logo

WIDE RANGE OF EXPERIENCE IN REAL ESTATE, ARBITRATION AND ALL MAJOR BRANCHES

Recent posts

  • ...

  • أصول إدارة الت...

  • إعلان الإفلاس ...

© Kallas Law firm.

Blog

Home / الدليل العملي للقانون التجاري  / إعلان الإفلاس ومفاعيله المباشرة في قانون التجارة البرّية اللبناني — قائمة عملية (المواد 489-511)

إعلان الإفلاس ومفاعيله المباشرة في قانون التجارة البرّية اللبناني — قائمة عملية (المواد 489-511)

في الجزء الثامن-أ من هذه السلسلة قَرأنا الباب الأول من الكتاب الخامس، وهو الصلح الاحتياطي. في هذا الجزء نَنتقل إلى الباب الثاني، أي الإفلاس بمعنى الكلمة: شروط إعلانه، أصول رفع الدعوى إلى المحكمة، النَشر والطَعن، ثم المَفاعيل المباشرة لحُكم الإعلان على المَفلس وعَلى ذِمّته وعلى مَجموع الدائنين، بما في ذلك التَخلّي عن إدارة الأموال، وإيقاف المُلاحقة الفردية، وإسقاط الأجل، والنِظام الزَمني للأعمال التي يُجريها التاجر قبل صُدور الحُكم وبَعد انقطاعه عن الدفع (المواد 489-511).

كما الباب الأول، فإن الباب الثاني من الكتاب الخامس لم يَطَلْه القانونُ 126/2019. النصُّ المَعمول به هو النصّ الأصلي للمرسوم الاشتراعي رقم 304 تاريخ 24/12/1942.

ملاحظة: هذا الجزء جزءٌ من سلسلة الدليل العملي للقانون التجاري اللبناني. للوصول إلى الجزء السابق ـ الصلح الاحتياطي ـ يُرجى مراجعة الجزء الثامن-أ.

I. تَعريف حالة الإفلاس (المادة 489)

نَصّت المادة 489 من قانون التجارة البرّية اللبناني: «مع الاحتفاظ بتَطبيق أحكام الباب السابق، يُعتبر في حالة الإفلاس كلُّ تاجر يَنقطع عن دفع ديونه التجارية، وكلُّ تاجر لا يَدعَم الثقة المالية به إلا بوسائل يَظهر بجَلاء أنها غير مشروعة.»

هذا النَص يَكشف عن مَدخَلَين تَشريعيَّين لحالة الإفلاس:

المَدخَل الأول: الانقطاع عن دفع الديون التجارية. هذا هو الاختبار الموضوعي الكلاسيكي ـ التاجر يَنقطع فِعلاً عن دفع ما عليه من ديون تجارية. الانقطاع ليس مجرد تَأخير ولا عُسرة عابرة في السيولة، بَل هو تَوقّفٌ يُعبّر عن انهيار الثقة المالية. وهو مَدخَل واقعي يُثبَت بالقَرائن والوقائع لا بإقرار التاجر وحدَه.

المَدخَل الثاني: التَدعيم بوسائل غير مشروعة. هنا تَوسَّع المُشَرّع: حتى وإن لم يَنقطع التاجر فِعلياً عن الدَفع، فإنّ مُجرَّد كَون ثِقته المالية لا تُستَدام إلا بوسائل غير مشروعة (تَزوير، احتيال، إصدار سندات وَهمية، اعتماد مالي مَبني على بيانات كاذبة) يَكفي لاعتباره في حالة إفلاس. وعبارة «يَظهر بجَلاء» شَرط إثباتي يَحمي من الاتهامات العابرة: المَنطق المُشَرَّع هنا أن الإفلاس لا يَنبغي أن يُعلَن بناءً على شُبهة عَرَضية، بَل على ظُهور جَليّ.

تَنبيه عَملي: الفقرة الافتتاحية «مع الاحتفاظ بتَطبيق أحكام الباب السابق» إحالةٌ صريحة إلى الباب الأول (الصلح الاحتياطي): أي إن إعلان الإفلاس لا يُلغي بَدائل الصلح، بَل يَتعايش معها زمنياً. التاجر الذي تَأخّر عن طَلَب الصلح يُعلَن إفلاسه؛ التاجر الذي طَلَب الصلح ورُفض طَلَبه يُعلَن إفلاسُه (راجِع المادة 461 المُحلَّلة في الجزء الثامن-أ).

II. المحكمة المختصة وتَعجيل التَنفيذ (المادة 490)

نَصّت المادة 490 على القَواعد الإجرائية الأساسية لحُكم الإعلان:

الاختصاص المَكاني. يُعلَن الإفلاسُ «بمُقتضى حُكم من المحكمة الابتدائية المَوجودة في مَنطقتها المُؤسسة التجارية الأصلية». المُؤسسة التجارية الأصلية هي مَركز نَشاطه التجاري الرئيسي، تماماً كما في المادة 459 المُتعلّقة بالصلح الاحتياطي. أي إن الاختصاصَ المَكاني للصلح وللإفلاس واحد ـ وهذا تَوحيد إجرائي مَقصود من المُشَرّع لئلا يَتنقّل التاجر بين محاكم مَناطق مُختلفة بحَسب طَبيعة الطَلَب.

تَعجيل التَنفيذ. نَصّ صَريح في الفقرة الثانية: «ويَكون هذا الحُكم مُعجَّل التَنفيذ». أي إن الحُكم بإعلان الإفلاس نافِذٌ فَوراً من تاريخ صُدوره، ولا يُوقفه الاعتراضُ ولا الاستئنافُ ـ وهذا تَمييز جَوهري بين هذا الحُكم وسائر الأحكام التجارية. المَنطق هنا واضح: حِماية الدائنين تَستوجب تَجميد المُلاحقات الفردية وتَسَلُّم الإدارة إلى وكلاء التَفليسة فَوراً، لا أن يَنتظر الجميع نَتيجة الطُرُق الطاعنة.

تَعارُض الاختصاص. نَصّت الفقرة الثالثة: «وإذا قَضَت عِدّة محاكم في آنٍ واحد بإعلان إفلاس التاجر نَفسه، كان ثَمَّة سَبيلٌ لتَعيين المَرجع». القاعدة المَنطقية: المُؤسسة التجارية الأصلية واحدة، فالاختصاص واحد. ولكن إذا تَوازَى الإعلان من محكَمَتَين، فالأمر يُحال إلى المَرجع المُختصّ (الهيئة العامة لمحكمة التمييز) لتَعيين المحكمة الأهل لِسماع الدَعوى.

