم الضامن بردّه ضمن حدود القيمة المضمونة ومهما كانت النتيجة الحاصلة، على أن للقاضي أن يرفض هذه المصاريف أو يخفّضها إذا رآها مصروفة بدون سبب كافٍ أو مبالغاً فيها.
ويقابل هذه الموجبات حمايةٌ للمضمون من شروط الإسقاط الواسعة: فتُعدّ باطلةً البنود العامة التي تُسقط حقوقه لمجرّد مخالفته القوانين والأنظمة ما لم تكن المخالفة خطأً فاحشاً لا يُعذر عليه، والبنود التي تُسقطها لمجرّد تأخّره عن إعلام السلطة بوقوع الطارئ أو عن إبراز بعض المستندات، مع بقاء حقّ الضامن في تعويض متناسب مع الضرر الناشئ عن التأخير. على أن ذلك لا يحول دون النصّ على إسقاط حقوق المضمون لمخالفته قوانين أو أنظمة أُدرج نصّها الكامل في لائحة الشروط.
موجبات الضامن ومبدأ التعويض
على الضامن أن يُسلّم المضمون علماً بوصول طلب عقد ضمان جديد أو تعديل عقد سابق، وأن يُبلّغه جوابه إيجاباً أو سلباً خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر، وإلا جاز الحكم عليه ببدل العطل والضرر إذا أثبت المضمون وقوع ضرر بسبب ذلك.
يلتزم الضامن بدفع التعويض عند تحقّق الخطر المضمون ضمن حدود المبلغ المتفق عليه. والمبدأ الجوهري هو أن الضمان المختصّ بالأموال لا يكون إلا عقد تعويض: فلا يجوز أن يجعل المضمون، بعد وقوع الطارئ، في حالة مالية أحسن من التي كان عليها لو لم يقع.
وإذا تعدّدت الضمانات على الشيء الواحد وعلى الأخطار نفسها بلا احتيال، فتكون العقود كلها صحيحة وينتج كل واحد منها مفعوله بنسبة القيمة المعيّنة له، على ألا يتجاوز مجموعها قيمة الشيء المضمون، فلا يجني المضمون من التراكم نفعاً يفوق الضرر الفعلي.
الحلول
إذا دفع الضامن التعويض، حلّ حتماً محلّ المضمون في جميع حقوقه ودعاويه تجاه الغير المسؤول عن الضرر. وهذا الحلول من أهم الأحكام عملياً لأنه يُمكّن شركات الضمان من استرداد ما دفعته بالرجوع على المتسبّب بالضرر. على أن المشترع استثنى من الرجوع دائرةً قريبة من المضمون: فلا يحقّ للضامن مداعاة أولاد المضمون أو فروعه أو أصوله أو أصهاره المباشرين أو مأموريه أو مستخدميه أو عمّاله أو خدمه، وبوجه عام كل من يسكن عادةً في بيته، ما لم يقترف أحدهم غشاً. كما يجوز للضامن أن يتخلّص من التبعة كلياً أو جزئياً إذا استحال عليه الحلول بسبب فعل من المضمون.
فسخ العقد وانقضاؤه
ينتهي عقد الضمان بانقضاء مدته أو بفسخه. ويجوز الفسخ في حالات عدة منها: التأخّر عن دفع القسط، إذ يقف حكم العقد بعد مرور عشرة أيام على إنذار المضمون بكتاب مضمون (المادة 975)؛ وتفاقم الأخطار: فإذا نوى المضمون أن يأتي فعلاً من شأنه أن يزيد المخاطر إلى حدّ ما كان الضامن ليتعاقد معه لو علم به أو لما تعاقد إلا بقسط أكبر، وجب عليه إعلان ذلك للضامن بكتاب مضمون قبل إتيان الفعل؛ أما إذا تفاقمت الأخطار بدون فعل منه، فعليه إعلام الضامن خلال ثمانية أيام على الأكثر من تاريخ علمه، وفي الحالين يحقّ للضامن الفسخ ما لم يقبل المضمون زيادة القسط، ويسقط هذا الحقّ إذا أظهر الضامن بعد علمه رغبته في بقاء الضمان، ولا سيما بمداومته على استيفاء الأقساط (المادة 977)؛ وإفلاس أحد الطرفين: فإذا أفلس المضمون حقّ للضامن الفسخ بعد إنذاره بتقديم كفيل مليء خلال ثمانية أيام، وللمضمون الحقوق نفسها إذا أفلس الضامن. كما ينتهي العقد حتماً إذا هلك الشيء المضمون بجملته، ولا يحقّ للمضمون استرجاع شيء من قسط السنة الجارية.
