طلبات إعادة الاعتبار في قانون العقوبات اللبناني
إعادة الاعتبار ليست إجراءً شكلياً، بل وسيلة قانونية لإعادة إدماج المحكوم عليه في المجتمع، بإبطال مفاعيل الحكم للمستقبل بعد استيفاء شروط محدّدة. يعرض هذا الدليل النصوص الناظمة، وشروط إعادة الاعتبار القضائية وإجراءات طلبها أمام الهيئة الاتهامية، ثم يوضح الفرق بينها وبين إعادة الاعتبار الحكمية، وآثار كلٍّ منهما.
أولاً: النصوص القانونية الأساسية
- المادة 147 من قانون العقوبات: تعدّ إعادة الاعتبار من الأسباب التي تُسقط الأحكام الجزائية.
- المادة 159 من قانون العقوبات: تحدّد شروط إعادة الاعتبار القضائية (انقضاء المدة، عدم صدور حكم لاحق، تنفيذ الالتزامات المدنية، وثبوت الصلاح).
- المادة 160 من قانون العقوبات: تنظّم إعادة الاعتبار الحكمية، التي يكتسبها المحكوم عليه بعقوبة جنحية بقوة القانون بمجرد مرور المدة التي حدّدها النص دون أن يُقضى عليه خلالها بالحكم الذي يقطعها (الحبس أو الإقامة الجبرية أو عقوبة أشدّ في العقوبة المانعة أو المقيّدة للحرية؛ الغرامة الجنحية أو عقوبة أشدّ في الغرامة)، ولا تملك الهيئة الاتهامية رفضها.
- المادة 161 من قانون العقوبات: تحدّد آثار إعادة الاعتبار.
- المواد 128 و144 و145 و146 من قانون أصول المحاكمات الجزائية: تحدّد المرجع المختص (الهيئة الاتهامية) وأصول تقديم الطلب والبتّ فيه، وتسري هذه الأصول على إعادة الاعتبار بنوعيها، القضائية والحكمية.
ثانياً: شروط إعادة الاعتبار القضائية (المادة 159 عقوبات)
1. انقضاء المدة:
- سبع سنوات في الجناية.
- ثلاث سنوات في الجنحة.
- تسري المدة من تنفيذ العقوبة وما قد يلازمها من تدبير احترازي مانع للحرية، أو من سقوطها بمرور الزمن.
- إذا كانت العقوبة التجريد المدني، جرت المدة من اليوم الذي أصبح فيه القرار مبرماً؛ وعند الحكم بالحبس الإضافي، من انقضاء أجل هذه العقوبة.
- إذا كانت العقوبة الغرامة، جرت المدة من يوم الأداء أو انقضاء أجل الحبس المستبدل.
- تُضاعَف المدة إذا كان المحكوم عليه مكرِّراً بالمعنى القانوني، أو إذا سبق أن مُنح إعادة الاعتبار (أربع عشرة سنة في الجناية وست سنوات في الجنحة).
2. عدم صدور حكم لاحق: كل حكم لاحق بعقوبة جنائية أو جنحية يقطع مجرى المدة.
3. تنفيذ الالتزامات المدنية: أن تكون الالتزامات المدنية التي ينطوي عليها الحكم قد نُفّذت أو أُسقطت أو مرّ عليها الزمن، أو أن يثبت المحكوم عليه أنه كان في حالة لم يتمكّن معها من القيام بها. وعلى المفلس أن يثبت أنه قضى الدين أصلاً وفائدة ونفقات، أو أنه أُعفي منه.
4. ثبوت الصلاح: أن يتبيّن من سجلات السجن ومن تحقيق عن سيرة المحكوم عليه بعد الإفراج عنه أنه صلح فعلاً.
ثالثاً: إجراءات تقديم الطلب
المرجع المختص: الهيئة الاتهامية لدى محكمة الاستئناف التابع لها محل إقامة المحكوم عليه، بناءً على طلبه (المادة 144 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
المستندات التي يوجبها القانون:
- صورة عن الحكم الصادر في حقه.
- سجل عدلي لا يعود تاريخه إلى أكثر من شهر من تاريخ تقديم الطلب.
ما يُرفق به الطلب عملياً لإثبات شروط المادة 159:
- إفادة عن تنفيذ العقوبة وتسديد الالتزامات المدنية، أو ما يثبت العجز عن تسديدها.
- إفادة من إدارة السجن وأخرى عن سيرة المحكوم عليه بعد الإفراج عنه، تدلّان على صلاحه.
الخطوات:
- تقديم الطلب مرفقاً بالمستندات إلى الهيئة الاتهامية.
- انتداب الهيئة أحد أعضائها للتحقق من استيفاء الشروط، فيضع تقريراً يرفعه إليها.
