logo

WIDE RANGE OF EXPERIENCE IN REAL ESTATE, ARBITRATION AND ALL MAJOR BRANCHES

Recent posts

  • ...

  • أصول إدارة الت...

  • إعلان الإفلاس ...

© Kallas Law firm.

Blog

Home / الدليل العملي للقانون التجاري  / الصلح الاحتياطي في قانون التجارة البرّية اللبناني — قائمة عملية (المواد 459-488)

الصلح الاحتياطي في قانون التجارة البرّية اللبناني — قائمة عملية (المواد 459-488)

يبدأ بهذا الجزءُ الكتابُ الخامس من قانون التجارة البرّية اللبناني، وهو الكتاب الذي يَنظِم نظام الإجراءات الجماعية: الصلحَ الاحتياطي ابتداءً (المواد 459-488)، ثم الإفلاسَ بفصوله الخمسة (المواد 489-629)، فأصولَ المحاكمة الموجزة (المادتان 630-631)، فالإفلاسَ التَقصيري أو الاحتيالي (المواد 632-650)، فإعادةَ الاعتبار (المواد 651-661)، فأحكامًا خاصة بإفلاس الشركات (المواد 662-667)، وأحكاماً عامة ومؤقتة (المادة 668). نَستهلّ هذه السلسلة الفرعية بالباب الأول من الكتاب الخامس، أي الصلح الاحتياطي بمواده الثلاثين، إذ هو المسار الذي يَسلكه التاجر الذي تَلوح في أُفق نشاطه قَرائنُ التوقّف عن الدفع قبل أن يَنزلق فِعليّاً إلى الإفلاس.

وقد بُنِيَ هذا الجزء على نصّ القانون كما هو نافذ، فأحكام الباب الأول من الكتاب الخامس لم يَطَلْها القانونُ 126/2019 الذي اقتَصر تَدخّلُه على الكتاب الثاني من قانون التجارة (الشركات التجارية). فالنصُّ الذي يَقرأه القارئ هنا هو النصّ الأصلي للمرسوم الاشتراعي رقم 304 تاريخ 24/12/1942.

ولأن الصلح الاحتياطي قَرين الإفلاس بطبيعته ـ هو إما يَنجَح فيَجنُب التاجرَ الإفلاسَ، وإما يَنهار فيُفضي إلى إعلانه ـ فإن قراءته منفصلة عن الإفلاس لا تَكتمل. نُحيلُ القارئَ، في كل موضع يَلزَم فيه ذلك، إلى الأجزاء اللاحقة من هذه السلسلة الفرعية حيث يَلتقي الصلحُ بالإفلاس آلِيّاً.

ملاحظة: هذا الجزء جزءٌ من سلسلة الدليل العملي للقانون التجاري اللبناني. للوصول إلى الجزء السابق ـ الشيك مدنيّاً وجزائيّاً ـ يُرجى مراجعة الجزء السابع.

I. ماهية الصلح الاحتياطي ومَوقعه في النظام التجاري

الصلح الاحتياطي ـ بحَسب ما ينبثق من المواد 459 وما يليها من قانون التجارة البرّية ـ هو اتّفاق جماعي يُبرَم بين التاجر المَدين وأكثرية دائنيه، تحت إشراف المحكمة البِدائية وبتَصديقها، يَهدُف إلى تَنظيم تَسديد الديون بحَسب مُعدّل وآجال يُقترَحان من المَدين ويُوافِق عليهما الدائنون بالأكثريات والشروط التي حدّدتها المواد 471 وما يليها.

ومَوقعه في النظام التجاري يَتحدّد بثلاثة عناصر متَلازمة:

أولاً، أنه إجراء وقائي. ميزته الجوهرية أنه يُتاح قبل التوقف عن الدفع، أو في خلال الأيام العَشرة التي تلي هذا التوقف (المادة 459). فالقانون لا يَنتظر تَوقّفَ التاجر فِعليّاً ليَمنحه مَخرَجاً، بل يَفسَح أمامه بابَ الترتيب الجماعي قبل أن يَنزلق إلى التوقف الكامل أو في غضون مهلة قصيرة من بَدئه. وهذه الميزة الزمنية هي التي تُعطي الصلحَ الاحتياطي صفتَه “الاحتياطية”.

ثانياً، أنه إجراء جماعي. فهو لا يُبرَم مع كل دائن على حدة بل مع مَجموع الدائنين بقَرار أكثرية مَلزِم للجميع بَعد التثبيت (المادة 481). الدائن الذي اعترَض أو غاب أو لم يُوافِق يَخضَع للصلح المُصدَّق كما الدائن الذي وافَق عليه طَوعاً. هذه السِمة الجماعية هي ما يُميّز الصلحَ الاحتياطي عن أي اتفاق وَدّي ثُنائي بين مَدين ودائن مَعزول.

ثالثاً، أنه إجراء قَضائي يَحتفظ بحقوق الدائنين الأساسية. فالمحكمة هي التي تَقبَل الطلبَ أو تَردّه (المادة 461)، وتُعيّن قاضياً منتدَباً ومُفوّضاً (المادة 462)، وتُصدّق الصلحَ أو تَرفُض تَصديقه (المادة 477). والدائنون يَحتفظون بحقوقهم على الشركاء في الدين وعلى الكَفلاء وعلى المُتفرَّغ لهم من المَدين (المادة 481، الفقرة الثانية)، وللدائن المُعترِض حقُّ الاستئناف ضمن مهلة خمسة عشر يوماً (المادة 480).

أما الفارق الجوهري الذي يُميّز الصلحَ الاحتياطي عن الإفلاس فهو فارقٌ تَوقيتي وإداري: الصلحُ الاحتياطي يَجري والتاجرُ لا يَزال على رأس مَشروعه التجاري يُديره (المادة 465) تحت إشراف القاضي والمُفوّض؛ أما الإفلاس فيَنتزع الإدارة من يَد المَفلس ويُسلِّمها إلى وكيل التفليسة. هذه النُقطة وحدها تَكفي لفَهم لماذا يَلجأ التاجرُ إلى الصلح الاحتياطي قبل الإفلاس: لأنه يُبقيه قائماً على شُؤون مَشروعه.