القسم الثاني: الأنواع الخاصة في قانون الموجبات
ضمان الحريق
خصّص المشرّع ستّ مواد لضمان الحريق، أبرز أحكامها:
- لا يضمن الضامن سوى الأضرار المادية الناجمة مباشرةً عن الحريق أو بداءة الحريق. وتُعدّ من الأضرار المباشرة تلك الناتجة عن أعمال الإسعاف والإنقاذ.
- يكون الضامن مسؤولاً عن ضياع الأشياء المضمونة أثناء الحريق، بالرغم من كل اتفاق مخالف، ما لم يُثبت أن الضياع ناتج عن السرقة.
- لا يشمل الضمان الحريق الناجم عن البراكين والزلازل والعواصف، لكنه يشمل الحريق الناجم عن الصواعق.
ضمان الحياة
يُعدّ ضمان الحياة من أكثر أنواع الضمان تنظيماً في القانون اللبناني (26 مادة). وأبرز أحكامه:
تكوين العقد:
- يمكن عقد الضمان على حياة شخص بواسطة هذا الشخص أو بواسطة الغير.
- لا يجوز عقد ضمان موقوف على وفاة قاصر لم يُتمّ الخامسة عشرة أو محجور عليه (المادة 996)، وكل عقد مخالف باطل.
- يجب أن تتضمّن لائحة الشروط بيانات إضافية عن المذكورة في المادة 964: اسم المضمون وتاريخ ولادته، واسم المستحق إن وُجد، والحادث أو الأجل الذي يتوقف عليه الاستحقاق.
الانتحار وعقوبة الإعدام:
- يجوز للضامن التعهّد بدفع مبالغ الضمان في حالة الانتحار القصدي أو تنفيذ حكم الإعدام بموجب بند خاص، لكن هذا البند لا يسري إلا بعد سنتين من إنشاء العقد.
- وإذا لم يتضمّن العقد هذا البند أو وقع الانتحار قبل السنتين، يلتزم الضامن بدفع قيمة الاحتياطي فقط.
المستحقّون:
- القيمة المشترط دفعها عند وفاة المضمون لمستحقّ معيّن لا تدخل في تركة المضمون، ويُعدّ المستحقّ كأنه استحقّها من يوم العقد. وهذا حكم جوهري يعني أن رأس مال ضمان الحياة محصّن ضد دائني المضمون وورثته، ولا يبقى للدائنين سوى استعادة الأقساط في الحالة المبيّنة أدناه.
- لا تخضع هذه المبالغ لقواعد التخفيض بسبب تجاوز النصاب الإرثي في أيّ حال. أما الأقساط التي دفعها المضمون فلا تخضع لتلك القواعد هي أيضاً إلا إذا كانت باهظة على وجه ظاهر بالنسبة إلى مقدرته المالية أو إلى دخله.
الفسخ والتخفيض:
- لا حقّ للضامن في المداعاة لطلب دفع الأقساط. وعدم الدفع لا يؤدي إلا إلى فسخ العقد أو تخفيض مفاعيله. وهذا خلاف جوهري مع الضمان العام حيث يمكن للضامن مطالبة المضمون بالقسط.
- في العقود الموقوفة على الوفاة والمعقودة لمدى الحياة، إذا دُفعت ثلاثة أقساط أو أكثر، لا يكون لعدم الدفع من مفعول سوى التخفيض، بالرغم من كل اتفاق مخالف.