صَلاحية وَلائية. الفقرة الرابعة: «إن المحكمة المُشار إليها فيما سَبق تَكون صَالحة لرُؤية جميع الدَعاوى التي يُمكن أن تَحدُث ويَكون مَنشَؤها القواعد المُختصة بالإفلاس». هذه قاعدة جَذب إجرائي: كلُّ نِزاع يَنشأ من الإفلاس ـ إبطال أعمال، استرجاع، تَنازُع امتيازات، الطَعن في قَرارات وَكلاء التَفليسة ـ يَؤول إلى المحكمة نَفسها التي أَعلَنت الإفلاس. وهذا يَختصر الوقتَ ويَمنع تَشتُّت ملف الإفلاس بين عِدة محاكم.

تَكامُل المادة 490 مَع قانون أصول المحاكمات المَدنية

المادة 490 من قانون التجارة لا تَعمل بمَعزل ـ هي تَتكامل مَع ثَلاثة نُصوص أساسية من قانون أصول المحاكمات المَدنية (راجِع الجزء الثاني من سلسلة الدليل العملي لصياغة المرافعات لتَفصيل قَواعد الاختصاص):

أ. تَشكيلة المحكمة: غُرفة ابتدائية لا قاضي مُنفرد (المادة 85 أصول مَدنية). نَصُّت المادة 85 على أنّ «تَتألف محكمة الدَرجة الأولى من غُرف مُؤلَّفة من رئيس وعُضوَين ومن أقسام يَتولَّى القضاءَ فيها قُضاة مُنفردون». ثم نَصّت المادة 90 على أنّ «الغُرفة الابتدائية هي المحكمة العادية ولها اختصاص عام في القضايا المَدنية والتجارية». أي إنّ المُسَمَّى «المحكمة الابتدائية» الوارد في المادة 490 من قانون التجارة يَنصرف إلى الغُرفة الابتدائية المُؤلَّفة من رئيس وعُضوَين (تَشكيلة ثَلاثية) ـ لا إلى القاضي المُنفرد. وَهذا مَعقولٌ بالنَظر إلى أهمية الحُكم بإعلان الإفلاس وأثَره على ذِمّة التاجر ومَجموع الدائنين.

ب. الاختصاص بالدَعاوى الناشئة عن الإفلاس (المادة 108 أصول مَدنية). تَأتي المادة 108 لتُكمل الفقرة الرابعة من المادة 490 من جانب قانون الأصول المَدنية: «في الدَعاوى الناشئة عن الإفلاس يَكون الاختصاص للمحكمة التي أَشهرت الإفلاس». أي إنّ الجَذب الإجرائي ليس مُجرَّد قاعدة تَجارية ـ هو مُكرَّس صَراحةً في قانون الأصول العام.

ج. هذا الاختصاص إلزامي لا اختياري (المادة 107 أصول مَدنية). الأَهَمّ من ذلك أنّ المادة 107 نَصّت صَراحةً على أنّ «الاختصاص المَكاني للمحاكم المُعَيَّنة في المواد الآتية [ومنها المادة 108] اختصاصاً إلزامياً». أي إنّ الأَطراف لا يَستطيعون الاتفاق على عَرض النِزاع الناشئ عن الإفلاس على محكمة أخرى ـ ولا عَلى تَحكيم ـ بَل يَخضع الحَصرُ الإجرائي للمحكمة التي أَشهرت الإفلاس بنَص آمر.

تَنبيه عَملي: «الاختصاص المَكاني الإلزامي» في المادة 107 أصول مَدنية يَختلف عن الاختصاص المَكاني العادي. في الحالات العادية (المادة 100 وما يَليها)، يَجوز للأَطراف الاتفاق على محكمة مُعَيَّنة. أما في الإفلاس، يُلغى الاتفاقُ ولو كان مَنصوصاً عنه في عَقد سابق بين التاجر والدائن، لأن الاختصاص لا يَتعلق فقط بمَصلحة الطَرفَين بَل بحقوق مَجموع الدائنين والاقتصاد التجاري عامةً.

III. طُرُق رَفع الدَعوى إلى المحكمة (المواد 491-493)

عَدَّدَت المواد 491-493 ثلاثة مَسارات لاستحضار الإفلاس أمام المحكمة:

1. التَصريح من التاجر نَفسه (المادة 491)

يَجوز أن تُرفَع القضية بتَصريح من التاجر نَفسه. ولكن المادة شَدَّدت على مُوجَب زَمني صَريح: «ويَجب عليه أن يَقوم بهذا التَصريح في خلال عِشرين يوماً من تاريخ انقطاعه عن الدَفع، وإلا استَهدف لارتكاب جُنحة الإفلاس التَقصيري».

ثلاث نُقَط جَوهرية:

أ. المُهلة 20 يوماً. ابتداءً من تاريخ الانقطاع الفِعلي عن الدَفع، لا من تاريخ آخر بَيع تجاري ولا من تاريخ اعتراف التاجر بانقطاعه. الانقطاع واقعةٌ مَوضوعية مُستَخرَجة من ظُروف المَشروع التجاري.

ب. التَأخّر عُقوبتُه جَزائية. تَأخّر التاجر عن التَصريح في المُهلة المَنصوصة يُعَرّضه لجُنحة الإفلاس التَقصيري ـ وهي جُنحة سيُعالجها الجزء الثامن-د من هذه السلسلة (المواد 632-650). نُحيل القارئ إلى ذاك الجزء لتَفصيل أركان هذه الجُنحة وعُقوباتها.

ج. المُستندات المُرفَقة. على التاجر أن يُودِع في الوقت نَفسه «موازنة مُفصَّلة ومُصدَّقاً على كونها مُطابِقة لحالة موجوداته والديون المَطلوبة منه». أي إنّ التَصريح بِالإفلاس ليس مُجرَّد إعلان شَفهي بَل عَمل مُستَنَدي مُفصَّل.

2. الاستحضار من الدائن (المادة 492)

يَجوز أن تُرفَع القضية إلى المحكمة بطلب استحضار لمُدة ثلاثة أيام يُقدِّمه دائنٌ أو عِدّة دائنين. ومُهلة الاستحضار في المواد التجارية ضَيّقة (3 أيام بدلاً من 8 المُعتادة في المواد المَدنية) ـ وهذا يَعكس طبيعةَ الاستعجال في مَسائل الإفلاس.

وأَتاحَت الفقرة الثانية، «في الأحوال المُستعجلة كما لو أَقفل التاجر مَخازنه وهَرَب أو أَخفى قِسماً هاماً من موجوداته»، طريقاً أَسرَع: مُراجعة بطريقة الاستدعاء بلا دَعوة. وعَندئذٍ تَفصِل المحكمةُ القضيةَ في غُرفة المُذاكرة، أي دون جَلسة عَلَنية ولا تَكليف خَصم بالحُضور. هذا مَخرَج إجرائي يُتيح للدائنين سُرعةَ التَدخّل في الحالات التي تَكون فيها مَوجودات التاجر مُهدَّدة بالاختفاء.