II. شروط طلب الصلح الاحتياطي (المادتان 459-460)

1. مَن يَحق له الطلب ومتى

نَصّت المادة 459 على ثلاث شروط مُتلازمة لتَقديم الطلب:

صفة التاجر. فالطلبُ مَفتوح “لكل تاجر”، ومَفهوم التاجر هنا هو المَفهوم نفسه الذي عَرّفته المواد 6 و7 و8 من قانون التجارة (راجع الجزء الأول من هذه السلسلة لتَفصيل صفة التاجر). الشركات التجارية تَستفيد كذلك من الصلح الاحتياطي، وقد خَصّت المادة 482 الشركاءَ المسؤولين شخصياً عن ديون الشركة بمَفعول الصلح الذي مُنِح للشركة، ما لم يَكُن في عَقده نصّ مُخالف.

الإطار الزَمني. يُتاح الطلبُ في حالتَين: قبل التوقّف عن الإيفاء، أو في خلال الأيام العشرة التي تلي هذا التوقّف. أي أن المُهلة بَعد بدء التوقّف ضَيّقة: عشرة أيام فقط. وكلُّ تأخّر يَتجاوز هذا الإطار يَفتح الباب أمام الدائنين لطلب إعلان الإفلاس وفقاً للمادة 492 (وهذا أحد المَواضع التي تَلتقي فيها أحكامُ الصلح بأحكام الإفلاس).

الاختصاص المَكاني. يُقدَّم الطلبُ إلى المحكمة البِدائية المُنعقدة في المنطقة التي يَكون فيها المحَل الأصلي للتاجر. والمحَل الأصلي هنا هو مَركز نَشاطه التجاري الرئيسي، لا محَلَّ سُكناه الشخصي.

2. المُستندات الواجب إرفاقها

عَدّدَت المادة 460 المُستنداتِ الواجبَ تَقديمها تَأييداً للطلب، وهي:

  • الدفاتر التجارية الإجبارية المُنَظَّمة وفاقاً للأصول منذ ثلاث سنوات على الأقل أو من بَدء احترافه التجارة إذا كانت مُدّتها أقل.
  • وثيقة قَيد التاجر في السجل التجاري.
  • بيانٌ مفصَّل وتقديريٌّ لأعماله.
  • بيانٌ بأسماء جميع دائنيه مع الإشارة إلى مبلغ دين كل منهم ومحل إقامته.
  • في حالة الشركة: المستندات المُثبتة لإنشائها وفقاً للأصول.
  • توضيح الأسباب التي حَملت التاجر على طلب الصلح.
  • بيان مُعدَّل التوزيع الذي يَنوي عَرضه على دائنيه، أو الأسباب التي تَحول دون الإفصاح في الحال عن مُقترحاته.
  • الضمانات العينية أو الشخصية التي يُقدّمها لدائنيه.

3. الحدود الدُنيا لمُعدَّل التوزيع

شَدّدت الفقرة الثالثة من المادة 460 على عدم جواز أن يَكون المُعدَّل المُقترَح أقل من نِسَب مُعَيّنة تَختلف بحَسب المُهلة المُقترَحة للإيفاء:

مُهلة الإيفاء المُقترَحة الحَدّ الأدنى لمُعدَّل التوزيع
سنة واحدة 50% من رأس مال الديون العادية
ثمانية عشر شهراً 75% من رأس مال الديون العادية
ثلاث سنوات 100% من رأس مال الديون العادية

هذه الحدود الدنيا ليست تَفاوضية بَل قانونية: المحكمة مَلزمة برَفض الصلح إذا كانت مُقترحاته دون هذه الحدود (المادة 477). وللوقوف على المَنطق التشريعي وراءها يَكفي أن نُلاحظ أن المُشَرّع رَبَط الحَدَّ الأدنى للنسبة بطول المهلة: كلما طالت المهلة وَجَب أن تَزيد نسبةُ التَسديد، حتى تَصل إلى 100% عند ثلاث سنوات. أي إن المُشرّع لا يَقبَل أن يُحرَم الدائنُ من جزء من دَيْنه وأن يَنتظر في الوقت نفسه ثلاث سنوات لتَحصيله: إما أن يَقبَل قَطعاً نسبيّاً في مُهلة قَصيرة (سنة)، وإما أن يَنتظر مهلة طويلة (ثلاث سنوات) ولكن مع تَسديد كامل لأصل الدين.

III. مَوقف المحكمة من الطلب: قَبول أو رد (المادتان 461-462)

1. أسباب الرَد المَنصوص عليها في المادة 461

عَدّدت المادة 461 أربعة أسباب يَتوجب على المحكمة، بعد استماع النيابة العامة وفي غُرفة المُذاكرة، أن تَرد الطلب بسببها:

أ. النَقص في الإيداع. إذا كان الطالبُ لم يُودِع الدفاتر والمستندات المنصوص عنها في المادة 460. هذا سبب شَكلي، ولكنه قَطعي: المحكمة لا تَملك سُلطة تَقديرية لتَجاوز نَقص الإيداع، بَل عليها رَد الطلب ابتداءً.

ب. السوابق الجَزائية والإفلاسية. إذا كان قد حُكم سابقاً بأحدِ الأفعال التالية: الإفلاس الاحتيالي، التَزوير، السَرقة، إساءة الائتمان، الاحتيال، الاختلاس في إدارة الأموال العامة. وأُضِيف إلى ذلك: مَن لم يَقُم بما التَزَمه في صلح احتياطي سابق، ومَن أُعلن إفلاسه سابقاً ولم يُوفِ ديونَ جميع دائنيه أو لم يَقُم بموجبات الصلح بتَمامها. والمَنطق هنا أن الصلح الاحتياطي يَستلزم ثِقة قَضائية بحُسن نية المَدين، وهذه الثقة تَنتفي تجاه مَن سَبقَت إدانته بأحد هذه الأفعال أو تَخلّفه عن وَفاء صَلح أو إفلاس سابقَين.

ج. عَدم تَقديم ضمانات كافية للقيام بتوزيع المُعَدّل المُقترَح.

د. الفِرار وإخفاء الموجودات. إذا فَرّ التاجر بعد إقفال جميع محلاته، أو إذا اختَلَس أو أنقَص بطريقة الاحتيال قِسماً من ثَروته.

والأثَر الأهم لتَوفّر أحد هذه الأسباب الأربعة: إذا تَوفّر السبب وكان التاجرُ قد تَوقّف فِعلياً عن إيفاء ديونه التجارية، تُقرر المحكمة من تِلقاء نَفسها إعلانَ إفلاسه (المادة 461، الفقرة الأخيرة). فالرَد لا يَكون مُجرّداً، بَل يُفضي مباشرة ـ في حالة التوقف الفِعلي ـ إلى الإفلاس بقَرار ذاتي من المحكمة دون حاجة إلى طَلَب من دائن. هذا أحد المَواضع التي يَلتقي فيها بابُ الصلح الاحتياطي بباب الإفلاس آلِيّاً.