انتهاء العقد بفعل المستحقّ:
- إذا تسبّب المستحقّ بقتل المضمون عن قصد أو بفعل منه، ينتهي مفعول العقد حكماً. ويجب على الضامن دفع قيمة الاحتياطي لورثة المضمون إذا دُفعت الأقساط عن ثلاث سنوات أو أكثر.
ضمان الحوادث
عرّفت المادة 1020 ضمان الحوادث بأنه عقد يلتزم الضامن بموجبه بدفع رأس مال أو دخل عند موت المضمون أو عجزه الدائم أو المؤقت إذا كان الموت أو العجز ناجماً عن حادث. وأحال المشرّع إلى أحكام ضمان الحياة مع استثناءين رئيسيين:
- دفع الأقساط إجباري في ضمان الحوادث (المادة 1021)، خلافاً لضمان الحياة.
- لا تُطبّق أحكام التخفيض والإقالة الخاصة بضمان الحياة على ضمان الحوادث.
- وإذا كان المضمون غير الشخص الذي وقّع لائحة الشروط، جاز الاكتفاء بتعيين مهنته أو وظيفته خلافاً لأحكام المادة 998، ولا يُطبَّق في هذه الحالة المنع الوارد في المادة 996 بشأن القاصر الذي لم يُتمّ الخامسة عشرة.
القسم الثالث: الضمان البحري (قانون التجارة البحرية)
تعريف الضمان البحري وخصوصيته
عرّفت المادة 293 الضمان البحري بأنه عقد يرضى بمقتضاه الضامن بتعويض المضمون من الضرر اللاحق به في معرض رحلة بحرية عن هلاك حقيقي لقيمة ما، مقابل دفع قسط، على ألا يجاوز التعويض قيمة الأشياء الهالكة.
والضمان البحري يتميّز عن الضمان البري بعدة سمات:
- ارتباطه بالطابع البحري الذي يحدّده القانون: فيُعدّ الضمان بحرياً بمجرّد عقده على مركب يُنعت بالسفينة ولو لم يتعاطَ الملاحة البحرية (المادة 327)، ويبقى ضمان البضائع بحرياً وإن شمل نقلاً برياً أو نهرياً تابعاً للنقل البحري.
- خضوعه لقواعد خاصة في الترك (التخلّي عن الشيء المضمون مقابل كامل التعويض).
- أحكامه تفسيرية بمعظمها: يجوز مخالفتها بنصّ صريح ما لم يُصرَّح بخلاف ذلك.
تكوين العقد
الشكل: يُنظَّم عقد الضمان البحري خطياً على نسختين أصليتين، ويجب أن يتضمّن: تاريخ العقد، اسم طالب الضمان ومحل إقامته، الأخطار المضمونة وحدود مدتها، المبلغ المضمون، وقيمة القسط. ويجوز تنظيمه لشخص مسمّى أو للأمر أو لحامله.
الاختصاص القضائي: لا يمكن مداعاة الضامنين إلا أمام محكمة مكان توقيع العقد؛ على أنّ للمضمون، إذا وقّع العقدَ وكيلٌ، أن يدّعي أمام محكمة مقام الضامن، وله إذا وُقّع في مكان واحد على أكثر من نصف قيمة الضمان أن يستحضر سائر الضامنين أمام محكمة ذلك المكان.
البطلان بسبب كتمان المعلومات: كل كتمان أو تصريح كاذب من المضمون عند إنشاء العقد، وكل اختلاف بين عقد الضمان وأوراق النقل، يُبطل الضمان متى كان من شأنه التقليل من فكرة الخطر لدى الضامن، حتى في حالة انتفاء نية الاحتيال وحتى لو لم يكن للكتمان تأثير في الضرر أو في هلاك الشيء المضمون؛ ويحتفظ الضامن بكامل القسط إذا ثبتت نية الاحتيال وبنصفه إذا انتفت. وهذا أشدّ من الحكم المقابل في الضمان البري الذي يُميّز بين حسن النية وسوئها.
