المحاكم المدنية في لبنان: التنظيم والاختصاص وطرق الطعن
مقدمة
يقوم النظام القضائي المدني اللبناني، كما نظّمه المرسوم الاشتراعي رقم 90 تاريخ 16/9/1983 (قانون أصول المحاكمات المدنية)، على هيكلية متدرجة واضحة المعالم تتوزع بين ثلاث درجات قضائية: محاكم الدرجة الأولى، ومحاكم الاستئناف، ومحكمة التمييز (المادة 83). يضاف إليها جهات قضائية متخصصة تمارس صلاحيات محددة كقاضي الأمور المستعجلة ورئيس دائرة التنفيذ.
إن فهم هذه الهيكلية ليس ترفاً أكاديمياً بل ضرورة عملية للمحامي، إذ أن الخطأ في تحديد المرجع المختص قد يؤدي إلى ردّ الدعوى شكلاً وضياع حقوق الموكل. كما أن معرفة طرق الطعن ومهلها ومفاعيلها تحدد استراتيجية التقاضي منذ المرحلة الابتدائية.
يتناول هذا المقال التنظيم القضائي المدني من زاوية عملية، مع التركيز على قواعد الاختصاص والعتبات المالية والمهل وطرق الطعن، مدعوماً بمخططات توضيحية تسهّل الرجوع إليها في العمل اليومي. وأرقام المواد الواردة فيه، ما لم يُذكر خلاف ذلك، هي مواد قانون أصول المحاكمات المدنية.
الهيكلية القضائية المدنية
الدرجات الثلاث
نصّت المادة 83 من قانون أصول المحاكمات المدنية على ثلاث درجات للمحاكم المدنية العادية:
ثلاثة قضاة لكل غرفة (المادة 16 من قانون تنظيم القضاء العدلي)
اختصاصها: المادة 93
قاضٍ واحد (المادة 86)
الدعاوى التي لا تزيد قيمتها على 5 مليارات ل.ل.
رئيس وعضوان (المادة 85)
الاختصاص العام (المادة 90)
يُشكّل القاضي المنفرد المدني والغرفة الابتدائية معاً محاكم الدرجة الأولى (المادة 85). ويتحدد الاختصاص بينهما بالقيمة المالية للنزاع وبطبيعة الدعوى.
اختصاص القاضي المنفرد المدني (المادة 86)
حددت المادة 86، المعدّلة بالمرسوم رقم 13909 تاريخ 12/9/2024، اختصاص القاضي المنفرد المدني على أساسين: مالي ونوعي.
الأساس المالي: الدعاوى الشخصية والدعاوى المتعلقة بمنقول أو غير منقول التي لا تزيد قيمتها على خمسة مليارات ليرة لبنانية.
الأساس النوعي: بصرف النظر عن القيمة:
- دعاوى النفوس، باستثناء ما يتعلق بالجنسية
- طلبات حصر الإرث، ما لم يعترضها نزاع حول تعيين الورثة أو تحديد الأنصبة الإرثية
- الدعاوى المتعلقة بعقود إيجار المنقول وغير المنقول والإدارة الحرة مهما كانت قيمة البدل، والدعاوى المتعلقة بالأشغال مع الطلبات والدفوع الملازمة لها
- دعاوى الحيازة
- دعاوى منع التعرض لحق الري
- الدعاوى المتعلقة بحقوق الارتفاق
- دعاوى تعيين الحدود
- دعاوى قضاء الأمور المستعجلة (المادة 579)
وذلك مع مراعاة الاختصاص العائد للقاضي العقاري.
اختصاص الغرفة الابتدائية (المادة 90)
الغرفة الابتدائية هي المحكمة العادية ولها اختصاص عام في القضايا المدنية والتجارية، ولا يخرج عن هذا الاختصاص إلا ما كان متروكاً بنص خاص إلى محكمة أخرى، أي أنه إذا لم يوجد نص يسند الاختصاص لجهة أخرى، فالغرفة الابتدائية هي المختصة.
قاعدة الإحالة الإدارية (المادة 91)
من أهم القواعد العملية التي أرساها المشرع أنه إذا أقيمت أمام الغرفة الابتدائية دعوى تدخل في اختصاص القاضي المنفرد التابع معها لمحكمة الدرجة الأولى نفسها (أو العكس)، فإن الدعوى تُحال إدارياً دون حاجة إلى تقديم دعوى جديدة. ويجوز للخصوم، بعد إقامة الدعوى، الاتفاق على أن يفصل فيها المرجع المقامة أمامه وإن لم يكن هو المختص بحسب قيمتها.