2. قَبول الطلب: تَشكيل الجهاز القَضائي للصلح

إذا اعتَبَرت المحكمة أن الطلبَ قانوني وحَريّ بالقبول، فإنها تُصدر ـ بمُقتضى قرار غير قابل للاستئناف ـ قراراً يَتضمّن:

أ. دَعوة الدائنين للحضور أمام قاضٍ مُنتَدَب للمناقشة والمذاكرة في اقتراح الصلح.

ب. تَعيين القاضي المُنتَدَب، وتَكليفه بتَحديد محَل الاجتماع وتاريخه وساعته في خلال ثلاثين يوماً على الأكثر من تاريخ قرار المحكمة، وتَحديد المُهلة التي يَجب فيها نَشر القرار وإبلاغه إلى الدائنين.

ج. تَعيين المُفوَّض من غير الدائنين، وتَكون مَهمّته في هذه الأثناء:

  • مراقبة إدارة المَشروع التجاري؛
  • التَثبّت مما له وما عليه من الديون؛
  • إجراء التحقيق عن طَريقة تَصرّف المَدين؛
  • تَقديم تَقريرٍ لجمعية الدائنين في هذا الشأن.

وعلى القاضي المنتدَب أن يُعيّن للطالب مُهلة لا تَتجاوز خمسة أيام لإكمال البيان الاسمي بأسماء الدائنين عندما يُثبت التاجر أنه لم يَتمكن من تَقديم البيان كاملاً في الحال.

ويُلاحَظ هنا تَوزيعٌ دَقيق للأدوار: المحكمة سُلطةُ القَبول والرَد والتَصديق النِهائي؛ القاضي المنتدَب سُلطةُ الإدارة الإجرائية للمعاملة؛ المُفوّض جِهازُ المُراقبة والتَحقّق المُستقل.

IV. مَفاعيل الصلح أثناء المُعاملة (المواد 463-467)

1. النَشر والتَبليغ (المادة 463)

قَرارُ المحكمة بقَبول الطلب يَخضَع لنِظام نَشر وتَبليغ مَنصوص عليه في المادة 463:

  • إعلاناتٌ تُلصَق على باب المحكمة بعَناية الكاتب؛
  • خُلاصةٌ تُدرَج في إحدى جَرائد الإعلانات القضائية؛
  • تَسجيلٌ في السجل التجاري؛
  • إذا كان بيانُ أسماء الدائنين غير كامل أو وَجَدت المحكمةُ ضرورةً للتَوسع في النشر، يَحق لها أن تُعيّن جَرائدَ أخرى ولو كانت صادرةً خارج لبنان لنَشر الإعلانات؛
  • إبلاغُ كل دائن بكتاب مَضمون أو بَرقية حَسبما تَكون المسافة، يَتضمّن: اسم المَدين، اسم القاضي المنتدَب، اسم المراقِب، تاريخ قَرار الدَعوة، محل الاجتماع وتاريخه، وبَياناً مُوجَزاً لاقتراحات المَدين.

2. تَجميد المُلاحقات والإيقاف الإجرائي (المادة 464)

هذه المادة هي قَلب الصلح الاحتياطي من حيث الأثَر الفِعلي، ونَصُّها يَستحقّ التَأمّل: «منذ تاريخ إيداع الطلب إلى أن يَكتسب قرار تَصديق الصلح صيغةَ القضية المَحكوم بها، لا يَحقّ لأي دائن بِيَده سند سابق لتاريخ القرار أن يُباشر أو يُواصل مُعاملة تَنفيذية، أو أن يَكتسب أيَّ حقّ امتياز على أموال المَدين، أو أن يُسجّل رَهناً عقاريّاً؛ وإن فَعَل كان عَملُه باطلاً.»

وأَتبعَت المادةُ هذا المَنع بأربعة مفاعيل قانونية:

أ. وَقف مَدد مرور الزمن المُختصّة بالدعاوى والحقوق التي كانت قد انقَطعت من جَرّاء الأعمال المَمنوعة. أي إن الدائنَ الذي لا يَستطيع المُلاحقة لا يَخسر دَيْنَه بانقضاء المُهَل.

ب. اعتبارُ الديون العادية مُستحقة الأداء. الديون التي ليس لها امتياز تَصير مُستحقة الأداء فَوراً تجاه الدائنين فقط، أي لأغراض حِساب الأكثرية وفقاً للمادة 471. ولكن هذا الاستحقاق لا يَنقُل إلى دائن استحقاقاً لم يَكُن له خارج هذا السياق.

ج. انقطاع الفائدة على هذه الديون تجاه الدائنين فقط، أي ابتداءً من تاريخ الإيداع.

د. الديون الضَريبية لا تَخضَع لهذا التَجميد. هي ممتازةٌ بطبيعتها ومُستثناة من المفاعيل المَنصوص عليها في المادة 464، ولها ولاية تَحصيلها الخاصة بمُوجب قانون المُحاسبة العمومية.

ملاحظة: الديون الضَريبية مَوضوع مُستقل بنفسه. للوقوف على نِظامها التحصيلي راجِع قانون المُحاسبة العمومية وقانون الإجراءات الضريبية، وهما خارج نِطاق الكتاب الخامس من قانون التجارة.

3. مَوقع المَدين أثناء المُعاملة (المادة 465)

تَنُصُّ المادة 465: «في أثناء معاملة الصلح الاحتياطي يَبقى المَدين قائماً بإدارة أمواله ويُثابر على القيام بجميع الأعمال العادية المختصة بتجارته تحت إشراف المُفوّض وإدارة القاضي المنتدَب. ويَحق لهذين الشَخصَين أن يَطّلعا على الدفاتر التجارية في كل آن.»

ثلاثُ نُقَط جَوهرية تَنبَع من هذا النَص:

أ. الإدارة تَبقى بيَد المَدين. هذا هو الفارق التَنفيذي الجَوهري بين الصلح الاحتياطي والإفلاس. في الإفلاس تَنتزَع الإدارة فَوراً وتُعهَد إلى وكيل التفليسة؛ في الصلح يَستمرّ المَدين قائماً على تَجارته وموظَّفيه وعقوده.

ب. السقفُ الإداري هو “الأعمال العادية”. لم يُحدّد القانون هنا تَعريفاً جامعاً مانعاً للأعمال العادية، لكنّ القراءة المُتكاملة مع المادة 466 تَكشف أن المُقصود: الأعمال اليَومية الجارية للمَشروع التجاري ذاته، باستثناء الأعمال المَنصوص على مَنعها في المادة 466.

