الإفلاس التَقصيري والاحتيالي، إعادة الاعتبار، وإفلاس الشَركات — قائمة عملية (المواد 632-668)
نَختم في هذا الجزء سلسلة الإفلاس بأَبواب الكتاب الخامس الأخيرة من قانون التجارة البرّية اللبناني: الباب الرابع الذي يَنظِم الإفلاس التَقصيري والاحتيالي بعقوباته الجَزائية (المواد 632-650)، الباب الخامس الذي يَنظِم استعادة المَفلس لاعتباره (المواد 651-661)، الباب السادس الذي يَنظِم أحكاماً خاصة بإفلاس الشَركات (المواد 662-667)، وأخيراً المادة 668 الانتقالية.
في الجزء الثامن-أ قَرأنا الصلح الاحتياطي، وفي الجزء الثامن-ب حُكم إعلان الإفلاس ومَفاعيله، وفي الجزء الثامن-ج إدارة التَفليسة وحلولها. هنا نَنتقل إلى المَفاعيل الجَزائية وإلى إفلاس الشَركات، وهما المَوضوعان اللذان يَفتح فيهما القانونُ على قانون العقوبات وعلى قانون الشَركات.
ملاحظة على التَعديلات: الأبواب الرابع والخامس والسادس من الكتاب الخامس لم يَطَلْها القانونُ 126/2019. النَصُّ النافِذ هو نَصّ المرسوم الاشتراعي 304/1942، مع تَعديل المادتَين 639 و668 بمُوجب قانون تاريخ 30/9/1944.
ملاحظة على السلسلة: هذا الجزء جزءٌ من سلسلة الدليل العملي للقانون التجاري اللبناني.
I. الإفلاس التَقصيري والاحتيالي (المواد 632-650)
هذا الباب من قانون التجارة البرّية اللبناني يَنقُل المَفلس من العالم المَدني/التجاري إلى العالم الجَزائي. الإفلاس بحَدّ ذاته ليس جَريمة، ولكنه قَد يَصير جَريمةً بحَسب سُلوك المَفلس قبله أو خِلاله: إن كان السُلوك مُهملاً أو مُسرفاً فهو إفلاس تَقصيري، وإن كان احتيالياً فهو إفلاس احتيالي. لكل منهما عُقوبتُه ومَحكمتُه.
1. الإفلاس التَقصيري ـ التعريف والعقوبة (المواد 632-634)
أ. المحكمة المختصة والعقوبة الأساسية (المادة 632 من قانون التجارة البرّية اللبناني). «تَنظر المحكمة البِدائية الجَزائية في قضايا الإفلاس التَقصيري بناءً على طَلَب وكلاء التَفليسة أو أيّ شَخص من الدائنين أو النيابة العامة. ويُعاقَب مُرتَكب هذا الإفلاس بالحَبس من شَهر إلى سنة، مع مُراعاة الظُروف المُخفِّفة للجُرم.»
ثلاث نُقَط جَوهرية:
- الاختصاص جَزائي. المحكمة البِدائية الجَزائية ـ لا التجارية ـ هي المُختصّة. هذا يَفصل المسار الجَزائي عن مسار التَفليسة المَدني/التجاري الذي يَستمر تحت المحكمة البِدائية ذات الاختصاص التجاري وَفقاً للمواد السابقة من الكتاب الخامس.
- مَن يَملك المُلاحقة. ثلاث جِهات: وكلاء التَفليسة، أيّ دائن منفرد، النيابة العامة. الدائن المُنفرد يَستطيع التَحرّك دون انتظار قَرار جَماعي.
- العُقوبة. الحَبس من شَهر إلى سنة، مَع تَطبيق الظُروف المُخفِّفة.