الفسخ: يمكن للمضمون فسخ العقد ما دامت الأخطار لم تبدأ، ويدفع المضمون الذي لا يستطيع إثبات حالة القوة القاهرة نصف القسط المحدّد في العقد بدل تعويض مقطوع. أما إذا أفلس المضمون أو اشتُهر توقّفه عن الدفع أو تخلّف عن دفع قسط مستحقّ، فيحقّ للضامنين فسخ كل ضمان جارٍ بعد إنذار غير مجدٍ يُبلَّغ إلى محل إقامته ويرمي إلى الدفع أو تقديم كفالة مقبولة خلال أربع وعشرين ساعة، مع تخلّي الضامنين عن القسط بنسبة مدة الأخطار الباقية. وللمضمون الحقوق نفسها في حالة إفلاس الضامن أو توقّفه المشهور عن الدفع.
موجبات المضمون عند وقوع الكارثة: على المضمون أن يبلّغ الضامنين نبأ الكارثة أو الخسارة في مهلة ثلاثة أيام من تسلّمه النبأ، وهي المهلة نفسها المقرّرة في الضمان البرّي. ويزيد القانون البحري على ذلك موجبات فعلية: أن يلطّف بقدر الإمكان من تأثير الخطر، وأن يتّخذ كل التدابير الواقية، وأن يشرف على أعمال إنقاذ الأشياء المضمونة أو يجريها بنفسه، وأن يحفظ حقّ الادعاء على المسؤولين من الغير (المادة 305)، وهذا الموجب الأخير هو ما يحفظ للضامن حقّ الحلول اللاحق.
الكشف عن الخسائر عند التسلّم: على متسلّمي البضاعة، تحت طائلة عدم قبول الدعوى، أن يتّصلوا بعملاء الضامنين أو وكلائهم المذكورين في الوثيقة، وإلا فبالسلطة المحلية المختصة، لإجراء الكشف عن الهلاك والخسائر، وأن يُتمّوا هذا الكشف خلال ثمانية أيام تلي وضع الناقل البضاعة تحت تصرّفهم، على ألا تتجاوز المهلة ثلاثين يوماً من وصول البضاعة إلى المحلّ المقصود، ولا تسري مهلة الثلاثين يوماً على من يثبت أنه كان يجهل الوصول.
موضوع الضمان البحري
يمكن أن يشمل الضمان البحري: السفينة ولواحقها والسفينة قيد الإنشاء، نفقات التجهيز، أجرة البحّارة، أجرة السفينة، المبالغ المقترضة بقرض بحري، البضائع، النقود، السندات المالية، والربح المأمول، أي كل الأشياء القابلة لثمن مالي والمعرّضة لأخطار الملاحة.
مبدأ التعويض المطلق: كما في الضمان البري، يتحتّم أن يكون الضمان البحري عقد تعويض: لا يجوز أن يُصبح المضمون بعد الطارئ في حالة مالية أحسن مما كان عليها. وإذا فاق المبلغ المضمون قيمة الشيء، فالعقد صحيح فقط بقدر القيمة الحقيقية، ولا يحقّ للضامن استيفاء القسط عن المقدار الزائد.
إعادة الضمان: كما في القانون العام، يجوز للضامن البحري أن يُضمِّن عند الغير، ويبقى مسؤولاً وحده تجاه المضمون. كما يجوز للمضمون أن يضمن بدل الضمان نفسه.
المخاطر المضمونة والمستثناة
المخاطر المضمونة: يتحمّل الضامنون كل هلاك وضرر ناتج عن: العاصفة، الغرق، التنشيب على البرّ، التصادم، الإرساء الجبري، التغيير الجبري للطريق، الطرح في البحر، الحريق، الانفجار، النهب، الضرر المتعمّد من البحّارة، والسرقة، أي عموماً كل الطوارئ والحوادث البحرية.
مخاطر الحرب: لا تكون مخاطر الحرب على عاتق الضامن إلا باتفاق خاص. وعند الاتفاق عليها، يشمل الضمان الأعمال العدائية وأعمال الثأر والتوقيف والضبط من أية حكومة.