ج. الاطّلاع الدائم للقاضي والمفوّض. لهما حق الاطّلاع على الدفاتر التجارية “في كل آن”، أي دون حاجة إلى إذن مُسبق أو إنذار للمَدين. وهذا حقّ مُستمر طوال مدة المعاملة لا يَنقطع بحَدَث مُعَيَّن.

4. الأعمال المَمنوعة على المَدين (المادة 466)

شَدّدت المادة 466 على مَنع طائفتَين من الأعمال:

الطائفة الأولى: الأعمال المَجانية وأعمال الكَفالة.

  • الهِبات؛
  • غَيرها من الأعمال المَجانية؛
  • أعمال الكَفالة.

هذه الأعمال لا يَجوز الإدلاء بها على الدائنين (الفقرة الأولى من المادة 466). أي إنها وإن صَدَرت من المَدين خِلال المعاملة، فلا تُحتَجّ بها على الدائنين، وحُكمها تجاههم كأنها لم تَكُن.

الطائفة الثانية: الأعمال المَشروطة بترخيص القاضي المنتدَب.

اقتراضُ المال (حتى لو كان في صيغة سُندات سَحب)، عَقد الصلح، التَحكيم، البُيوع الخارجة عن نَشاطه التجاري المُعتاد، إنشاء رَهن عقاري، إنشاء تأمين ـ كل ذلك لا يَجوز إلا بترخيص من القاضي المنتدَب. ولا يَحقّ للقاضي أن يَسمَح بها إلا إذا كانت «فائدتُها جَلِيّةً واضحة».

تَنبيه عَملي: عبارة «فائدتُها جَلِيّةً واضحة» في الفقرة الأخيرة من المادة 466 صياغةٌ تَشدّدية مَقصودة من المُشَرّع: لا يَكفي أن تَكون الفائدة مُحتملة أو مَرجوّة، بَل يَجب أن تَكون ظاهرة بذاتها. وهذا يَفسّر سُلطة القاضي المنتدَب الواسعة في رَفض التَرخيص في الحالات التي تَكون فيها مَنفعة العمل غامِضة أو مَنفَعة المَدين فيها مَجهولة الاتجاه.

5. عُقوبة المخالفة: الانتقال إلى الإفلاس (المادة 467)

نَصُّت المادة 467 على ما يَحدُث عند مُخالفة المَدين أحكامَ المادتين 465 و466، أو عند ثُبوت إخفائه قِسماً من موجوداته أو إهماله المُتعمَّد ذكر بعض الدائنين، أو ارتكابه خَدعةً ما بوَجه عام: «القاضي المنتدَب يَرفع الأمر إلى غُرفة المُذاكرة في المحكمة فتُقرّر الإفلاس».

وأَضافت المادة في فقرتها الأخيرة: «ولا يَحول ذلك دون العقوبات الجَزائية التي استَهدف لها التاجر». أي إن الانتقال إلى الإفلاس لا يَعني انتفاءَ المسؤولية الجَزائية في حال تَوفّر شُروطها (تَزوير، اختلاس، إفلاس احتيالي وفقاً للمواد 631 وما يَليها التي سيُغطّيها الجزء الثامن-د من هذه السلسلة).

V. التَحقّق من الديون وانعقاد جمعية الدائنين (المواد 468-473)

1. تَقرير المراقِب (المادة 468)

قبل اجتماع جَمعية الدائنين بثلاثة أيام على الأقل، يَتوَجب على المُفوَّض/المراقِب القيام بمَهمّة مُزدوجة:

أ. التَحقق من البيانات. يَطّلع على دَفاتر المَدين وسَنداته، ويَستند إلى المعلومات التي يَتمكّن من جَمعها، فيَتحقق من صحة بيان الدائنين والمَدينين، ويُجري فيه التَعديلات اللازمة، ويُبيّن المبالغ المُترتبة للمَدين أو عليه. وله أن يَطلب من أصحاب العلاقة الإيضاحات اللازمة.

ب. وَضع تَقرير مُفصَّل. عن حالة المَدين التجارية وعن تَصرّفاته، يُودِعه قَلَم المحكمة قبل مَوعد الاجتماع المُعيَّن للصلح بثلاثة أيام على الأقل.

2. سَير الاجتماع (المادة 469)

يَرأس القاضي المُنتَدَب اجتماعَ الدائنين. وتَنظِم المادة 469 ثلاث نُقَط جَوهرية:

أ. تَمثيل الدائن. كل دائن له أن يُقيم وكيلاً خاصاً عنه يَحمل وَكالة خَطّية. ولا يَحتاج هذا التَوكيل إلى أي مُعاملة شكلية: تَكفي كتابتُه على ظَهر كتاب الدَعوة أو على البَرقية. هذه مُرونة عَملية تَسمَح للدائن الذي لا يَستطيع الحضور بالتَمثل دون أعباء تَوثيق إضافية.

ب. حُضور المَدين بنفسه. على المَدين أو من يُمثّله شَرعاً أن يَحضُر بنَفسه. ولا يُقبَل التَمثيل بواسطة وكيل خاص إلا إذا «تَعذّر حُضور المَدين بوَجه مُطلَق» وتَحقّق ذلك القاضي المُنتدَب. أي إن المَدين ليس بالنسبة إلى المحكمة طَرفاً اعتيادياً يَحق له التَوكيل بحُرية: شَخصُه مَطلوب لأغراض الاستجواب والتَفاوض، وغِيابه بالوَكالة استثناءٌ مُقيَّد بتَعذّر مُطلَق.

ملاحظة على دلالة “التَعذّر المُطلَق”: الصياغة الواردة في الفقرة الثالثة من المادة 469 (“إلا إذا تَعذّر حُضور المَدين بوَجه مُطلَق”) صِياغة تَشدّدية مَقصودة: التَعذّر العادي (انشغال، سَفر اختياري، ارتباطات أخرى) لا يَكفي. المَقصود حالات التَعذّر القَهري (المَرض، الاحتجاز، ظروف خارجة عن الإرادة).

ج. الترتيب الزَمني للمَداولات. بعد تلاوة تَقرير المراقِب، يُقدّم المَدين مُقترحاتِه النِهائية. وإذا لم يَتم إنجاز جميع المُعاملات في اليوم المُعيَّن، تُؤجّل حُكماً إلى أقرب يَوم شُغل يَليه، دون حاجة إلى إعلام الدائنين مُجدّداً حتى الغائبين منهم.