ب. الحالات الإلزامية (المادة 633). يُعَدّ التاجر مَفلساً مُقصِّراً في أربع حالات:
- إذا كانت نَفقاته الشَخصية أو نَفقات بَيته فاحشة؛
- إذا أَنفق مَبالغ كَبيرة على القمار الصِرف أو على مُجازفات في البورصة أو على شِراء بضائع؛
- إذا اشترى ـ قبل انقطاعه عن الإيفاء وبقَصد تَأخير إفلاسه ـ بضائعَ ليَبيعها بأَقل من الثَمن العادي، أو اندَفع للقَصد نَفسه إلى عَقد قُروض مُرهقة أو مُداولة أوراق تجارية للحُصول على نقود؛
- إذا قام بَعد انقطاعه عن الدَفع بإيفاء أحدِ الدائنين بصورة تَضرّ بمَصلحة الجَماعة.
البُند الرابع جَوهري للدائن: تَفضيلُ دائن على غَيره بَعد الانقطاع جُرمٌ، لا مُجرَّد خَطأ مَدني.
ج. الحالات الجَوازية (المادة 634). خَمس حالات إضافية يَجوز للمحكمة اعتبار التاجر مَفلساً مُقصِّراً فيها:
- إذا أَخذ على نَفسه لِحساب الغَير ـ بدون مُقابل ـ التزامات باهظة جداً بالنَظر إلى حالته وَقت التِزامها؛
- إذا أُعلن إفلاسُه مُجدَّداً ولم يَكن قد أَوفى الموجبات المَفروضة عليه بمُقتضى صُلح سابق؛
- إذا لم يَعمل بمُقتضى الموجبات المُختصة بالسجل التجاري؛
- إذا لم يُقدِّم لقَلَم المحكمة في خِلال عِشرين يوماً من تاريخ انقطاعه عن الدفع التَصريحَ الذي يُوجبه القانون، أو كان التَصريح لا يَتضمَّن أسماء جميع الشركاء المُتضامنين؛
- إذا لم يُنَظِّم دفاتر، أو لم يَقُم بجَرد صَحيح، أو كانت الدفاتر وقَوائم الجَرد ناقصة أو مُخالفة للأصول، ما لم يَكُن هناك خِداع (لأن الخِداع يَنقل القَضية إلى الإفلاس الاحتيالي).
تَنبيه عَملي: البُند 4 من المادة 634 يَتعلق بالتَصريح الإلزامي بمُوجب المادة 491 (راجِع الجزء الثامن-ب). تَأخّر التاجر عَن التَصريح خِلال 20 يوماً من توَقّفه عن الدفع لا يَعني فقط ضَياعَ صَلاحية تَصريحه ـ بَل يَنقله إلى المسار الجَزائي بوَجه قابلية اعتباره مَفلساً مُقصِّراً.
2. الإفلاس الاحتيالي ـ التعريف والمَفعول (المادة 639)
نَصّت المادة 639 (المُعَدَّلة بقانون 30/9/1944): «كل تاجر مَفلس أَخفى دَفاتره أو اختَلَس أو أَخفى جُزءاً من موجوداته أو اتَّضح أنه ادّعى احتيالاً كَونه مَديوناً بدَين ليس عليه ـ سَواء كان ذلك في مُدرَجات دَفاتره أو في صُكوك رَسمية أو في التزامات ذات تَوقيع خاص أو في الموازنة ـ يُعَدّ مَفلساً مُحتالاً ويُعاقَب بالعُقوبة المُختصة بالإفلاس الاحتيالي.»
أركان الإفلاس الاحتيالي إذن:
- إخفاء الدَفاتر (سُلوك مادي يُحقّق الجُرم بذاته)؛
- الاختلاس أو إخفاء قِسم من الموجودات (تَصرّف يُهرّب الذِمّة)؛
- ادّعاء دَين وَهمي على نَفسه (سَواء في الدَفاتر أو في صُكوك رَسمية أو في صُكوك ذات تَوقيع خاص أو في موازنة الإفلاس).
الإفلاس الاحتيالي أَخطر من التَقصيري لأنّ القَصد فيه مُكَوِّن جَوهري ـ لا يَكفي الإهمال أو السَفاهة المالية. والعُقوبة المُختصة به أَشد من عُقوبة الإفلاس التَقصيري (راجِع قانون العقوبات لِتَفصيل العُقوبة).