القاضي المنفرد بأدواره الثلاثة
من أبرز خصائص النظام القضائي اللبناني أن القاضي المنفرد المدني يمارس ثلاثة أدوار مختلفة بموجب القانون ذاته. ويجمع القانون للقاضي المنفرد ثلاث صفات، لكل منها نظام إجرائي مستقل:
الدعاوى المدنية والتجارية
حتى 5 مليارات ل.ل.
والاختصاص النوعي
التدابير المستعجلة
دون التعرض لأصل الحق
قراراته معجّلة التنفيذ
أمور التنفيذ
وأساس المشاكل المتعلقة بإجراءاته
الأهمية العملية: عندما يُصدر القاضي قراراً بصفته قاضياً للأمور المستعجلة، تختلف مهل الطعن وآثاره اختلافاً جذرياً عن قراراته بصفته قاضياً مدنياً. فقرارات القضاء المستعجل معجّلة التنفيذ بدون كفالة ما لم يأمر القاضي بتقديمها، وله عند الضرورة أن يأمر بتنفيذ القرار على أصله (المادة 585). ولا تقبل هذه القرارات الاعتراض، ويجوز استئنافها، في الأمور التي يجوز فيها استئناف أحكام محاكم الدرجة الأولى، خلال ثمانية أيام من تاريخ التبليغ، والاستئناف لا يوقف التنفيذ (المادة 586). في المقابل، مهلة استئناف الأحكام المدنية العادية ثلاثون يوماً.
العتبات المالية وطرق الطعن
جدول العتبات (تعديل 2024)
ضاعف المرسوم رقم 13909 تاريخ 12/9/2024، بمادة واحدة، جميع المبالغ الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية خمسين مرة، فأصبحت العتبات المالية في المواد 86 و640 و641 و709 على ما يلي. وتُحدد هذه العتبات ثلاثة أمور حاسمة: المرجع المختص ابتداءً، قابلية الحكم للاستئناف، وقابلية القرار الاستئنافي للتمييز. ويُعتد بقيمة المتنازع عليه بتاريخ تقديم الطعن (المادتان 640 و709).
| قيمة المتنازع عليه | المرجع الابتدائي | الاستئناف | التمييز |
|---|---|---|---|
| لا تتجاوز 150 مليون ل.ل. (المادة 640) |
القاضي المنفرد | لا يُستأنف الحكم إلا للأسباب الخمسة المحددة في المادة 641 |
لا تمييز مباشر للحكم الابتدائي (المادة 704). أما القرار الصادر عن محكمة الاستئناف في طعن يستند إلى المادة 641، فيقبل التمييز في حدود أسباب المادة 709 |
| أكثر من 150 مليون ولا تزيد على 300 مليون ل.ل. (المادة 709) |
القاضي المنفرد | استئناف كامل | تمييز مقيّد بالأسباب الثاني والثالث والرابع والخامس والثامن من المادة 708 |
| أكثر من 300 مليون ولا تزيد على 5 مليارات ل.ل. (المادة 86) |
القاضي المنفرد | استئناف كامل | تمييز كامل |
| تزيد على 5 مليارات ل.ل. (المادتان 85 و90) |
الغرفة الابتدائية ما لم تدخل الدعوى في الاختصاص النوعي للقاضي المنفرد بموجب المادة 86 |
استئناف كامل | تمييز كامل |
| دعاوى غير مقدّرة القيمة | بحسب نوع الدعوى (المادة 86 أو 90) | القاعدة العامة: كل أحكام الدرجة الأولى تقبل الاستئناف إلا بنص (المادة 639) | وفق المادة 704 |
ملاحظة عملية: الأسباب التي تجيز استئناف الحكم رغم عدم بلوغه نصاب الاستئناف محددة حصراً في المادة 641: عدم الاختصاص الوظيفي أو النوعي؛ بطلان الحكم لعيب فيه أو بطلان الإجراءات الجوهرية التي بُني عليها؛ التناقض في منطوق الحكم الذي يتعذر معه تنفيذه؛ إغفال الفصل في أحد المطالب؛ الحكم بما لم يُدَّعَ به أو بأكثر مما ادُّعي به. ويلاحظ أن المادة 641 بصيغتها الحالية تذكر سقفاً (أربعين مليون ليرة) مختلفاً عن سقف المادة 640 (ماية وخمسين مليون ليرة): فقد بقي رقم المادة 641 دون تعديل صريح سنة 1996، خلافاً للمادتين 640 و709، ويُعمل اجتهاداً بأسبابها خارج الرقم الحرفي الوارد فيها، فيما بقي التعارض النصي قائماً.