3. حق الدائن في الاعتراض (المادة 470)

لكل دائن في الاجتماع الحقُّ في عَرض الأسباب التي مِن أجلها يَعتقد:

  • أن دَيْناً مُعيَّناً مَشكوكٌ فيه؛
  • أو أن الدائن المَعنيّ بهذا الدين ليس أهلاً للتَساهل الذي يَلتمسه؛
  • أو أن مُقترحات المَدين بمُجملها غير جَديرة بالقبول.

وعلى الدائن المَعنيّ بالاعتراض أن يُؤدّي جَوابَه وأن يُعطي جميع الإيضاحات التي تُطلَب منه. ويُذكَر مُلَخّص جميع ذلك في المحضر وتُضَمّ إليه المستندات.

4. أكثرية التصويت (المادة 471)

شَدّدت المادة 471 على أكثرية مُزدَوجة:

«يَجِب أن تُوافِق على الصلح الاحتياطي غالبيةُ الدائنين الذين اشتركوا في التصويت، وأن تُمثّل هذه الغالبية على الأقل ثلاثة أرباع الديون غير الممتازة وغير المُؤمَّنة برَهن منقول أو غير منقول.»

أي إن النِصاب يَتألف من ضِلعَين:

  • العَدد: غالبية الدائنين المُشتركين في التصويت (أي 50% + 1 على الأقل).
  • القيمة: ثلاثة أرباع (75%) من قيمة الديون غير الممتازة وغير المضمونة.

والاجتماع نَفسه ليس له نِصاب أدنى مَنصوص عليه في النص ـ التصويت يَدور بين الحاضرين فِعلياً. ولكن الأكثرية تُحسَب على أساس الديون غير الممتازة وغير المُؤمَّنة فقط، أي إن الدائنين المُمتازين والمَضمونين (أصحاب الرَهن المنقول أو العَقاري) مُستَبعَدون من النصاب الأساسي.

ومع ذلك، أتاحَت الفقرتان الثانية والثالثة من المادة 471 للدائن المُمتاز أو المَضمون أن يَدخل في تَأليف هذه الأكثرية بشرط أن يَتنازل عن حقه في استعمال التأمين المُعطى له:

  • يَجوز أن يَقتَصر التَنازل على قِسم من الدين وملحقاته، شَريطة أن يَكون القِسم المتنازَل عنه مُعيَّناً وأن لا يَقلّ عن ثُلث مَجموع هذا الدين.
  • المُشاركة في التصويت من غير تَصريح بالتَنازل الجُزئي ثم القَبول بالصلح يُفيد حَتماً التَنازل عن تأمين الدين بكامله.

ونَصّت الفقرة الأخيرة من المادة 471 على أن مَفاعيل التَنازل عن الامتياز أو الرَهن، ولو كان جُزئياً، تَسقط حَتماً إذا لم يَتمّ الصلح أو تَقرّر إبطاله. أي إن التَنازل مَشروط بنَجاح الصلح: إن لم يَنجَح، عاد إلى الدائن المُمتاز/المَضمون حقُّه في تأمينه الأصلي.

تَنبيه عَملي: للدائن المُمتاز أو المَضمون أن يَختار بين ثلاثة مَواقف: (1) عَدَم التصويت أصلاً والاحتفاظ بكامل تأمينه، فيَخضَع للصلح المُصدَّق لاحقاً ـ بحَسب المادة 481 ـ ولكن مع احتفاظه بحقوقه على الكَفلاء والشركاء؛ (2) التصويت مع تَنازل جُزئي مُعيَّن بنَص (≥ ثُلث الدين)؛ (3) التصويت دون تَصريح بالتَنازل الجُزئي، فيَتحوّل ذلك حُكماً إلى تَنازل كامل عن التأمين.

5. الديون المُستَبعَدة من حِساب الغالبية (المادة 472)

نَصّت المادة 472 على استبعاد دُيون فِئتَين من حِساب الغالبية:

أ. ديون الأقرَب من العائلة. ديون زَوج المَدين، وديون أقاربه ومُصاهريه لغاية الدرجة الرابعة.

ب. ديون المُحرَزة بالتَفرّغ أو المُزايدة في السنة السابقة. الأشخاص الذين أَحرزوا هذه الديون بطَريقة التَفرّغ أو المُزايدة في خِلال السنة التي سَبقت طلب الصلح. والتَفرّغ عن الديون إذا حَدث بعد القرار المُختصّ بدَعوة الدائنين لا يَمنح حقَّ التصويت في عَقد الصلح.

والمَنطق التَشريعي وراء هذه الاستبعادات: مَنع تَلاعب المَدين بأكثرية الصلح عن طَريق تَوزيع جُزء من ديونه على أقاربه أو على أشخاص يَتفرّغون لهم منها صُورياً ليَستجلب أصواتَهم في الاجتماع.

6. تَسجيل القُبول (المادة 473)

على القاضي المنتدَب أن يَذكر في المحضر الذين قَبلوا الصلح وعلى هؤلاء أن يُوقّعوا جميعهم على المحضر. ويُدخَل في حِساب الغالبية الذين أعرَبوا عن قَبولهم بكتاب أو بَرقية إلى القاضي أو إلى الكاتب في الأيام الخمسة التي تَلي ختام مَحضر الاجتماع. ويُقيّد الكاتبُ هذا القَبولَ على هامش المحضر ويَضمّه إليه.

أي إن الدائن الذي لم يَحضُر الاجتماع، إذا أرسَل قَبولَه خِلال خمسة أيام بعد ختام المحضر، يُعَدّ مُشاركاً في التصويت لأغراض حِساب الأكثرية. وهذه ميزة مُهمة لتَدارك الغِياب غير الاختياري.

VI. تَثبيت الصلح أو رَفضه (المواد 474-480)

1. الجَلسة المُعَيّنة للتَثبيت (المادة 474)

قبل تَوقيع الإمضاءات على مَحضر الاجتماع، يَتخذ القاضي المنتدَب قراراً يُدرجه في المحضر، يَدعو فيه أصحابَ العلاقة إلى حُضور جَلسة مُعيَّنة أمام المحكمة لأجل تَثبيت الصلح، في مُهلة لا تَتجاوز عِشرين يوماً.

2. طَلبات المُفوَّض المُعَلَّلة (المادة 475)

قبل الجَلسة المُعيَّنة للتَثبيت بثلاثة أيام، على المُفوَّض أن يُودع قَلَم المحكمة طَلَباته المُعَلَّلة في إمكان قَبول الصلح. وفي الجَلسة، يُقدِّم القاضي المنتدَب تَقريراً، ويَحق للمَدين وللدائنين أن يَتدخلوا في المناقشة. وللمحكمة أن تَدعو المُفوَّض إلى غُرفة المُذاكرة للاستيضاح بعد أن تُرسل عِلماً للمَدين وللدائنين المُتدخّلين.