الاستثناءات: يُعفى الضامن من:
- الأخطاء المقصودة أو غير الحرية بالمعذرة من المضمون أو ممثليه.
- غش الربان وخداعه في ضمان جرم السفينة إذا كان الربان من اختيار مجهّز السفينة.
- أعمال الغش والخداع التي يقترفها الربان، والحوادث الناتجة عن خرق الحصار أو التهريب أو التجارة الممنوعة أو السرية، ما لم يكن الربان قد استُبدل بغير رضى مجهّز السفينة أو ممثله.
- الهلاك الناتج عن عيب خاصّ في الشيء المضمون، ما لم يُشترط العكس، وما لم يكن الضمان على جرم السفينة وكان فيها عيب خفي لم يكن بمقدور مجهّز متيقّظ تقديره ولا منعه.
- التأخير بالإرسال وفروق الأسعار والعوائق التجارية.
مدة المخاطر: إذا لم تُحدَّد في العقد، تجري المخاطر في ضمان جرم السفينة من وقت الإقلاع إلى وقت الإرساء في المكان المقصود. أما في ضمان البضائع، الذي يسمّيه النصّ الضمان على السفينة المجهّزة، فتجري من ترك البضاعة اليابسة بقصد شحنها إلى وضعها على الأرض في مكان الوصول، وتكون مخاطر النقل المباشر بالقوارب بين اليابسة والسفينة على عاتق الضامنين.
تحديد التعويض وتسديده
الخسائر البحرية
كل أضرار وهلكات لا تفسح مجالاً للترك تُعدّ خسائر بحرية وتُسوّى وفقاً لقواعد خاصة:
- خسائر السفينة: يُحدَّد الضرر بالنظر إلى قيمة السفينة في حال الهلاك الكلي (المادة 351)، ولا يدخل في التحديد إلا ثمن التبديل والترميم الثابت بقوائم الحساب.
- خسائر البضائع: يجري التحديد بقياس قيمتها بعد الخسارة على قيمتها السليمة في المرفأ المقصود، ثم تطبيق نسبة الانخفاض على القيمة المضمونة.
- الإعفاءات (الخصومات): يمكن اشتراط إعفاءات في الوثائق تمنع التعويض إذا لم يجاوز الضرر قدراً معيّناً، وتُحسم من التعويض إذا فاقه.
التعويضات تُدفع نقداً بعد ثلاثين يوماً من تسليم الأوراق الثبوتية.
الترك (Abandonment)
الترك هو آلية خاصة بالضمان البحري لا نظير لها في الضمان البري: يحقّ للمضمون في حالات بالغة الخطورة أن يتخلّى عن الشيء المضمون لصالح الضامن ويطالب بكامل التعويض.
حالات ترك السفينة:
- انقطاع الأخبار: أربعة أشهر للسفن البخارية، وستة أشهر للسفن الشراعية، وثمانية أشهر للشراعية التي تعبر رأسَي هورن والرجاء الصالح، وتجري المهل من تاريخ تسلّم آخر الأخبار
- الاختفاء
- الإتلاف الكلي
- عدم الصلاح للملاحة بسبب حادث بحري قاهر
- الضبط أو التوقيف بأمر السلطة (في حال ضمان مخاطر الحرب)
تُعدّ السفينة غير صالحة للملاحة إذا فاق مجموع بدل الترميم ثلاثة أرباع القيمة المقبولة.
حالات ترك البضائع:
- انقطاع الأخبار
- عدم صلاح السفينة للسفر إذا تعذّر نقل البضائع خلال مهل محدّدة
- بيع البضائع أثناء السفر بسبب أضرار مادية
- هلاك أو تلف يبلغ ثلاثة أرباع القيمة المضمونة
أحكام الترك:
- لا يمكن أن يكون جزئياً ولا مقيّداً بشرط.
- انتقال الملكية الناتج عن الترك نهائي ولا يُرجع عنه.