أسباب التمييز في القضايا التي لا تزيد قيمتها على 300 مليون (المادة 709): تُحيل المادة 709 إلى خمسة من الأسباب الثمانية المعددة في المادة 708، وهي: مخالفة قواعد الاختصاص الوظيفي أو النوعي (الثاني)، التناقض في الفقرة الحكمية للقرار الواحد بحيث يستحيل تنفيذه (الثالث)، إغفال الفصل في أحد المطالب (الرابع)، الحكم بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه (الخامس)، والتناقض بين حكمين صادرين بالدرجة الأخيرة في ذات الدعوى (الثامن). أما الأسباب الأخرى، وهي مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تفسيره (الأول) وفقدان الأساس القانوني (السادس) وتشويه مضمون المستندات (السابع)، فلا يُقبل الطعن بها في هذه القضايا.
طرق الطعن ومهلها
التصنيف العام (المادة 630)
صنّف المشرع طرق الطعن إلى نوعين: الطرق العادية وهي الاعتراض والاستئناف، والطرق غير العادية وهي اعتراض الغير وإعادة المحاكمة وطلب التمييز، وتلحق بها مداعاة الدولة بشأن المسؤولية الناجمة عن أعمال القضاة. ولا يجوز استعمال الطرق غير العادية إلا في الأحوال المعينة في القانون (المادة 669)، ولا يكون من شأنها مبدئياً وقف تنفيذ الحكم، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك أو تقرر المحكمة وقف التنفيذ لأسباب جدية (المادتان 630 و668). أما الطرق العادية فيحول قيامها دون صيرورة الحكم قطعياً (المادة 553)، فلا يكتسب القوة التنفيذية ما لم يكن معجل التنفيذ (المادة 564).
| الطعن | التصنيف | المرجع | المهلة | أثره على التنفيذ |
|---|---|---|---|---|
| الاعتراض على الحكم الغيابي فقط (المادتان 468 و631) |
عادي | المحكمة التي أصدرت الحكم (المادة 633) | 15 يوماً من التبليغ (المادة 632) | يحول دون اكتساب الحكم القوة التنفيذية ما لم يكن معجل التنفيذ |
| الاستئناف | عادي | محكمة الاستئناف | 30 يوماً، أو 8 أيام في الحالات المبينة أدناه (المادة 643) | يحول دون اكتساب الحكم القوة التنفيذية ما لم يكن معجل التنفيذ |
| اعتراض الغير | غير عادي | الأصلي: المحكمة التي أصدرت الحكم (المادة 680)؛ الطارئ: المحكمة الناظرة في الدعوى الأخرى (المادة 681) | شهران من تبليغ المعترض الحكم أو أي إجراء من إجراءات تنفيذه؛ وإن لم يُبلَّغ بقي الحق قائماً حتى مرور الزمن؛ والطارئ بلا مهلة (المادة 679) | لا يوقف التنفيذ ما لم تقرر المحكمة ذلك (المادة 668) |
| إعادة المحاكمة | غير عادي | المحكمة التي أصدرت الحكم (المادة 694) | ثلاثون يوماً من العلم بالسبب إذا كان الحكم قد أصبح قطعياً وأُبلغ قبل العلم؛ وإلا فمن تبليغه إن كان قطعياً، أو من تاريخ صيرورته قطعياً بعد التبليغ (المادة 692) | لا يوقف التنفيذ ما لم تقرر المحكمة ذلك (المادة 668) |
| التمييز | غير عادي | محكمة التمييز | شهران من التبليغ (المادة 710) | لا يوقف التنفيذ ما لم تقرر المحكمة ذلك (المادة 668) |
| مداعاة الدولة | ملحق بالطرق غير العادية | الهيئة العامة لمحكمة التمييز | شهران؛ وإذا بُنيت الدعوى على الغش أو الخداع أو الرشوة ولم يُعرف السبب إلا بعد التبليغ، فمن تاريخ العلم به (المادة 744) | لا توقف التنفيذ ما لم تقرر الهيئة العامة ذلك (المادة 749) |
مهل الاستئناف حسب نوع القضية
تحدد المادة 643 مهلة الاستئناف، ما لم يعيّن القانون مهلة خاصة:
- 8 أيام من تاريخ تبليغ الحكم: لاستئناف أحكام قاضي الأمور المستعجلة، والأحكام الفاصلة في مشاكل التنفيذ الصادرة عن رئيس دائرة التنفيذ، والقرارات القاضية بتدابير مؤقتة، وذلك متى كان الحكم قابلاً للاستئناف أصلاً
- 30 يوماً من تاريخ تبليغ الحكم الوجاهي: لاستئناف سائر أحكام محاكم الدرجة الأولى
تسري مهل الطعن من تاريخ تبليغ الحكم لا من تاريخ صدوره، ما لم ينص القانون على تاريخ آخر (المادة 616 والفقرة الأخيرة من المادة 643)، وتسري بحق طالب التبليغ والمبلَّغ إليه في آن واحد. ويترتب على فوات المهلة سقوط الحق في الطعن، وتقضي المحكمة بالسقوط من تلقاء نفسها (المادة 618).