3. التَدابير الاحتياطية والإعلان من تِلقاء المحكمة (المادة 493)

نَصُّ المادة 493 يَكشف عن صَلاحيتَين قَضائيتَين مُتمايزتَين:

أ. التَدابير الاحتياطية. للمحكمة أن تَأمُر باتخاذ التَدابير الاحتياطية اللازمة لِصِيانة حقوق الدائنين، بناءً على طَلَب النيابة العامة أو عَفواً من تِلقاء نَفسها. وهذه التَدابير قَد تَشمل: مَنع التَصرّف بأموال مُعَيَّنة، وَضع الأختام، تَعيين حارس قَضائي، تَجميد الحسابات المَصرفية ـ أي مَجموعة تَدابير وَقائية مُؤقتة ريثَما تَفصل المحكمة في طَلَب الإعلان.

ب. الإعلان من تِلقاء المحكمة. نَصّت الفقرة الثانية صَراحةً: «وللمحكمة عند الاقتضاء أن تُعلِن الإفلاسَ من تِلقاء نَفسها أيضاً». أي إنّ إعلان الإفلاس ليس بالضرورة استجابةً لطَلَب من تاجر أو دائن، بَل يَجوز للمحكمة ـ إذا تَوفّرت أمامها وقائعُ مَوضوعية ـ أن تُعلِن الإفلاسَ بِقَرار ذاتي. هذه صلاحيةٌ استثنائية يُرَدّ مَنطقُها إلى المَصلحة العامة لحماية الاقتصاد التجاري ومَجموع الدائنين.

تَنبيه عَملي: الإعلان من تِلقاء المحكمة يَرتبط أيضاً بأحكام الباب الأول (المواد 461 و467 و477) حيث تَنزَلِق المُعاملةُ من صلح إلى إفلاس حُكماً عند تَوفّر شُروط مُعيَّنة. وعند المادة 498، ستَظهر صَلاحيةٌ مُماثلة عند ظُهور حالة الإفلاس عَرَضياً خِلال محاكَمة أخرى ـ راجِع القِسم VII أدناه.

IV. الإفلاس بعد الاعتزال أو الوَفاة (المادة 494)

نَصّت المادة 494: «إن التاجر الذي اعتَزَل التجارةَ أو تُوفّي، يَجوز إعلان إفلاسه قضائياً في مُهلة سَنة ابتداءً من تاريخ اعتزاله التجارة […]».

هذه القاعدة جَوهرية لأنها تَكشف عن قاعدة عامة: صفة التاجر لا تَزول بمُجرّد الاعتزال أو الوَفاة في ما يَتعلق بالإفلاس عن ديون النَشاط التجاري السابق. الانقطاع عن الدَفع الذي حَدث خِلال احتراف التجارة لا يُغطّيه اعتزال التاجر اللاحق، ولا تَنقَضي مَسؤوليتُه الإفلاسية بانتهاء صفته.

القَيد الزَمني: المُهلة سَنة من تاريخ الاعتزال. بَعد السنة، لا يُمكن إعلان إفلاسه قضائياً (وإن كانت ديونه التجارية تَبقى مُتَرتّبة عليه بِالمَفهوم المَدني العادي).

في حالة الوَفاة: يَنطبق المَفهوم نَفسه. ويُتحَمَّل الإفلاس على التَركة. سيَعود هذا المَوضوع بنَحو أَدَقّ تَفصيلاً في المادتَين 535 و538 ـ المُتعلقتَين بحُقوق الأرملة والأولاد في الحُضور والقَيام بالمَهام الإفلاسية ـ والتي سيُعالجها الجزء الثامن-ج من هذه السلسلة.

V. تَعيين وَقت الانقطاع عن الإيفاء (المادة 495)

نَصُّ المادة 495 شَكلي قَصير لكن أَثره جَوهري: «يَجِب أن يَتضمّن الحُكمُ بإعلان الإفلاس تَعيين وَقت الانقطاع عن الإيفاء».

لماذا هذه القاعدة جَوهرية؟ لأنّ «وَقت الانقطاع عن الإيفاء» هو التاريخ المَرجِعي للمَفعول الرَجعي للإفلاس على الأعمال التي قام بها التاجر قبل صُدور الحُكم. كلُّ ما يَقوم به التاجر بين تاريخ الانقطاع وتاريخ صُدور الحُكم يَدخل في «فَترة الرّيبة» (وتُسمَّى أيضاً الفَترة المَشبوهة)، وقد تَخضع للإبطال وَفقاً للمواد 507-510 (سيَأتي شَرحها في القِسم XIV أدناه).

أي إن تَعيين وَقت الانقطاع ليس بَنداً شَكلياً في الحُكم، بَل هو الزاوية الزَمنية التي تَنطلق منها كل الآثار الرَجعية للإفلاس.

تَنبيه عَملي: الحُكم بإعلان الإفلاس يُعيّن وَقتاً مَبدئياً للانقطاع، لكنّه قابلٌ للتَبديل بحُكم لاحق إذا تَبيّن أنّ الانقطاع الفِعلي حَصل في تاريخ أَسبَق. وهذا التَبديل بالذات يُعطّل صَفقات قَد تَكون قد جَرَت بحُسن نية بين الانقطاع المَكشوف لاحقاً وتاريخ الحُكم الأَوّلي.

VI. نَشر الحُكم والطَعن فيه (المادتان 496-497)

1. النَشر بإلصاق الإعلانات (المادة 496)

شَدّدت المادة 496 على وُجوب نَشر الحُكم بإعلان الإفلاس وأحكام تَبديل تاريخ الانقطاع في خِلال خَمسة أيام بعَناية وَكلاء التَفليسة، عن طَريق إلصاق الإعلانات في الأماكن المُعتمَدة (باب المحكمة، وفي مَكان النَشاط التجاري للتاجر). الهَدف من هذا النَشر مَزدوج:

  • إعلامُ الدائنين كافة (المَعروفين وغير المَعروفين منهم) بصُدور الحُكم؛
  • تَفعيلُ مُهَل الاعتراض والاستئناف لمَن لم يَكن طَرفاً في الدَعوى.

2. الاعتراض والاستئناف (المادة 497)

شَدّدت المادة 497 على قابلية الأحكام الإفلاسية للطَعن، وأَتت بنِظامٍ زَمني خاص يُخالف القاعدة العامة لقانون الأصول المَدنية. نَصُّها:

«إن هذه الأحكام قابلة للاعتراض والاستئناف، وكذلك جميع الأحكام التي تَصدر في المواد الإفلاسية ما لم يَكُن في هذا القانون نَصٌّ مُخالف.

إن مَهَل الاعتراض تَكون على السَواء ثَمانية أيام، ومَهَل الاستئناف خَمسة عَشر يوماً، ابتداءً من تاريخ الأحكام، على أنّ المَهَل المُختصة بالأحكام الخاضعة لمُعاملات الإلصاق ونَشر الخُلاصة في الجرائد تَبتدئ من يَوم إتمام هذه المُعاملات.