أي إن جَلسة التَثبيت ليست شَكلية: هي جَلسة بحث جَوهري تَستمع فيها المحكمة إلى القاضي المنتدَب وإلى المُفوَّض وإلى المَدين والدائنين، وتُحقّق في مُلابسات الصلح.

3. التَقدير المُؤقت للديون (المادة 476)

أتاحَت المادة 476 للمحكمة، في قَرار التَثبيت، أن تُقدّر مُؤقَّتاً واستناداً إلى القَرائن أهميةَ الديون المُصرَّح بها ومبالغها، لتَتحقق من وُجود الغالبية المُقتضاة، مع الاحتفاظ بما يُمكن صُدورُه فيما بعد من الأحكام القَطعية.

أي إن المحكمة لا تَنتظر صُدور أحكام قَطعية بكل دَيْن مُتنازَع عليه قبل أن تَتثبت من الأكثرية: لها أن تُقدّر مُؤقتاً بحَسب القَرائن، ولكن تَقديرها هذا مُؤقت ـ إذا صَدر لاحقاً حُكم قَطعي يُخالف هذا التَقدير، فلا يَمَسّ تَصديقَ الصلح بصورة استرجاعية إلا في حُدود ما يَجوز إعادة فَتحه قانوناً.

4. مَوقف المحكمة من التَصديق (المادة 477)

شَدّدت المادة 477 على أن المحكمة لا تُصَدّق الصلح إلا إذا اعتَبَرت أن:

  1. المَدين يَستحقّ الاستفادة من الصلح؛
  2. الاعتراضات المُبيَّنة في المواد السابقة لا تُزيل الغالبية المَطلوبة؛
  3. مُقترحات الصلح لا تَقلّ عن الحَدّ الأدنى القانوني (راجِع جَدول المادة 460 أعلاه)؛
  4. المُقترحات مَشروعة؛
  5. تَنفيذها مَضمون.

فإذا اجتَمَعت هذه الشُروط الخَمسة، تُقرّر المحكمة تَثبيت الصلح المُلتمَس. وتَقضي في القرار نَفسه بوُجوب إيداع حِصص التَوزيع التي تَعود للديون المُصَرَّح بها.

أما إذا رُفِض التَثبيت، فالمحكمة تُعلن الإفلاس من تِلقاء نَفسها (الفقرة الأخيرة من المادة 477). وهذه القاعدة آلِيّة لا تَخضَع لتَقدير المحكمة الإضافي: رَفض التَصديق يُفضي مباشرة إلى الإفلاس بمَنطق المُشَرّع.

5. القُيود على المَدين بعد التَصديق (المادة 478)

نَصّت المادة 478، في حال عَدم وُجود اتفاق مُخالف في عَقد الصلح أو في قَرار آخر:

  • لا يَحقّ للمَدين قبل أن يُنفّذ جميع ما التَزَمه أن يَبيع أو يَرهن عَقاراته أو يُقيم حقوقَ تأمين عليها؛
  • بوَجه عام، لا يَحقّ له أن يَتخلّى عن قِسم من مَوجوداته بطَريقة غَير التي تَستلزمها ماهيةُ تَجارته أو صناعته؛
  • كلُّ عَمل يَقوم به خِلافاً لهذا المنع يَكون بلا مَفعول تُجاه الدائنين السابقين لتَثبيت الصلح.

هذا قَيد جَوهري: التَصديق على الصلح ليس استرجاعاً كاملاً لحُرية تَصرّف المَدين، بَل هو تَنظيم انتقالي. الإدارة الكاملة لا تَستعاد إلا عند تَنفيذ كامل الموجبات الواردة في الصلح.

6. النَشر والاستئناف (المادتان 479 و480)

تُنشَر الأحكامُ التي تَمنح أو تَرفُض تَثبيتَ الصلح وفاقاً للقَواعد التي ستُحدَّد لحُكم إعلان الإفلاس (المادة 479، وستُغطّيها أحكامُ المواد 488 وما يَليها في الجُزء الثامن-ب).

وللدائنين المُخالفين أن يَعترضوا على تَثبيت الصلح خِلال خَمسة أيام من تاريخ اختتام المحضر النِهائي. ويَجب أن يَحتوي الاعتراضُ على الأسباب وأن يُبَلَّغ إلى المَدين وإلى المُفوَّض. ولا يُقبَل الاستئناف إلا من المَدين نَفسه أو من الدائنين المُعترضين، ومُهلتُه خَمسة عشر يوماً.

وعندما يُصبح قَرارُ التَثبيت نِهائياً، تَنقطع حَتماً وَظيفةُ المُفوَّض، إلا إذا كان في عَقد الصلح نَصّ صَريح يُكلِّفه مُراقبة تَنفيذه. ونَفقاتُ المُفوَّض والمبالغ التي تَجِب له يُحدّدها القاضي المنتدَب، وكلُّ اتفاق مُخالف يَكون باطلاً.

تَنبيه عَملي على مَهَل الطعن: مُهلة الاعتراض (5 أيام من ختام المحضر) تَختلف عن مُهلة الاستئناف (15 يوماً). الأولى تَحفظ موقفَ الدائن في مَواجَهة المحكمة قبل التَصديق؛ الثانية تُتيح الطَعن بالتَصديق نَفسه أمام مَحكمة الاستئناف. وهما مُهلتان مُتعاقبتان لا مُتداخلتان.

VII. مَفاعيل تَثبيت الصلح (المواد 481-485)

1. الإلزام العام للدائنين (المادة 481)

نَصُّ المادة 481 جَوهري: «إن تَثبيت الصلح الاحتياطي يَجعله إجباريّاً على جميع الدائنين». لا تَفريق بَعد التَثبيت بين دائن وافَق ودائن خالَف، أو دائن حَضر ودائن غاب: الصلح يَسري على الجميع.

غير أن المادة احتَفظَت للدائنين، حتى الذين وافَقوا اختياراً، بجميع حقوقهم على شُركاء المَدين في الدين وكَفلائه والذين تَفرَّغ لهم المَدين. أي إن الصلح يَخصّ ذِمّة المَدين فقط، ولا يَنسحب على مَن يَضمَنه أو يَتشارك معه في الدين بأي صفة. للدائنين أن يَتدخّلوا في المُناقشة لتَقديم مَلحوظاتهم في شَأن الصلح، لكنّ تَدخّلَهم لا يَنفي حقوقهم في مُتابعة الكَفلاء والشركاء.