الطعن في الأوامر على العرائض
الأوامر على العرائض (المواد 604 إلى 612) لا تخضع لمهلة الاستئناف العادية، بل لطرق الطعن المقررة للقرارات الرجائية، بإحالة المادة 610 إلى المواد 596 و597 و599 إلى 603:
- إذا رُفض الطلب، كان للمستدعي الطعن في قرار الرفض خلال ثمانية أيام من تاريخ التبليغ (المادة 603): بطريق الاعتراض أمام الغرفة الابتدائية إذا صدر الرفض عن رئيسها، وبطريق الاستئناف إذا صدر عن القاضي المنفرد أو عن الغرفة الابتدائية. ويُقدَّم الاستئناف بواسطة قلم القاضي أو المحكمة التي أصدرت القرار، فيكون لها الرجوع عنه أو تعديله وإلا أحالت الملف إلى محكمة الاستئناف التي تفصل فيه وفق الأصول المتبعة في المسائل الرجائية؛ والاستئناف المقدَّم مباشرة إلى محكمة الاستئناف عرضة للرد شكلاً. وتكون المهلة ثلاثين يوماً بالنسبة إلى الدولة والمؤسسات العامة ذات الصفة الإدارية.
- إذا صدر الأمر، كان للغير المتضرر منه الاعتراض عليه خلال ثمانية أيام من تاريخ تبليغه الأمر أو أي إجراء من إجراءات تنفيذه (المادة 601 معطوفة على المادة 610)، ويُنظر في الاعتراض وفق الأصول المتبعة لدى قاضي الأمور المستعجلة؛ ويُقدَّم الاعتراض على الأمر الصادر عن رئيس الغرفة الاستئنافية إلى هذه الغرفة (المادة 610).
- الأمر معجّل التنفيذ على أصله بقوة القانون وبدون كفالة ما لم يشترط القاضي تقديمها (المادة 609)، ويسقط إذا لم يُقدَّم للتنفيذ خلال ثلاثين يوماً من صدوره، أو من صدور القرار برفض الطعن عليه (المادة 612).
أما المادة 607 فلا تتعلق بمهل الطعن، بل توجب على القاضي أن يصدر أمره، معللاً، خلال يومين على الأكثر من تقديم العريضة.
أسباب التمييز في المواد المدنية (المادة 708)
حدد المشرع ثمانية أسباب للطعن بطريق التمييز:
- مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تفسيره، على أن يبيّن الطاعن النص أو المبدأ أو القاعدة القانونية الواقعة عليها المخالفة وأوجهها
- مخالفة قواعد الاختصاص الوظيفي أو النوعي
- التناقض في الفقرة الحكمية للقرار الواحد بحيث يستحيل تنفيذه
- إغفال الفصل في أحد المطالب
- الحكم بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه
- فقدان الأساس القانوني للقرار، بحيث جاءت أسبابه الواقعية غير كافية أو غير واضحة لإسناد الحل القانوني المقرر فيه
- تشويه مضمون المستندات بذكر وقائع خلافاً لما وردت عليه فيها أو بمناقضة المعنى الواضح والصريح لنصوصها
- التناقض بين حكمين صادرين بالدرجة الأخيرة في ذات الدعوى عن محكمتين مختلفتين أو عن محكمة واحدة
قاعدة جوهرية (المادة 734): في حال نقض القرار المطعون فيه، لمحكمة التمييز أن تفصل مباشرة في موضوع القضية إذا كانت جاهزة للحكم، وإلا عيّنت موعداً لسماع المرافعات أو لإجراء ما تراه ضرورياً من تحقيق، وتحكم في القضية من جديد في الواقع والقانون. فهي لا تعيد الدعوى إلى محكمة الاستئناف. ولا يجوز الطعن في القرارات الصادرة عن محكمة التمييز بأي طريق من طرق الطعن، مع مراعاة أحكام المادة 737 فقرة 3 والأحكام المتعلقة بمداعاة الدولة (المادة 732). ويقارَب هذا الحل في المواد الجزائية، حيث تُنشر الدعوى العامة بعد النقض أمام محكمة التمييز التي تخلص إلى الفصل فيها (المادة 298 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
طرق الطعن بحسب نوع الدعوى
الدعوى المدنية العادية
حتى 5 مليارات ل.ل.