وتَفصل محكمة الاستئناف القضيةَ في ظَرف ثَلاثة أشهر.

على أنّ الاعتراض والاستئناف المُقدَّمَين من قِبل المُفلسين لا يَكون لهما في حال من الأحوال مَفعول مُوقف.»

أربعة أحكام جَوهرية تَنبَع من هذا النَص:

أ. القاعدة العامة: قابلية كل الأحكام الإفلاسية للطَعن. الأصل أنّ جَميع الأحكام الإفلاسية قابلة للاعتراض والاستئناف. الاستثناءات تَتطلَّب نَصاً صَريحاً ـ ومنها قَرار تَعيين وكلاء التَفليسة الذي نَصّت المادة 519 صَراحةً على أنه لا يَقبَل أي طَريق من طُرق المُراجعة (سيُعالَج في الجزء الثامن-ج).

ب. مَهَل خاصة أقصر من القاعدة العامة في الأصول المَدنية. الاعتراض 8 أيام · الاستئناف 15 يوماً. ولْنُقارن هذه المَهَل بالقاعدة العامة في المادة 643 من قانون أصول المحاكمات المَدنية التي تَجعل مُهلة الاستئناف ثَلاثين يوماً للأحكام البِدائية. أي إنّ المُشَرّع التجاري قَلَّص مُهلة الاستئناف في المواد الإفلاسية إلى النِصف لِغاية تَسريع التَفليسة وَمَنع الإطالة عَنها.

ج. التاريخ المَرجِعي: «من تاريخ الأحكام» لا «من تاريخ التَبليغ». هذا هو الفارقُ الأهَم بين النِظامَين. القاعدة العامة في المادة 643 أصول مَدنية تَنُصّ صَراحةً على أنّ مُهلة الاستئناف تَبدأ «من تاريخ تَبليغ الحُكم». أما في المواد الإفلاسية فالمُهلة تَبدأ «ابتداءً من تاريخ الأحكام»، أي من تاريخ صُدور الحُكم نَفسه ـ لا من تاريخ تَبليغه.

ولِهذا الفارق تَفسيرٌ مَنطقي: الإفلاس إجراءٌ جَماعي يَعني عَدداً غير محدود من الدائنين، ولا يُمكن تَبليغ كل واحد منهم تَبليغاً شخصياً قبل بَدء سَريان مَهَل الطَعن. وَبالنَتيجة، استَعاض المُشَرّعُ عن التَبليغ بآلِية النَشر والإلصاق المَنصوصة في المادة 496، وَجَعل تاريخَ الحُكم نَفسه (أو تاريخَ إتمام مُعاملات النَشر، بحَسب طَبيعة الحُكم) هو نُقطة انطلاق المَهَل.

تَنبيه عَملي: هذا الفارق يَنطوي على خَطَر مَهَل واقعي لِكل دائن أو طَرف ذي عَلاقة بِالإفلاس. لا يَنتظر الدائنُ تَبليغاً شَخصياً قبل أن يَتحَرَّك ـ يَجب عليه أن يُراقب صُدور الحُكم وتَواريخ إتمام مُعاملات نَشره. تأخّرُه في الاطّلاع على الحُكم لا يُمَدِّد المُهلة. وَهذا يَختلف عن النِظام المَدني العادي حيث يَستطيع الخَصمُ الانتظار حَتى التَبليغ.

د. التَفصيل الزَمني بحَسب طَبيعة الحُكم:

  • الأحكام الخاضعة لمُعاملات الإلصاق ونَشر الخُلاصة في الجَرائد ـ وأَهَمّها حُكم إعلان الإفلاس نَفسُه (المادة 496) ـ المُهلة فيها تَبدأ من يَوم «إتمام هذه المُعاملات»، أي من يَوم انتهاء النَشر والإلصاق وفقاً للأصول.
  • سائر الأحكام الإفلاسية الأخرى (تَعيين القاضي المنتدَب، قَرار في تَنازُع امتيازات، قَرار في تَحقيق دَين، إلخ) المُهلة فيها تَبدأ من تاريخ الحُكم نَفسه.

هـ. التَزام مَحكَمة الاستئناف بالفَصل في ثَلاثة أشهر. نَصُّ صَريح: «وَتَفصل محكمة الاستئناف القضيةَ في ظَرف ثَلاثة أشهر». وَهذا مُوجَب على المَحكمة لا على الخَصم، ويَهدف إلى عَدم تَجميد التَفليسة وَراء استئنافٍ مُمَتَدّ.

و. الطَعن لا يُوقف تَنفيذَ الحُكم. يَتكامل هذا الحُكمُ مَع المادة 490 ¶2 (“ويَكون هذا الحُكم مُعجَّل التَنفيذ”) لِيُؤَكِّد قاعدة جَوهرية: حُكم إعلان الإفلاس نافِذٌ فَوراً من تاريخ صُدوره، ولا يُوقفه أي طَعن، ومَفاعيلُه المباشرة (تَخلّي المَفلس عن إدارة أمواله، إيقاف المُلاحقة الفردية للدائنين، إسقاط الأَجل، إلخ) تَستمرّ في السَريان ريثَما تَفصل محكمة الاستئناف. وَالنفاذُ المُعَجَّل في المادة 490 هو خاصِيّة الحُكم بذاته ـ بقَطع النَظر عن هُويّة الطاعن. وَتأتي الفقرة الرابعة من المادة 497 لِتَعزز هذه القاعدة تَحديداً تجاه المَفلس، بصياغة قاطعة («في حال من الأحوال») تَسد أمامه باب الادِّعاء بأن المادة 577 من قانون الأصول المَدنية ـ التي تَمنح محكمة الاستئناف صَلاحية وَقف التَنفيذ المُعَجَّل عند تَجاوز الحُدود المَعقولة أو رُجحان فَسخ الحُكم ـ تَنطبق على طَعنه.

تَنبيه إضافي: قاعدة المادة 497 تَنطبق على «الأحكام»، أي القَرارات الفاصلة في الجَوهر. أما القرارات الصادرة عن القاضي المنتدَب ـ وهي قَرارات إدارية إجرائية ـ فلها نِظامُها الخاص (المادة 522 وما يَليها). هذا التَمييز جَوهري لِمَن يُريد رَفعَ طَعن: يَجب أَولاً تَحديدُ ما إذا كان القَرارُ حُكماً قَضائياً أم مُجرَّد قَرار للقاضي المنتدَب.