- إيداع الطلب مع التقرير النيابة العامة لتبدي مطالعتها.
- صدور القرار: في حال القبول تُبلَّغ صورة مصدّقة عنه إلى النائب العام الاستئنافي الذي يودعها دائرة السجل العدلي لتنفيذه (المادة 145 من قانون أصول المحاكمات الجزائية)؛ وفي حال الردّ لا يجوز تقديم الطلب مجدداً قبل انصرام ستة أشهر من تاريخ تبلّغه قرار الردّ (المادة 146 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
تنبيه: من حُكم عليه بعقوبة مع وقف التنفيذ، ولم يُنقض وقف التنفيذ، عُدّ الحكم عند انقضاء مدة التجربة لاغياً (المادة 172 من قانون العقوبات)، فلا يحتاج إلى طلب إعادة اعتبار؛ ويذهب الشرح الفقهي إلى أنه لا محل لطلبها خلال مدة التجربة. وفي أحكام الجنح والجنايات، إذا انقضت مدة التجربة بوقف التنفيذ أو شمل الحكمَ عفو عام، فإن شطب الحكم من السجل العدلي يتم بقرار من النيابة العامة، تلقائياً أو بناءً على طلب صاحب العلاقة، دون المرور بالهيئة الاتهامية (المادة 16 من المرسوم رقم 4385 تاريخ 21/11/1972، تنظيم السجل العدلي).
رابعاً: إعادة الاعتبار الحكمية (المادة 160 عقوبات)
المبدأ: إعادة الاعتبار الحكمية حقّ ينشأ بقوة القانون لكل محكوم عليه بعقوبة جنحية، متى مرّت المدة التي حدّدها النص دون صدور الحكم الذي يقطعها، دون حاجة إلى تحقيق في سيرته أو إلى إثبات تنفيذ الالتزامات المدنية. وهي بذلك تختلف عن إعادة الاعتبار القضائية في أن الهيئة الاتهامية لا تملك فيها سلطة تقدير: فإذا ثبت مضي المدة من دون صدور الحكم الذي يقطعها تعيّن عليها منحها، وقرارها فيها قرار إعلاني لا إنشائي، ولا يسري عليه المنع من تجديد الطلب قبل ستة أشهر.
غير أن شطب الحكم من السجل العدلي لا يتم من تلقاء نفسه: فالمادة 144 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تُخضع إعادة الاعتبار «المنصوص عليها في المادتين 159 و160 من قانون العقوبات» للأصول نفسها، فيقدّم المحكوم عليه طلبه إلى الهيئة الاتهامية مرفقاً بصورة عن الحكم وبسجل عدلي حديث، ويُبلَّغ قرار القبول إلى دائرة السجل العدلي لتنفيذه.
الشروط:
- في العقوبة الجنحية المانعة أو المقيّدة للحرية: مرور سبع سنوات منذ انقضاء العقوبة دون أن يُقضى عليه بحكم آخر بالحبس أو بالإقامة الجبرية أو بعقوبة أشدّ.
- في الغرامة الجنحية: مرور خمس سنوات منذ الأداء أو انتهاء مدة الحبس المستبدل دون أن يُقضى عليه بحكم آخر بالغرامة الجنحية أو بعقوبة أشدّ.
- المحكوم عليه بعقوبة جنائية لا يستفيد من إعادة الاعتبار الحكمية، ويبقى له طريق إعادة الاعتبار القضائية وفق المادة 159.
خامساً: النتائج القانونية لإعادة الاعتبار (المادة 161 عقوبات)
- إبطال مفاعيل جميع الأحكام الصادرة للمستقبل.
- سقوط العقوبات الفرعية والإضافية والتدابير الاحترازية وما ينجم عنها من فقدان أهلية.
- عدم احتساب الأحكام المذكورة فيما بعد للتكرار أو لاعتياد الإجرام.
- عدم الحؤول دون الاستفادة من وقف التنفيذ في المستقبل.
خاتمة
إعادة الاعتبار في القانون اللبناني توازن بين حق المجتمع في الردع وحق الفرد في فرصة جديدة. فهي ليست عفواً، بل نظام قانوني مشروط لا يُستفاد منه إلا بعد استيفاء شروط النوع المنطبق منه. ومن الأسئلة العملية التي تسبق أي طلب: أيّ النوعين يسري على حالة المحكوم عليه، ومنذ متى تسري المدة، وما إذا كان الحكم يقبل الشطب بطريق أقصر لدى النيابة العامة.
مقالات ذات صلة
هل تريد تقديم طلب إعادة اعتبار؟
مكتب كلاس للمحاماة يتولّى هذا النوع من الملفات أمام المحاكم والدوائر الرسمية في لبنان. تواصلوا معنا.