3. أشخاص آخرون يُعاقبون بعُقوبة الاحتيال (المادة 641)
نَصّت المادة 641 على ثلاث طَوائف يُعاقَبون بعُقوبة الإفلاس الاحتيالي حَتى وإن لم يَكونوا تُجاراً مَفلسين:
- الأشخاص الذين يَثبت أنهم اختَلَسوا أو أَخفوا لِمَصلحة المَفلس أَموالَه المنقولة أو غير المنقولة، كُلياً أو جُزئياً؛
- الأشخاص الذين يَثبت أنهم بطَريقة احتيالية أَبرَزوا في التَفليسة ديوناً وَهمية بقَصد تَثبيتها ـ سَواء بأسمائهم أو بأسماء أشخاص مُستعارين؛
- الأشخاص الذين اتخذوا لتَعاطي التجارة اسمَ غيرهم أو اسماً غير صَحيح وارتَكبوا أعمالاً تُعَدّ من نَوع الإفلاس الاحتيالي.
4. الأقارب الذين يُعاقبون بعُقوبة السَرقة (المادة 642)
نَصّت المادة 642: «إن زَوجة المَفلس وأُصوله وفُروعه ومُصاهريه من الدَرجة نَفسها، إذا اختَلَسوا أو حاولوا أو أَخفوا أَمتعةً تَختصّ بالتَفليسة من غَير أن يَتواطَؤوا مع المَفلس، يُجزَون بعُقوبة السَرقة.»
الأَهَمّ في هذا النَص: شَرط عَدم التَواطؤ مع المَفلس. إذا تَواطَؤوا فالعُقوبة عُقوبة الإفلاس الاحتيالي (المادة 641 البُند 1). إذا تَصرَّفوا بإرادتهم المُنفردة فالعُقوبة عُقوبة السَرقة المَنصوصة في قانون العقوبات.
5. مَفاعيل الإدانة ـ الرَدّ والتَعويض (المادتان 643-644)
أ. الرَدّ الإجباري والتَعويض (المادة 643). «في الأحوال المنصوص عليها في المواد السابقة، تَفصل المحكمة البِدائية أو الاستئنافية في الأمور الآتية وإن تَكُن هناك تَبرئة:
- عليها أن تَقضي من تِلقاء نَفسها بإعادة جميع الأموال والحقوق والأَسهم المُختَلَسة بطَريقة احتيالية إلى جَماعة الدائنين؛
- تَحكم بما يُطلَب من بَدَل العَطل والضَرر وتُعَيِّن مَبلغَه في الحُكم الذي تُصدره.»
الجَوهر هنا: حتى في حالة التَبرئة الجَزائية، تَقضي المحكمة بالرَدّ والتَعويض إذا ثَبَت لها الفِعل المادي. التَبرئة الجَزائية لا تَمنع الحُكم بالاسترداد المَدني لِصالح الجَماعة. هذا استثناء جَوهري على القاعدة العامة بأن التَبرئة الجَزائية تَمنع أيّ قَضاء يَتفرَّع عنها.
ب. اختلاس وَكيل التَفليسة (المادة 644). وَكيل التَفليسة الذي يَرتكب اختلاساً في إدارة أَشغاله يَستهدف لعُقوبة جُنحة سُوء الائتمان. أي إنّه يُعاقَب بعُقوبة جُنحة قانون عَقوبات عامة، لا بعُقوبة الإفلاس الاحتيالي.
6. الفَساد في التَفليسة ـ رَشوة الدائنين (المادتان 645-646)
نَصّت المادة 645: «كل دائن يَتفق مع المَفلس أو أيّ شَخص آخر على مَنافع خاصة يَنالها مُقابل تَصويته في جَمعيات التَفليسة، أو يَعقد مُعاهدة خاصة يَنجم عنها نَفع خاص يَناله من موجودات المَفلس، يُعاقَب بالحَبس من شَهر إلى سنة وبغَرامة لا تَتجاوَز مايتَين وخَمسين ليرة لبنانية مع الاحتفاظ بالظُروف المُخفِّفة. ويُمكن زيادة مُدة الحَبس إلى سنتَين إذا كان الدائن وَكيلاً للتَفليسة.»