VII. ظُهور حالة الإفلاس عَرَضياً (المادة 498)

نَصّ المادة 498 يَكشف عن مَدخَل إضافي للإفلاس: «إذا ظَهر للمحكمة عَرَضاً في أثناء محاكَمة مَدنية أو تجارية أو جَزائية أنّ التاجر في حالة إفلاس ظاهرة، فيَحقّ لها ـ وإن لم يَكُن الإفلاس قد طُلِب منها ـ أن تُعلن الإفلاسَ من تِلقاء نَفسها».

هذه قاعدة عَملية واسعة الأَثر:

  • المحكمة التي تَنظُر في مُحاكَمة أخرى ـ مَدنية، تجارية، أو جَزائية ـ يَمكنها أن تَكتشف عَرَضاً ظُهور حالة إفلاس التاجر؛
  • لا تَحتاج إلى انتظار طَلَب أَوّلي من دائن أو من التاجر؛
  • تَصدر حُكم الإعلان من تِلقاء نَفسها.

أي إنّ المُشَرّع أَتاح للقضاء سُلطة كَشف الإفلاس واستجلاءه بِفاعلية، لا انتظار حَتى يَجد أحد المَعنيين فُرصة الاستحضار. وهذه السُلطة مَوجودة في كل المحاكم (مَدنية، تجارية، جَزائية) ـ ليست محصورة بالمحكمة البِدائية التجارية.

VIII. الإدراج في الجَدول وسُقوط الحقوق السياسية (المادتان 499-500)

1. جَدول المَفلسين (المادة 499)

نَصّت المادة 499 على أن «أسماء التُجار المُعلَن إفلاسُهم ولم يَستعيدوا اعتبارَهم تُدرَج في جَدول يُلصَق على باب كل محكمة وفي الرَدهة العامة من غُرفة التجارة». هذا تَسجيل عَلَني مَفتوح لكل مَن يَريد الاطّلاع. هَدفُه إعلام المُعامِلين التجاريين بحالة المَفلس قبل التَعاقد معه، وهو إجراء حِفاظ على ثَقة التَعامُل التجاري.

ولا يُحذَف اسمُ المَفلس من الجَدول إلا بعد استعادة اعتباره وَفقاً للمواد 651-661 (وهي مَوضوع الجزء الثامن-د من هذه السلسلة).

2. سُقوط الحقوق السياسية والمَدنية (المادة 500)

نَصّت المادة 500 على سُقوط طائفة من الحقوق السياسية للمَفلس:

  • لا يَجوز أن يَكون ناخباً أو مُنتَخَباً في المَجالس السياسية أو المُختصّة بالشُؤون المَدنية أو التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو في المَجالس الإدارية أو الاستشارية؛
  • يَفقد أهليّتَه في تَولّي وَظائف مُعَيّنة.

هذا أثَر مَدني ـ سياسي لِحُكم الإفلاس يَتجاوز المَجال الإقتصادي البَحت إلى وَضع المَفلس في الحقل العام. ويَمتدّ هذا السُقوط حتى استعادة الاعتبار. (وتَنصّ المادة 155 من قانون التجارة، المُحلَّلة في الجزء الثالث من هذه السلسلة، على سُقوط أهلية رئيس مجلس إدارة الشركة المُغفَلة لِشُؤون مُماثلة عند إفلاس الشركة المُتسبّب فيه بتَدليس أو خَطأ جَسيم.)

IX. التَخلّي عن إدارة الأموال (المادتان 501-502)

1. مَفعول الحُكم الإداري الفَوري (المادة 501)

نَصّت المادة 501: «إن الحُكم بإعلان الإفلاس يُنتِج حَتماً منذ يَوم صُدوره تَخلِّي المَفلس لِوكلاء التَفليسة عن إدارة جميع أمواله، حتى الأموال التي تَؤول إليه بأي عُنوان كان ما دامَ الإفلاسُ قائماً».

هذه المادة جَوهرية لفَهم الفارق الجَذري بين الصلح الاحتياطي والإفلاس:

  • في الصلح الاحتياطي (المادة 465 المُحلَّلة في الجزء الثامن-أ)، يَبقى التاجر قائماً على إدارة أمواله تحت إشراف القاضي والمُفوّض؛
  • في الإفلاس (المادة 501)، يَنزِع الحُكم الإدارةَ من يَد المَفلس فَوراً ويُسلِّمها لِوكلاء التَفليسة.

ثَلاث نُقَط تَستحقّ الإيضاح:

أ. التَخلّي فَوري ولا يَحتاج إلى إجراء إضافي. هو يَتمّ بحُكم القانون منذ يَوم صُدور حُكم الإعلان. لا حاجة إلى إعلام التاجر، ولا إلى تَسليم رَسمي.

ب. التَخلّي شامل لكل المَوجودات. يَشمل الأموالَ الحاضرة، والأموال التي تَؤول إليه لاحقاً بأي عُنوان (ميراث، هِبة، رِبح، رَدّ دَين، إلخ) ما دام الإفلاسُ قائماً. أي إن المَفلس لا يَستعيد القُدرة على التَصرّف بأي مال جَديد إلا بعد إقفال التَفليسة أو إعادة الاعتبار.

ج. التَخلّي إداري لا تَملّكي. التاجر لا يَفقد مِلكية أمواله ـ هي تَبقى مِلكاً له تَحت إدارة وكلاء التَفليسة لِصالح مَجموع الدائنين. وَهنا الفارق بين «التَخلّي عن الإدارة» و«مُصادَرة المِلكية» (وهو فارق سيَظهر أَهمّيتُه عند تَوزيع ما يَفيض من بيع المَوجودات بعد إيفاء الدائنين، حيث يَعود الفائضُ إلى المَفلس).

2. استثناء الحقوق الشخصية (المادة 502)

نَصُّ المادة 502 يُحدّد ما لا يَدخل في التَخلّي: «بَيد أنّ هذا التَخلّي لا يَشمل الحقوقَ التي لا تَختصّ إلا بشَخص المَفلس، أو بِصفة كَونه ربَّ عيلة، أو الحقوق التي تَتناوَل مَصالح غير مالية».

أي إنّ التَخلّي مَحصور بالحقوق المالية المُتعلّقة بإدارة الذِمّة. أمّا الحقوق التي:

  • تَتعلّق بشَخص المَفلس (الحقوق الشخصية البَحتة كاسمه وشَرفه)؛
  • أو تَتعلّق بِصفته العائلية (حقوقه ومُوجباتُه كرَبّ أُسرة)؛
  • أو تَتناوَل مَصالح غير مالية،

فلا تَدخل في الذِمّة الإدارية للتَفليسة. ولِوَكلاء التَفليسة أن يُديروا الذِمّة المالية، لكن ليس لهم أن يَنوبوا عن المَفلس في الدَعاوى ذات الصِفة الشخصية البَحتة.