- يُصبح الضامن مالكاً للأشياء المضمونة من وقت وقوع الكارثة.
- يسقط حقّ دعوى الترك بمرور ستة أشهر.
الحلول (Subrogation)
كما في الضمان البري، إذا دفع الضامن البحري عن هلاك أو ضرر تقع تبعتهما على شخص ثالث، حلّ محلّ المضمون في حقوقه ودعاويه.
التقادم
تسقط بمرور سنتين من تاريخ استحقاق الدين الدعاوى المتفرّعة عن عقد الضمان البحري، في ما خلا الدعاوى التي يقرّر لها القانون مهلة أقصر كدعوى الترك (المادة 371)، ما لم يُثبت المدّعي استحالة رفع الدعوى.
مقارنة بين الضمان البري والضمان البحري
| المسألة | الضمان البري (قانون الموجبات) | الضمان البحري (قانون التجارة البحرية) |
|---|---|---|
| التعريف | المادة 950، عقد عام يشمل كل أنواع الطوارئ | المادة 293، ذو طابع بحري وفقاً للمادتين 327 و328 |
| كتمان المعلومات | يُميَّز بين حسن النية وسوئها | إبطال متى كان الكتمان من شأنه التقليل من فكرة الخطر، ولو بانتفاء نية الاحتيال (م. 297) |
| الترك (Abandonment) | لا يوجد | آلية أساسية: تخلٍّ عن الشيء مقابل كامل التعويض (م. 362-379، وأصلها م. 349) |
| مخاطر الحرب | مستثناة ما لم يُتَّفق على العكس؛ على الضامن إثبات نشوء الضرر عنها، وكل نصّ يُلقي هذا الإثبات على المضمون باطل (م. 969) | مستثناة ما لم يُتَّفق على خلافه؛ وعلى ضامني المخاطر العادية إثبات الخطر الحربي (م. 329) |
| الإبلاغ عن الطارئ | ثلاثة أيام من تاريخ العلم (م. 974 ف4) | ثلاثة أيام من تسلّم النبأ، مع موجبات الوقاية والإنقاذ وحفظ حقّ الرجوع (م. 305) |
| الأنواع ذات الفصول الخاصة | الحريق، الحياة، الحوادث | السفينة، البضائع، الأجرة، الربح المأمول (م. 310) |
| التقادم | سنتان من تاريخ الحادث (م. 985) | سنتان من استحقاق الدين (م. 380) |
| طبيعة الأحكام | معظمها تفسيرية (م. 953) | معظمها تفسيرية (م. 294) |
خلاصة
نظّم المشرّع اللبناني عقد الضمان في إطارين متكاملين: إطار عام في قانون الموجبات والعقود يضع المبادئ الأساسية ويُنظّم الضمان البري بأنواعه (الحريق، الحياة، الحوادث)، وإطار خاص في قانون التجارة البحرية للضمان البحري بآلياته المتميّزة كالترك وتسوية الخسارة البحرية بين الضامن والمضمون.
والجامع بين الإطارين، في ضمان الأموال والضمان البحري دون ضمان الحياة وضمان الحوادث التي تصيب الأشخاص، حيث يُعيَّن رأس المال أو الدخل في لائحة الشروط (المادتان 957 و1020)، هو مبدأ التعويض: فلا يجوز أن يجعل الضمان المضمون في حالة أحسن ممّا كان عليه لو لم يقع الطارئ. كما يشتركان في آلية الحلول التي تُمكّن الضامن، بعد الدفع، من الرجوع على المسؤول عن الضرر.
أما الفارق الأبرز فيكمن في آلية الترك الخاصة بالضمان البحري، وهي التخلّي عن الشيء المضمون للضامن مقابل كامل المبلغ المضمون في الحالات التي حصرها القانون، كانقطاع الأخبار وعدم صلاح السفينة للملاحة.
هل لديك نزاع مع شركة ضمان؟
مكتب كلاس للمحاماة يتولّى هذا النوع من الملفات أمام المحاكم والدوائر الرسمية في لبنان. تواصلوا معنا.