هذا النَص يَحمي نَزاهة التَصويت في جَمعيات الدائنين. والعُقوبة المُشَدَّدة على الوَكيل (سنتان حَبساً بَدَل سنة) تَعكس مَوقعه الإئتماني الأَعلى تجاه الجَماعة.
ونَصّت المادة 646 على مُتمِّمَين:
- إبطال المُعاهدات المَذكورة بالنَظر إلى جميع الأشخاص حَتى المَفلس؛
- يَجب على الدائن أن يَرجع النقود والمبالغ التي حَصل عليها بمُقتضى هذه المُعاهدات إلى مَن تَعود له قانوناً.
7. الإجراءات والإدارة (المواد 647-650)
أ. النَشر (المادة 647). جميع القَرارات والأحكام الصادرة بمُقتضى هذا الباب تُلصَق وتُنشَر بالصيغ المُقَرَّرة لِنَشر حُكم إعلان الإفلاس (راجِع المادة 496 في الجزء الثامن-ب).
ب. عَدم تَعطيل الإدارة العادية (المادة 648). المُلاحقات الجَزائية لا تَستوجب شَيئاً من التَعديل في القَواعد العادية المُختصة بإدارة التَفليسة. أي إنّ التَفليسةَ المَدنية/التجارية تَستمر في مَسارها العادي بَينما تَجري المُلاحقة الجَزائية مَوازية لها أمام المحكمة الجَزائية.
تَنبيه عَملي: هذه قاعدة تَنظيمية مُهمَّة. المسار الجَزائي ومَسار التَفليسة يَجريان في محكمتَين مُختلفتَين (الجَزائية للأول، التجارية للثاني)، ولكنّ القانون لا يُوقف أحدَهما لانتظار الآخر. ومَع ذلك، حُكم الإدانة الجَزائي يُنتج آثاراً مَدنية مُلزمة (الرَدّ والتَعويض، المادة 643).
ج. تَسليم المُستندات للنيابة العامة (المادة 649). الوكلاء يَلزمهم تَسليم النيابة العامة جميع المُستندات والصُكوك والأوراق والمعلومات التي تَطلبها.
د. حِفظ المُستندات بعد التَحقيق (المادة 650). المُستندات والصُكوك المُسَلَّمة في أثناء التَحقيق تُوضَع قَيد الاطّلاع في قَلَم المحكمة. للوكلاء أن يَأخذوا منها خُلاصات خاصة أو يَطلبوا نُسَخاً رَسمية.
II. إعادة الاعتبار (المواد 651-661)
نَصّت هذه المواد على ثَلاث طُرُق لاستعادة المَفلس لاعتباره الكامل (حقوقه السياسية والمَدنية) بَعد أن أَنهك الإفلاس: إعادة اعتبار حَتمية بمُرور الزَمن، إعادة اعتبار حَتمية بالإيفاء، إعادة اعتبار جَوازية للنَزاهة.
1. إعادة الاعتبار الحَتمية بمُرور الزمن (المادة 651)
«بَعد مُرور عَشر سنوات على إعلان الإفلاس يَستعيد المَفلس اعتبارَه حَتماً، بدون أن يَقوم بأيّ مُعاملة، إذا لم يَكن مُقصِّراً أو مُحتالاً.»
ثلاث نُقَط:
- المُدة 10 سنوات من تاريخ إعلان الإفلاس؛
- حَتمية وتِلقائية ـ لا تَتطلب مُعاملة من المَفلس أو طَلَباً للمحكمة؛
- مَشروطة بعَدم الإدانة بإفلاس تَقصيري أو احتيالي ـ المَفلس المُدان جَزائياً مَحروم من هذا المَسار.
الفقرة الثانية أضافت قَيداً جَوهرياً: «إن استعادة الاعتبار على هذا المنوال لا يُمكن أن تَمَسّ وَظائف الوُكلاء إذا كانت مَهمَّتُهم لم تَنتَه، ولا حقوق الدائنين إذا كانت ذِمَّةُ مَديونيهم لم تَبرأ تَماماً.» أي إنّ استعادة الاعتبار شخصية للمَفلس ولا تُلغي إجراءات التَفليسة الجارية ولا الديون غير المُسَدَّدة.