X. إيقاف المُلاحقة الفردية (المادة 503)

نَصّت المادة 503: «إن الحُكم بإعلان الإفلاس يَستلزم إيقاف الدائنين العاديين أو الحائزين لِامتياز عام عن المُداعاة الفردية التي تَنحصر في غاية تَحصيل ديونهم».

هذه القاعدة هي رُكن نِظام الإفلاس الجَماعي:

  • جَميع الدائنين العاديين ـ غَير المَضمونين برَهن أو امتياز خاص ـ يَدخلون في جَماعة الدائنين ولا يَحقّ لهم تَحصيل ديونهم بصورة فَردية؛
  • التَحصيل لا يَكون إلا بالطُرق الجَماعية: تَحقيق الديون، التَوزيع وَفقاً للنِسَب القانونية، الاسترداد من ثَمَن البَيع؛
  • أَوامرُ الحجز الفَردية، أَوامر الإجراء بمَواجَهة المَفلس، الإجراءات التَنفيذية الفَردية ـ كلُّها مُجَمَّدة بفِعل الحُكم.

أمّا الدائنون أصحاب الامتياز الخاص أو الرَهن العَقاري ـ فلِنِظامهم تَفصيل خاص (ستَكشفه المواد 555 وما يَليها ـ مَوضوع الجزء الثامن-ج).

تَنبيه عَملي: «المُداعاة الفَردية» في المادة 503 تَشمل: إقامة الدَعاوى الجَديدة، مُتابعة الدَعاوى القائمة، أَوامر الإجراء، أَوامر الحجز التَحفظي على المَوجودات. تَبقى للدائن حُقوق المُداعاة في إطار التَفليسة الجَماعية (تَقديم التَصريح بالدَين، الاعتراض، المُشاركة في الاجتماعات).

XI. إيقاف الفوائد (المادة 504)

نَصّت المادة 504: «إن الحُكم بإعلان الإفلاس يُوقِف ـ بالنَظر إلى جَماعة الدائنين فقط ـ مَجرى فَوائد الديون غير المُؤمَّنة بامتياز أو برَهن عَقاري».

ثَلاث ملاحظات:

أ. الإيقاف مَحصور بالديون غير المَضمونة. الفَوائد على الديون المَضمونة بامتياز خاص أو برَهن عَقاري تُتابع جَريانها حتى تاريخ تَوزيع ثَمَن المال المَضمون عليه. هذا اتساقٌ مع تَمييز الدائن المَضمون عن الدائن العادي.

ب. الإيقاف بالنَظر إلى جَماعة الدائنين فقط. أي إن الفَوائد تَستمرّ في التَراكُم في ذِمّة المَفلس نَظرياً، لكنّ المَجموعة لا يَحقّ لها المُطالبة بها لأغراض التَوزيع. وأَثَر ذلك: إذا تَوفّر فائض بعد إيفاء جَميع ديون المَفلس، لا يَعود الفائض للدائنين بِالفَوائد المُتراكمة بعد الحُكم بَل يَعود للمَفلس.

ج. الفائدة مُرتبطة بالتأمين العَيني. الدائنون الحائزون على رَهن مَنقول وُيوقف جَريان فوائدهم وَفق المادة 504 (لأنّ النَص يَستثني فقط «المُؤمَّنة بامتياز أو برَهن عَقاري»). أي إن الرَهن المَنقول ـ على عكس الرَهن العَقاري ـ لا يَحفظ تَتبع جَريان الفَوائد بعد الحُكم.

XII. إسقاط الأَجل (المادة 505)

نَصّت المادة 505: «إن الحُكم بإعلان الإفلاس يَكون مُسقطاً للأَجل بالنَظر إلى المَفلس وحدَه، دون شُركائه في المُوجب وإن يَكُن ذلك في مَصلحة دائنيه».

أي إن جَميع ديون المَفلس، حتى تلك التي لم يَكُن أَجَلُها قد حَلّ بَعد، تَصير مُستحقة الأداء فَوراً منذ صُدور حُكم الإفلاس. وهذا إسقاطٌ تَلقائي يُتيح لجَماعة الدائنين أن تَدخل في التَفليسة وَقتاً واحداً، بقَطع النَظر عن الآجال الأصلية للديون.

ولكنّ النَص شَدَّد على شَرط جَوهري: «بالنَظر إلى المَفلس وحدَه، دون شُركائه في المُوجب». أي إن إسقاط الأَجل لا يَنسحب على الشركاء في الدَين (الكَفلاء، المُتضامنين، المُتفرَّغ لهم) ـ بل تَستمرّ آجالُ الدَين بالنَظر إليهم.

تَنبيه عَملي: هذه القاعدة تَوازي قاعدة المادة 481 من باب الصلح الاحتياطي: «الدائنون يَحتفظون بحقوقهم على شُركاء المَدين في الدَين وكَفلائه». الفِقهان مَنطقياً مُتسقَّان: إسقاط الأَجل أو تَخفيف الدَين بفِعل الإفلاس أو الصلح يَنحصر في ذِمّة التاجر الأصلي، ولا يَنسحب على الكَفيل أو الشريك في الدَين.

XIII. تَسجيل الحُكم على العَقارات (المادة 506)

نَصّت المادة 506: «إذا كان المَفلس صاحب أموال عَقارية أو حقوق عَينية عَقارية، فيَكون الحُكم بإعلان الإفلاس خاضعاً لقَواعد النَشر المُختصّة […]».

أي إن الحُكم بإعلان الإفلاس يَخضع لِنِظام التَسجيل في السجل العَقاري الذي يَنظِمه قانون الملكية العَقارية وقَرار 188/1926 وقَرار 189/1926. وأَثَر هذا التَسجيل:

  • إعلامُ كل مُتعامل مَع عَقارات المَفلس بحالته الإفلاسية؛
  • مَنع أي إنشاء حُقوق عَينية جَديدة على هذه العَقارات (رَهن، حَقّ ارتفاق، إلخ) خارجَ نِظام التَفليسة؛
  • تَفعيل قاعدة المادة 510 (راجِع القِسم XIV.4 أدناه) بأن «قَيد الرَهن بعد تَسجيل الحُكم بإعلان الإفلاس باطلٌ تجاه جَماعة الدائنين».

XIV. النِظام الزَمني للأعمال الباطلة (المواد 507-510)

هذه المواد هي القَلب الفِقهي للإفلاس، إذ تُنظِّم المَفعول الرَجعي لحُكم الإفلاس على الأعمال التي قام بها التاجر بين تاريخ الانقطاع وتاريخ صُدور الحُكم (فَترة الرّيبة، أو الفترة المَشبوهة).