تَنبيه عَملي: هذه القاعدة (احتفاظ الدائن بحقوقه على الكَفلاء) جَوهرية للدائن ذي الضَمان الشخصي. الصلح الاحتياطي مع المَدين الأصلي لا يَتحول إلى صلح مع الكَفيل: الكَفيل يَبقى مَلزماً بالدين كامِلاً (إلا إذا تَنازل الدائن صَراحةً عن حقوقه عليه أو نَص الصلح نَفسه على عَكس ذلك).

2. الاستفادة الجَماعية للشُركاء المسؤولين شخصياً (المادة 482)

نَصّت المادة 482: «إن الصلح المَمنوح لشركة ما يَستفيد منه الشركاءُ المسؤولون شَخصياً عن ديون الشركة، ما لم يَكُن نَص مُخالف.»

هذا يَتعلق تَحديداً بشركات التَضامن وشركات التَوصية البسيطة، حيث يَكون الشريكُ المُفوَّض/المُتضامن مسؤولاً عن ديون الشركة بكل أمواله الشخصية. الصلح الذي يَنال الشركةَ يَنال هؤلاء الشركاء أيضاً تِلقائياً ما لم يَنص الصلحُ على غير ذلك. ويَسهُل أن نَستوضح المَنطق: الشريك المُتضامن مَسؤولٌ عن نَفس الدين الذي عُلِّق تَنفيذُه على شَركته، فلا يُعقَل أن يُسارَّ المَدين بالصلح في حين تُلاحَق ذِمّة الشريك بالكامل.

3. تَدخّل جمعية أصحاب السندات (المواد 483-485)

شَدّدت هذه المواد على وضع خاص بالشركات التجارية التي أصدَرت سُندات (أي شركات إصدار السندات/التَزامات):

أ. عَتبة 20%. إذا كانت قيمةُ السندات تَربو على عشرين بالمئة من مَجموع الديون التي على الشركة، لا يَجوز مَنح الصلح إلا إذا وافَقت جَمعية أصحاب السندات على المُقترَحات بقَرار يُتخَذ وفاقاً لشُروط النِصاب والغالبية المُعيَّنة في باب الشركات المُغفَلة (المادة 483، الفقرة الأولى).

ب. شَرط خاص. أيّاً كانت النِسبة بين مَبلغ الدين الناشئ عن السندات ومَجموع الدين العام، تَكون مُوافقةُ جمعية أصحاب السندات واجبةً إذا كان عَقد الصلح يَتضمّن شُروطاً خاصة لا تَتفق مع الشروط التي عُيِّنَت عند إصدار السندات فيما يَختص بحامليها (المادة 483، الفقرة الثانية).

ج. تَمديد مُهلة الدَعوة. متى وَجَدت فائدة من عَقد جَمعية أصحاب السندات، يُمكن أن تُزاد مُهلة دَعوة الدائنين إلى ستين يوماً (بدلاً من 30، المادة 484).

د. حُقوق أصحاب السندات المَشروط لها مكافأة. أصحاب السندات المَشروط لها أداء مُكافأة عند الإيفاء لا يَقتَصرون على المُطالبة بسعر الإصدار، بَل يُضيفون إليه الجُزء الذي استَحقّوه من المُكافأة عن المُدة المُنقَضية (المادة 485).

VIII. إبطال الصلح وانهياره إلى إفلاس (المواد 486-488)

1. الإبطال لِغِشّ المَدين (المادة 486)

أتاحَت المادة 486 لأي دائن أن يَطلب، في خِلال ثلاث سنوات ابتداءً من تاريخ نَشر قرار التَثبيت، أن تُبطل المحكمة الصلحَ وأن تُعلن إفلاسَ المَدين، إذا ثَبت:

  • أنه بالَغ احتيالاً في تَحديد الديون المُترتبة عليه؛
  • أو أنه أخفى قِسماً لا يُستهان به من موجوداته.

وأَتبعَت المادةُ هذا الحقَّ بقَاعدتَين تَكميليّتَين:

أ. لا تُقبَل أي دَعوى أخرى لإبطال الصلح بعد تَثبيته (الفقرة الثانية).

أي إن أسباب الإبطال مَحصورة بهذين: المُبالغة الاحتيالية في الديون، وإخفاء الموجودات. أي عَيب آخر في الصلح ـ شَكلي أو موضوعي ـ لا يَفتح بابَ الإبطال بعد التَصديق.

ب. أَثرُ الإبطال على الكَفلاء والتأمينات (الفقرة الثالثة). إذا تَقرّر إبطال الصلح، تَبرَأ ذِمّةُ الكَفلاء الذين لم يَشتركوا في الاحتيال من المُوجبات التي التَزموها في عَقد الصلح. والرَهون العَقارية وغَيرها من التَأمينات المُقامة في الصَكّ نَفسه تَسقط حُكماً.

هذا تَوازنٌ دَقيق: الإبطال يَتولّى عَنه الإفلاس آلِيّاً، لكن الكَفلاء غير المُشاركين في الاحتيال لا يَتحمّلون نَتائج فِعل المَدين الاحتيالي على عَقدهم.

2. الانهيار بعَدم التَنفيذ (المادة 487)

نَصّت المادة 487: «إذا لم يَقُم المَدين بتَنفيذ جميع المُوجبات المنصوص عليها في عَقد الصلح، فيَحقّ لكل دائن ـ بعد مُلاحقة الكَفلاء والتَذرّع بالحقوق المَمنوحة على سَبيل التَأمين ـ أن يَطلب حلَّ الصلح وإشهارَ إفلاس المَدين.»

ثلاث نُقَط جَوهرية تَنبَع من هذا النَص:

أ. الحَلّ ليس آلِيّاً بل بطَلَب من الدائن. عَدَم التَنفيذ لا يَجعل الصلحَ مُنحلاً تِلقائياً ـ يَجب أن يَطلبه دائنٌ مَعنيّ.

ب. التَدرّج الإلزامي. على الدائن أن يَستَنفِد أولاً مُلاحقة الكَفلاء والتَذرّع بالتَأمينات. لا يَجوز له القَفز مباشرة إلى طَلَب حَلّ الصلح وإشهار الإفلاس. هذا تَدرُّج إجرائي مَفروض قانونياً.

ج. الأثَر الجَماعي. حَلّ الصلح يَفتح الإفلاسَ على جميع الدائنين، لا على الدائن الذي طَلَب الحلّ فقط. هذه نَتيجة طَبيعية لطَبيعة الصلح الجَماعية أصلاً.