2. إعادة الاعتبار الحَتمية بإيفاء الديون (المادة 652)
«يَعود الاعتبار حَتماً إلى المَفلس الذي أَوفى جميع المبالغ المُترتبة عليه أصلاً وفائدة مع النَفقات. ولا تَجوز مُطالبته بدَفع الفائدة عن مُدة تَزيد على خَمس سنوات.»
قاعدة عادلة: مَن وَفّى دَيونه استَعاد اعتبارَه فَوراً، دون انتظار 10 سنوات. والقَيد الخَمسي على الفائدة يَحمي المَفلس من تَراكُم فَوائد طَويلة المَدى تَجعل التَسديد مُستحيلاً.
والفقرة الثانية مُهمَّة لِشُركاء التَضامن: «ولكنْ يَعود الاعتبار حَتماً لشَريك في الشركة أَشخاص وَقعت في الإفلاس، يَجب عليه أن يُثبت أنه أَوفى بالشُروط المُتقدِّمة الحِصة التي تَعود إليه من ديون الشركة، وأن يَكن قد حَصل على صُلح خاص.» أي إنّ شَريكَ التَضامن يَستطيع استعادة اعتباره استقلالاً عن باقي الشُركاء، بإثبات وَفائه بحِصَّته الخاصة.
والفقرة الثالثة قاعدة عَملية في حال غِياب الدائنين: تُودَع المبالغ في المَصرف المُجاز له قَبول أَمانات الدولة، ويُعَدّ إثبات الإيداع بمثابة سَنَد إيصال.
3. إعادة الاعتبار الجَوازية للنَزاهة (المادة 653)
تَجوز إعادة الاعتبار للمَفلس المُعتَرَف بنَزاهته في حالتَين:
- إذا أَوفى تَماماً جميع الأقساط التي وَعد بها في عَقد الصُلح؛
- إذا أَثبَت أنّ الدائنين أَبرَأوا ذِمَّته بإبراء تامّ، أو وافَقوا بالإجماع على إعادة اعتباره.
هنا الفارق الأَساس: هذه الإعادة جَوازية، تَخضع لتَقدير المحكمة بحَسب نَزاهة المَفلس، خِلافاً للحَتميتَين السابقتَين.
4. الإجراءات (المواد 654-658)
نَصّت هذه المواد على إجراءات تَقديم طَلَب إعادة الاعتبار:
أ. الطَلَب إلى النائب العام (المادة 654). يُرفَع كل طَلَب لإعادة الاعتبار إلى النائب العام لدى المحكمة التي أَصدَرت الحُكم بالإفلاس، مَع أَسناد الإيصال والأوراق المُثبتة. يَتولَّى النائب العام إحالة الأَوراق إلى رئيس المحكمة التي أَعلَنت الإفلاس وإلى النائب العام في مَنطقة إقامة الطَالب، لجَمع المعلومات اللازمة عن صِحة الوقائع المَعروضة.
ب. إعلام الدائنين (المادة 655). يُرسل كاتب المحكمة بكتاب مَضمون عِلماً بطَلَب إعادة الاعتبار إلى كل من الدائنين المُثبَتة ديونهم أو المُعترَف بها في قَرار قَضائي لاحق، الذين لم يَحصلوا على إيفاء تامّ.
ج. الاعتراض (المادة 656). كل دائن لم يَحصل تَماماً على المُعدَّل المُقَرَّر له في عَقد الصُلح، أو لم يُبرئ ذِمَّة مَديونه إبراءً تاماً، يَحقّ له في خِلال شَهر من تاريخ العِلم أن يَعترض على إعادة الاعتبار باستدعاء بَسيط يُقَدِّمه إلى قَلَم المحكمة مع الأوراق المُثبتة.
د. إحالة المَلَفّ إلى الرئيس (المادة 657). بَعد انقضاء المُهلة، تُحال إلى النائب العام نَتيجةُ التَحقيقات والاعتراضات، فيُحيلها بدَوره مع رأيه المُعَلَّل إلى رئيس المحكمة.