1. الأعمال الباطلة قَطعياً (المادة 507)

عَدَّدت المادة 507 طائفة من الأعمال التي «تَكون باطلة حَتماً بالنَظر إلى جَماعة الدائنين» إذا قام بها المَدين بعد تاريخ انقطاعه عن الإيفاء:

  • التَفرّغ المَجاني عن المَنقول أو العَقار؛
  • الإيفاء قبل الاستحقاق ـ سواء بالنَقد أو بإفراغ مُتعَلِّق بِبَدَل عَقاري؛
  • الإيفاء بعد الاستحقاق بطَريقة غير اعتيادية (مَثلاً: عَقد بَدَلاً عن دَفع، تَفرّغ عَقار بَدَلاً عن دَفع، إصدار سَنَد مَنقول ـ على عكس الدَفع النَقدي العادي)؛
  • رَهن أو امتياز على أمواله ضَماناً لِديونٍ سابقة للانقطاع.

البُطلان هنا حَتمي ـ أي لا يَحتاج إلى إثبات سوء النية. مُجرَّد حُصول العمل بعد تاريخ الانقطاع يَكفي لإبطاله. وَهذا تَنظيم صارم يَهدُف إلى مَنع التاجر المُنقطع من تَفضيل بعض الدائنين على غَيرهم خِلال فَترة الرّيبة.

2. الإيفاءات والأعمال الأخرى مَعَ الإثبات (المادة 508)

نَصّت المادة 508: «كل إيفاء آخر لديون مُستحقة يَقوم به المَدين، وكل عَمل يُجريه مُقابل بَدَل بعد انقطاعه عن الإيفاء وقبل الحُكم بإعلان إفلاسه، يَجوز إبطالُه إذا كان الذين تَعامَلوا مع المَدين على عِلم بانقطاعه عن الدَفع».

الفارق هنا جَوهري:

  • في المادة 507: البُطلان حَتمي بقَطع النَظر عن العِلم بانقطاع المَدين؛
  • في المادة 508: البُطلان جَوازي ومَشروط بإثبات عِلم المُتعاقد مَع المَدين بانقطاعه عن الدَفع.

أي إنّ إيفاءَ الديون المُستحقة المُعتاد، أو إجراءَ صَفقة طَبيعية بمُقابل ـ يَبقى صَحيحاً حتى لو وَقع في فَترة الرّيبة، إلا إذا أَثبَتت جَماعة الدائنين أن المُتعاقد كان يَعلم بانقطاع المَدين عن الدَفع. هذا تَوازنٌ دَقيق بَين حِماية الدائنين وحِماية حُسن نِية المُتعاملين مَع التاجر.

3. دَعوى الاسترجاع (المادة 509)

نَصّت المادة 509: «إن إبطال الأعمال المُتقدّم ذِكرها يَفسَح مَجالاً عند الاقتضاء لإقامة دَعوى الاسترجاع».

أي إنّ إبطال العَمل وَفقاً للمادتين 507-508 لا يَكفي وحدَه ـ يَجب أن تَلحَقه دَعوى استرجاع المال الذي خَرج من ذِمّة المَدين. هذه دَعوى يُقيمها وكلاء التَفليسة لِصالح جَماعة الدائنين بَعد إبطال العَمل. والاسترجاع يَكون لِما تَفرَّع عن العَمل من مالٍ، وَفقاً للقَواعد العامة في رَدّ ما يَتمّ التَصرّفُ به بشَكلٍ غير مَشروع.

4. قَيد الرَهن بعد تَسجيل الحُكم (المادة 510)

نَصّت المادة 510: «يَكون باطلاً تجاه جَماعة الدائنين قَيدُ الرَهن بعد تَسجيل الحُكم بإعلان الإفلاس».

أي إنّ أي رَهن جَديد (عَقاري أو غَيره) يَتمّ قَيدُه في السجلات الرَسمية بعد تاريخ تَسجيل الحُكم بإعلان الإفلاس يَكون باطلاً تجاه الجَماعة. وَهذه قاعدة بَسيطة لكنها واسعة الأَثر: لا يَستطيع أحد ـ ولو بحُسن نية ـ أن يَستحوذ على رَهن عَيني على مَوجودات المَفلس بعد دُخوله رَسمياً في حالة الإفلاس.

XV. مُرور الزَمن على دَعاوى الإبطال (المادة 511)

نَصّت المادة 511: «إنّ دَعاوى الإبطال المنصوص عليها في المواد 507 و508 و510 تَسقط بحُكم مُرور الزَمن بعد ثَمانية عشر شَهراً من يَوم إعلان الإفلاس».

أي إنّ المُهلة لِرَفع دَعاوى الإبطال محدودة بـ 18 شَهراً من تاريخ إعلان الإفلاس. ومن لم يُقِم الدَعوى خِلال هذه المُهلة سَقَط حقُّه. هذا حُكم مَنطقي يَهدُف إلى استقرار التَعامُل وعَدم إبقاء صَفقات قَديمة عُرضةً للطَعن إلى ما لا نِهاية.

تَنبيه عَملي: الـ 18 شَهراً تَنطبق فقط على دَعاوى المواد 507 و508 و510. دَعاوى أخرى تَرتبط بالإفلاس (مَثلاً: دَعاوى المَسؤولية الجَزائية في الإفلاس التَقصيري أو الاحتيالي، وَفقاً للمواد 631 وما يَليها) لها مُهَل مُرور زَمن مُختلفة سيَأتي شَرحُها في الجزء الثامن-د.