أكثر من 5 مليارات ل.ل.، ما لم تدخل الدعوى في الاختصاص النوعي للقاضي المنفرد (المادة 86)
تفصل في الموضوع بنفسها بعد النقض، لا إعادة (المادة 734)
القضاء المستعجل
التحكيم
ما لم يعدل عنه الخصوم في اتفاقية التحكيم؛ وقرار المحكم المطلق لا يُستأنف ما لم يحتفظوا صراحة بحق الاستئناف (المادة 799)
عند العدول عن الاستئناف، أو عند عدم الاحتفاظ صراحة به أمام المحكم المطلق، رغم أي اتفاق مخالف، ولأسباب محددة حصراً (المادة 800)
الاختصاص المكاني (المواد 96-113)
إلى جانب الاختصاص النوعي والقيمي، يجب تحديد المحكمة المختصة مكانياً. وضع المشرع قاعدة عامة واستثناءات:
القاعدة العامة (المادة 97): محكمة مقام المدعى عليه؛ وعند تعدد المدعى عليهم، محكمة مقام أحدهم المختصَم بصورة أصلية. (المادة 96 تُقسّم الاختصاص المكاني إلى عادي نسبي واستثنائي إلزامي.)
الاستثناءات الأبرز (الاختصاص العادي، المواد 98-106):
- الدعاوى العينية العقارية (المادة 98): محكمة موقع العقار، بما فيها الحيازة والقسمة العقارية؛ وإذا تعددت العقارات فمحكمة مكان أحدها
- الدعاوى المختلطة وإجارة العقار (المادة 99): محكمة مكان العقار أو محكمة المدعى عليه، باختيار المدعي
- العقود المدنية أو التجارية (المادة 100): محكمة مقام المدعى عليه، أو المحكمة التي أُبرم العقد في دائرتها واشتُرط تنفيذ أحد الالتزامات الرئيسية فيها، أو المحكمة التي اشتُرط تنفيذ العقد بكامله في دائرتها
- الشخص المعنوي/الشركات (المادة 101): محكمة المركز الرئيسي، أو محكمة الفرع في المنازعات الناشئة عن التعاقد معه أو عن عمله
- الأفعال الضارة، جرم أو شبه جرم (المادة 102): محكمة مقام المدعى عليه أو المحكمة التي وقع في دائرتها الفعل الضار أو الضرر
- الإرث (المادة 105): في حال تعدد الورثة وحتى انتهاء القسمة، دعاوى الإرث في ما بينهم، أو بينهم وبين الموصى لهم أو دائني التركة: محكمة محل افتتاح التركة
الاختصاص المكاني الإلزامي (المواد 107-112): تُعلن المادة 107 إلزامية القواعد التالية، ومنها الإفلاس (المادة 108) وعقود الضمان (المواد 109-111)، فلا يجوز الاتفاق على خلافها.
إمكانية الاتفاق: الاختصاص المكاني العادي نسبي (المادة 96)، فيجوز للأطراف الاتفاق على خلافه ما لم يكن من النظام العام. أما المادة 113 فتتعلق بنطاق اختصاص محكمة الاستئناف المكاني (نظرها في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الكائنة في منطقتها)، لا باتفاق الأطراف.