3. شَرط البَقاء المُعسِراً (المادة 488)

ختمَت المادة 488 الباب الأول بحُكم خاص: يَجوز أن يَشترَط في عَقد الصلح أن التاجر لا تَبرَأ ذمّتُه نِهائياً من القِسم المُسقَط من دَينه بمُقتضى هذا العَقد إلا إذا بَقي مُعسِراً. وشَدّدت الفقرة على ضَوابطَ ثَلاثة لهذا الشَرط:

  • مُدة تَطبيقه يَجب أن تُحَدَّد بخَمس سنوات؛
  • يَجب أن تَزيد قيمةُ موجودات المَدين على الديون المُترتبة عليه بمُعَدّل خَمسة وعِشرين بالمئة على الأقل (هذه عَتَبة قَيمية مَوضوعية).

هذا شَرط تَوازني: من جِهة، يُتاح للدائنين أن يَستَردّوا القِسمَ المُسقَط من ديونهم إذا تَحسّن وضعُ المَدين خِلال خَمس سنوات؛ ومن جِهة أخرى، الحَدّ الأدنى البالغ 25% فائضاً عن مَجموع الديون يَضمن ألاّ يَكون الاسترداد على حساب تَوازن المَدين المَالي وعَودته إلى التَعثّر.

خُلاصة عَملية

  • الصلح الاحتياطي مَفتوح قبل التَوقّف عن الدفع أو في غَضون عَشرة أيام بعد بَدئه (المادة 459). تَأخّر التاجر يُضيّق بَدائله المُتاحة ويُسهّل على الدائنين طَلَبَ إعلان الإفلاس مباشرة.
  • حِزمة المُستندات في المادة 460 شرط شَكلي يَستحقّ التَحضير المُسبق: دَفاتر تجارية مُنظَّمة لثلاث سنوات، شَهادة قَيد، بيان مُفصَّل، قائمة دائنين، مُقترَح مُعدَّل التَوزيع، الضَمانات.
  • المُعدَّل المُقترَح لا يَجوز أن يَقلّ عن العَتبات القانونية (50% / 75% / 100% بحَسب المُهلة المُقترَحة). أي مُقترَح دون هذه العَتبات يَؤول حَتماً إلى رَفض المحكمة.
  • رَفض الطلب لتَوفّر إحدى حالات المادة 461 يَفضي ـ في حال التَوقّف الفِعلي ـ إلى إعلان الإفلاس من تِلقاء المحكمة. لا حاجة لطَلَب من الدائنين.
  • منذ تاريخ إيداع الطلب، تَتجَمّد المُلاحقات التَنفيذية (المادة 464) وتَنقطع الفَوائد على الديون العادية، وتَتوقّف مُهَل مُرور الزمن. الديون الضَريبية مُستَثناة.
  • خِلال المُعاملة، المَدين قائم بإدارة أمواله (المادة 465) لكن مَمنوع عليه الهِبات والكَفالات (لا يُحتجّ بها على الدائنين)، ومَشروطٌ بترخيص القاضي على الاقتراض والتَحكيم والصلح والبُيوع غير الاعتيادية والرَهن والتأمين (المادة 466).
  • مُخالفة هذه القيود تَنقُل المَدين فَوراً إلى الإفلاس ولا تَحول دون العقوبات الجَزائية (المادة 467).
  • التصويت يَتطلَّب أكثرية مُزدوجة: أكثرية عَدد الدائنين المُشتركين + ثلاثة أرباع قيمة الديون العادية غير الممتازة وغير المضمونة (المادة 471). الديون المُمتازة والمَضمونة مُستَبعَدة من النِصاب إلا بتَنازل صَريح أو ضِمني عن التأمين.
  • ديون الأقرَب من العائلة وديون السنة السابقة المُحرَزة بالتَفرّغ مُستَبعَدة من الأكثرية (المادة 472).
  • حُضور المَدين بنَفسه واجِب ولا يُقبَل التَمثيل بوكيل خاص إلا إذا تَعذّر حُضوره بوَجه مُطلَق (المادة 469).
  • مُهلة الاعتراض على التَثبيت 5 أيام، ومُهلة الاستئناف 15 يوماً (المادة 480). كلتاهما تَبدآن من تاريخ ختم المحضر النِهائي ومن صُدور القرار على التَوالي.
  • التَثبيت إجباريّ على جميع الدائنين، لكن لا يَمَسّ حقوقهم على الكَفلاء وعلى الشركاء (المادة 481). للدائن ذي الضَمان الشخصي أن يَحتَفِظ بحقّ مُلاحقة الكَفيل كاملاً.
  • في الشركات التي أصدَرت سَندات بقيمة تَربو على 20% من مَجموع الديون، لا يَنعَقد الصلح إلا بمُوافقة جَمعية أصحاب السندات (المادة 483).
  • الإبطال مَحصور بسببَين: المُبالغة الاحتيالية في الديون، وإخفاء قِسم لا يُستهان به من المَوجودات (المادة 486). أي عَيب آخر بعد التَصديق لا يَفتح باب الإبطال.
  • عَدَم التَنفيذ لا يَحلّ الصلحَ تِلقائياً. على الدائن أن يَطلبه ـ بعد استنفاد مُلاحقة الكَفلاء والتَذرّع بالتَأمينات (المادة 487).
  • شَرط البَقاء مُعسِراً بحَسب المادة 488 صَمّام تَوازن بين الدائنين والمَدين عند عَودة المَدين إلى يُسر مالي خلال خمس سنوات، مَشروطاً بتَحقّق فائض موجودات لا يَقلّ عن 25% فوق الديون.

ما يَلي

في الجزء الثامن-ب نَنتقل من الصلح الاحتياطي إلى الإفلاس بمَعنى الكلمة: شُروط إعلانه، أُصول رَفع القَضية إلى المحكمة، المَفاعيل المباشرة لِحُكم إعلان الإفلاس على المَفلس وعلى ذِمّته وعَلى الدائنين (المواد 489-511).

ثم في الجزء الثامن-ج أصول المُحاكمة في الإفلاس وحُلول قَضايا التَفليسة والحقوق الخاصة وأصول المُحاكمة الموجَزة (المواد 512-631).

وفي الجزء الثامن-د الأبواب الختامية: الإفلاس التَقصيري والاحتيالي (المواد 632-650) ـ هذه أبواب جَزائية مَوضوعها مَخالفات المَفلس قبل وأثناء الإفلاس ـ ثم إعادة الاعتبار (المواد 651-661) ـ ثم أحكام خاصة بإفلاس الشركات (المواد 662-667) ـ وأحكام عامة ومؤقتة (المادة 668).