خُلاصة عَملية

  • حالة الإفلاس تُعرَّف بمَدخَلَين (المادة 489): الانقطاع الفِعلي عن دَفع الديون التجارية، أو الاستِناد إلى وَسائل غير مَشروعة لِدَعم الثقة المالية على نَحو ظاهر.
  • الاختصاص المَكاني هو محكَمة المُؤسسة التجارية الأصلية (المادة 490)، وهي نَفس محكَمة الصلح الاحتياطي. والمحكمة المَقصودة هي الغُرفة الابتدائية بتَشكيلتها الثَلاثية (رئيس وعُضوَين، المادة 85 أصول مَدنية) لا قاضي مُنفرد. الحُكم بإعلان الإفلاس مُعجَّل التَنفيذ ـ لا يُوقفه الاعتراضُ ولا الاستئنافُ.
  • الاختصاص بكل دَعاوى الإفلاس إلزامي (المادة 108 أصول مَدنية مُضافة إلى الفقرة الرابعة من المادة 490 من قانون التجارة)، ولا يَجوز للأطراف الاتفاق على محكمة أخرى أو على تَحكيم بشأن النِزاعات الإفلاسية، حتى لو كان عَقدُهم السابق يَتضمَّن شَرط تَحكيم أو شَرط اختصاص (المادة 107 أصول مَدنية).
  • ثَلاث طُرُق لرَفع الدَعوى: تَصريح من التاجر (المُهلة 20 يوماً، التَأخّر = جُنحة إفلاس تَقصيري ـ راجِع الجزء الثامن-د)؛ استحضار من الدائن (3 أيام)؛ استدعاء بلا دَعوة في الأحوال المُستعجلة (المادتان 491-492).
  • للمحكمة أن تُعلن الإفلاس من تِلقاء نَفسها عند الاقتضاء (المادة 493)، وكذلك إذا ظَهر لها عَرَضاً خِلال محاكَمة أخرى ـ مَدنية أو تجارية أو جَزائية ـ أنّ التاجر في حالة إفلاس ظاهرة (المادة 498).
  • التاجر المُعتزل أو المُتوَفّى يَجوز إعلانُ إفلاسه في خِلال سَنة من تاريخ الاعتزال (المادة 494).
  • تَعيين وَقت الانقطاع عن الإيفاء في الحُكم وَجِيب (المادة 495) ـ هذا التاريخ هو الزاوية الزَمنية لِكل المَفاعيل الرَجعية.
  • الحُكم يُنشَر في خِلال 5 أيام بعَناية وكلاء التَفليسة (المادة 496). وَجميع الأحكام الإفلاسية قابلة للاعتراض والاستئناف ما لم يَنُص نَص خاص خِلاف ذلك (المادة 497).
  • مَهَل الطَعن الإفلاسية خاصة وأقصر من القاعدة المَدنية العامة (المادة 497 ¶2): الاعتراض 8 أيام، الاستئناف 15 يوماً، ابتداءً من تاريخ الحُكم نَفسه ـ لا من تاريخ تَبليغه (خِلافاً للقاعدة العامة في المادة 643 أصول مَدنية التي تَجعل الاستئناف ثَلاثين يوماً من التَبليغ). للأحكام الخاضعة لِمُعاملات الإلصاق والنَشر ـ ومنها حُكم إعلان الإفلاس ـ المُهلة تَبدأ من يَوم إتمام تلك المُعاملات لا من تاريخ صُدور الحُكم.
  • محكمة الاستئناف مُلزَمة بالفَصل في ثَلاثة أشهر (المادة 497 ¶3). وحُكم إعلان الإفلاس مُعجَّل التَنفيذ بقُوّة القانون (المادة 490 ¶2) ـ لا يُوقفه أي طَعن، وكل المَفاعيل المباشرة تَستمرّ في السَريان ريثَما تَفصل محكمة الاستئناف. والفقرة الرابعة من المادة 497 تَسد تَحديداً أمام المَفلس بابَ الاستفادة من المادة 577 أصول مَدنية (التي تَمنح محكمة الاستئناف صَلاحية وَقف التَنفيذ المُعَجَّل).
  • أسماء المَفلسين تُدرَج في جَدول عَلَني يُلصَق على باب كل محكمة وفي غُرفة التجارة (المادة 499) حتى استعادة الاعتبار.
  • سُقوط الحقوق السياسية للمَفلس (المادة 500): لا انتخاب ولا تَرشّح في المَجالس السياسية، المَدنية، التجارية، الصناعية، الزراعية، أو الإدارية والاستشارية.
  • التَخلّي عن إدارة الأموال فَوري وشامل (المادة 501): منذ يَوم صُدور الحُكم، يَنزِع الإفلاس الإدارةَ من يَد المَفلس ويُسلّمها لِوكلاء التَفليسة. والتَخلّي إداري لا تَملّكي ـ المِلكية تَبقى للمَفلس لكن الإدارة تَنتقل.
  • الحقوق غير المالية تَبقى للمَفلس شخصياً (المادة 502): حقوقُه كَرَبّ عيلة، حقوقُه الشخصية البَحتة، المَصالح غير المالية.
  • إيقاف المُلاحقة الفردية للدائنين العاديين وأصحاب الامتياز العام (المادة 503): التَحصيل يَكون بالطَريقة الجَماعية فقط، لا بالحجوزات والمُلاحقات الفردية.
  • إيقاف جَريان الفَوائد على الديون غير المَضمونة بامتياز خاص أو رَهن عَقاري ـ بالنَظر إلى الجَماعة فقط (المادة 504).
  • إسقاط الأَجل بالنَظر إلى المَفلس وحدَه (المادة 505): جَميع الديون تَصير مُستحقة فَوراً، لكن إسقاط الأَجل لا يَنسحب على الكَفلاء والشركاء في الدَين.
  • تَسجيل الحُكم على العَقارات يَخضع لِقَواعد النَشر العَقاري (المادة 506) ـ شَرطٌ لاستِنفاذ مَفعول المادة 510 على القُيود اللاحقة.
  • الأعمال الباطلة قَطعياً في فَترة الرّيبة (المادة 507): التَفرّغ المَجاني، الإيفاء قبل الاستحقاق، الإيفاء غير الاعتيادي، الرَهن أو الامتياز ضَماناً لِديونٍ سابقة للانقطاع. البُطلان حَتمي ولا يَحتاج لإثبات سوء نية.
  • الأعمال الأخرى مَعَ إثبات العِلم (المادة 508): الإيفاءات المُعتادة والصَفقات بمُقابل تَبقى صَحيحة، إلا إذا أَثبَتت الجَماعةُ أنّ المُتعاقد كان عالماً بانقطاع المَدين عن الدَفع.
  • دَعوى الاسترجاع تُكمِل دَعوى الإبطال (المادة 509): لا يَكفي إبطال العَمل، بَل يَجب استرجاع المال الذي خَرج من ذِمّة المَدين.
  • قَيد الرَهن بعد تَسجيل الحُكم باطلٌ تجاه الجَماعة (المادة 510): لا يَستطيع أحد ـ ولو بحُسن نية ـ استحواذ رَهن عَيني على مَوجودات المَفلس بَعد تَسجيل الحُكم.
  • مُرور الزَمن على دَعاوى الإبطال 18 شَهراً من تاريخ إعلان الإفلاس (المادة 511) ـ ينطبق فقط على دَعاوى المواد 507 و508 و510.

ما يَلي

في الجزء الثامن-ج نَنتقل إلى أصول المُحاكَمة في الإفلاس، أي تَنظيم عَمل وكلاء التَفليسة والقاضي المنتدَب وأعمال الإدارة الجَماعية للمَوجودات: تَعيين الوُكلاء، صَلاحياتهم، وَضع الأختام، الجَرد، تَحصيل الديون، تَحقيقها، الموازنة، بَيع الأموال، إلى حين بَدء التَوزيع ـ كل ذلك من المادة 512 إلى المادة 630 (مع مَوادّ الباب الثالث في أصول المُحاكَمة المُوجَزة).

ثم في الجزء الثامن-د نَختم سلسلتنا في الإفلاس بِالأبواب الثَلاثة الأخيرة من الكتاب الخامس: الإفلاس التَقصيري والاحتيالي (المواد 632-650)، إعادة الاعتبار (المواد 651-661)، أحكام خاصة بإفلاس الشركات (المواد 662-667)، وأحكام عامة ومؤقتة (المادة 668).