هـ. الجَلسة (المادة 658). تَدعو المحكمة طالبَ إعادة الاعتبار والمُعترضين وتَسمع وِجاهياً أَقوالَهم في غُرفة المُذاكرة ـ يَجوز للطالب الاستعانة بمحام. ثم تُصدر الحُكم في جَلسة عَلَنية. ومُهلة الاستئناف شَهر من العِلم بالحُكم، ويَجوز لكلٍّ من الطالب والنائب العام والدائنين.
5. مَفاعيل القَبول والرَفض (المادة 659)
أ. إذا رُدّ الطَلَب: لا يُمكن العَودة إليه إلا بَعد مُرور سَنة كاملة. أي قَيد زَمني يَمنع التَكرار غير المَبرَّر.
ب. إذا قُبل الطَلَب: يُدرَج الحُكم في سِجل محكمة التَفليسة أو محكمة مَنطقة الإقامة. ويُرسَل أيضاً إلى النائب العام في محل مَولد الطالب فيُشار إليه إزاء إعلان الإفلاس في السجل العَدلي. كما يُسجَّل في السجل التجاري.
أي إنّ إعادة الاعتبار لا تَكتمل بصُدور الحُكم وَحدَه ـ بَل بإثبات مَفعوله في ثَلاثة سِجلات: سِجل التَفليسة، السجل العَدلي، السجل التجاري.
6. الاستثناءات والقُيود (المادتان 660-661)
أ. المَفلسون المُحتالون (المادة 660). «لا يُقبَل طَلَب إعادة الاعتبار التجاري إلى المَفلسين الاحتياليين، ولا الأشخاص الذين حُكم عليهم لِسَرقة أو احتيال أو سُوء ائتمان، إلا إذا كانوا قد حَصلوا على إعادة الاعتبار الجَزائي.»
قاعدة جَوهرية: المَفلس الاحتيالي (أو مَن أُدين بجَرائم مُماثلة) لا يَستطيع استعادة اعتباره التجاري قبل استعادة اعتباره الجَزائي وَفقاً لقَواعد قانون أصول المُحاكمات الجَزائية. هذا تَوازنٌ مَنطقي: لا يَجوز للسجل التجاري أن يُطَهِّر تاجراً سَجَّل القَضاءُ الجَزائي عليه دَنَساً جَزائياً غير مَطهّر.
ب. الوَفاة (المادة 661). «يَجوز إعادة الاعتبار للمَفلس بَعد وَفاته.» أي إنّ إعادة الاعتبار لا تَنقَضي بوَفاة المَفلس ـ يَجوز لِوَرَثَتِه طَلَبُها لِتَطهير اسمه. وَهذا حِفظٌ لِسُمعة الإرث الذي يَنقُل إلى الأَجيال.
III. أحكام خاصة بإفلاس الشَركات (المواد 662-667)
نَنتقل في هذا الباب إلى الأحكام الخاصة بالشَركات: كيف يَتفاعَل نِظامُ الإفلاس مع أَشكال الشَركات المُختلفة، وأَهَمّها شركات التَضامن، التَوصية، المُغفَلة، والمَحدودة المَسؤولية.
1. المَدخَل (المادة 662)
«فيما عَدا القَواعد المُبَيَّنة في الأبواب السابقة، تَخضع الشَركات للأحكام التالية.» المَفهوم واضح: الأحكام السابقة (الأبواب الأول إلى الخامس) تَنطبق على الشَركات بأَصلها، وهذا الباب يُضيف خُصوصيات.
2. الشَركات القابلة للإفلاس (المادة 663)
«جميع الشَركات التجارية ما عَدا شركات المُحاصة يَجوز لها أن تَحصل على صُلح احتياطي كما يَجوز أن يُعلن إفلاسها.»
ثلاث نُقَط:
- الإفلاس مَفتوح لكل الشَركات التجارية ـ المُغفَلة، التَضامن، التَوصية، المَحدودة المَسؤولية ـ على حدٍّ سَواء؛
- شركة المُحاصة مُستَثناة. لأنها شركة بلا شَخصية مَعنوية ـ كل شَريك فيها يُلاحَق بِصِفته الفَردية، لا الشَركة. (لِتَفصيل شركة المُحاصة راجِع الجزء الثاني من هذه السلسلة على شركات الأشخاص.)