مداعاة الدولة بشأن أعمال القضاة (المواد 741-761)
أفرد المشرع طريق طعن خاصاً يتيح مداعاة الدولة عن أعمال القضاة أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز. وتجوز هذه المداعاة في جميع الحالات التي يجيزها نص خاص وفي الحالات الأربع التالية (المادة 741):
- الاستنكاف عن إحقاق الحق
- الخداع أو الغش
- الرشوة
- الخطأ الجسيم الذي يفترض أن لا يقع فيه قاضٍ يهتم بواجباته الاهتمام العادي
تُقدّم الدعوى خلال شهرين من تاريخ تبليغ الحكم أو الإجراء، أو من تاريخ توافر شروط الاستنكاف عن إحقاق الحق؛ وإذا بُنيت على الغش أو الخداع أو الرشوة ولم يُعرف هذا السبب إلا بعد التبليغ، فمن تاريخ العلم به (المادة 744)، بموجب استحضار موجّه إلى الدولة يبيّن الحكم أو التصرّف المشكوّ منه وأسبابه وأدلّته، مع إدخال المحكوم لهم في المحاكمة (المادة 745). ولا تقبل قرارات الهيئة العامة أي طريق من طرق الطعن (المادة 738).
نصائح عملية للمحامي
عند رفع الدعوى
- حدّد القيمة بدقة. فالعتبة المالية تحدد المرجع المختص وطرق الطعن المتاحة. خطأ التقدير قد يكلّف فقدان درجة من درجات التقاضي.
- تحقق من الاختصاص المكاني. لا تعتمد حصراً على القاعدة العامة (مقام المدعى عليه، المادة 97). استثناءات المواد 98-106 قد تتيح لك اختيار محكمة أقرب لموكلك أو أكثر ملاءمة.
- فكّر بالقضاء المستعجل أولاً. إذا كانت هناك حاجة لتدابير فورية (وصف الحالة، وضع الأختام، جرد الموجودات، الحراسة القضائية، المادة 589)، قدّم طلباً أمام قاضي الأمور المستعجلة بالتوازي مع الدعوى الأساسية. قراراته معجّلة التنفيذ.
عند استلام حكم ابتدائي
- احسب المهل بدقة. المهلة تسري من تاريخ التبليغ لا من تاريخ صدور الحكم. تأخير التبليغ قد يمنحك وقتاً إضافياً، لكن لا تعتمد على ذلك.
- ميّز بين مهل 8 أيام و30 يوماً: إذا كان الحكم صادراً عن القضاء المستعجل أو في مشاكل التنفيذ أو قاضياً بتدبير مؤقت، وكان قابلاً للاستئناف وفق المادة 586، فالمهلة 8 أيام فقط.
- لا تنسَ أن الاستئناف يعيد النظر كاملاً. يطرح الاستئناف القضية مجدداً أمام محكمة الاستئناف للفصل فيها من جديد في الواقع والقانون (المادة 659)، ويجوز للخصوم التذرع بأسباب ودفوع وأوجه دفاع جديدة وتقديم مستندات وأدلة جديدة (المادة 661). أما الطلبات الجديدة فلا تُقبل إلا في الحدود التي رسمتها المادة 662.
عند الطعن بالتمييز
- حدّد السبب من الأسباب الثمانية. التمييز ليس درجة ثالثة للتقاضي. يجب أن يستند طعنك إلى سبب محدد من أسباب المادة 708.
- تذكّر أن محكمة التمييز تفصل في الموضوع. محكمة التمييز لا تعيد الدعوى إلى محكمة الاستئناف بعد النقض بل تفصل بنفسها (المادة 734). لذلك يجب أن يكون ملف الطعن متكاملاً من حيث الوقائع والأدلة.
خلاصة
يتميز النظام القضائي المدني اللبناني بتنظيم دقيق يوازن بين تسهيل الوصول إلى القضاء من خلال تعدد المراجع ودرجات التقاضي، وبين الحدّ من الإفراط في الطعون عبر عتبات مالية ومهل صارمة. ويكتسي فهم هذا النظام أهمية حاسمة للمحامي، ليس فقط لتفادي الأخطاء الإجرائية بل لرسم استراتيجية تقاضٍ فعّالة منذ المرحلة الابتدائية وصولاً إلى محكمة التمييز. إن الإلمام بالعتبات المالية ومهل الطعن وصلاحيات كل مرجع قضائي يشكّل الأساس الذي يُبنى عليه كل عمل قضائي ناجح.
هل لديك دعوى أمام المحاكم المدنية؟
مكتب كلاس للمحاماة يتولّى هذا النوع من الملفات أمام المحاكم والدوائر الرسمية في لبنان. تواصلوا معنا.