- الشَركات في التَصفية أو المُبطَلة قَضائياً. يَجوز إعلان إفلاسها بشَرط أن تَكون مُستمرّة فِعلاً. أي إنّ التَصفية والإبطال القَضائي لا يُحَصِّنان الشركة من الإفلاس ما دامت تَزاوِل نَشاطها فِعلاً.
3. التَوقيع على طَلَب الإفلاس أو الصُلح (المادة 664)
نَصّت على مَن يَملك تَوقيع الطَلَب أو التَصريح حَسب شَكل الشركة:
- شركة التَضامن أو التَوصية: الشَريك أو الشُركاء الذين يَملكون حَقّ التَوقيع عن الشركة؛
- الشركة المُغفَلة: المُدير أو عُضو مَجلس الإدارة الذي يَقوم بوَظيفته بناءً على قَرار مَجلس الإدارة؛
- الشركة في طَور التَصفية: المُصَفّي يُقدِّم التَصريح.
ويُودَع الطَلَب أو التَصريح في قَلَم المحكمة الواقع في مَنطقتها مَركز الشركة (لا مَركز الإقامة الشَخصية لِأحد الشركاء).
4. شركة التَضامن وشركة التَوصية ـ مُهلة 20 يوماً وإعلانٌ مُزدَوج (المادة 665)
نَصّت المادة 665 على قاعدتَين جَوهريَّتَين خاصَّتَين بشركات الأشخاص:
أ. تَصريح الشُركاء المُتضامنين والمُفوَّض إليهم. «جميع الشُركاء في شركات التَضامن وجميع المُفَوَّض إليهم في شركات التَوصية يَجب عليهم أيضاً، كلٌّ فيما يَختصّ به، أن يَقوموا بالتَصريح المَطلوب بمُقتضى هذا القانون في خِلال عِشرين يوماً من تاريخ تَوقّف الشركة عن الدفع.»
كل شَريك مُتضامن أو مُفوَّض إليه عليه التَصريح بشكل مُنفرد ـ ليس فقط تَصريح الشركة. والمُهلة 20 يوماً ـ نَفس مُهلة المادة 491 العامة.
ب. الإفلاس المُزدَوج. «وعَلى المحكمة أن تُعلن في الحُكم نَفسه إفلاس الشركة وإفلاس الشُركاء المُتضامنين، وتُعَيِّن مَبدئياً قاضياً مُنتدَباً واحداً ووَكيلاً واحداً للتَفليسة، وإن تَكُن التَفليسات مُتمَيِّزة بَعضها عن بَعض، وجَماعات الدائنين فيها مُختلفة القَوام.»
ثَلاث مُلاحظات:
- الإفلاس الجَماعي. المحكمة تُعلن في حُكم واحد إفلاس الشركة + إفلاس كل شَريك مُتضامن. هذا نَتيجة طَبيعية للمَسؤولية الشخصية والمُتضامنة في شركات الأشخاص.
- توحيد الجهاز الإجرائي. قاضٍ مُنتدَب واحد + وَكيل تَفليسة واحد لكل التَفليسات الفَرعية ـ توفيراً للوَقت والجَهد.
- استقلال الذِمَم. «وإن تَكُن التَفليسات مُتمَيِّزة بَعضها عن بَعض» ـ كل تَفليسة لها جَماعة دائنيها الخاصة (دائنو الشركة، دائنو الشَريك الأول، دائنو الشَريك الثاني، إلخ)، وأَموال الشَركة لا تُخلَط بأَموال الشُركاء الشخصية لِأغراض التَوزيع.
تَنبيه عَملي: التَفصيل الأخير جَوهري للدائنين. دائن شَخصي للشَريك المُتضامن لا يُشارك في تَفليسة الشركة (وإن كان شَريكه مَفلساً)، ودائن للشركة لا يُشارك في تَفليسة الشَريك الفَردية إلا بحَدّ ما يَفيض عن إيفاء دائني الشَركة. هذه قاعدة فَصل ذِمَم تَنبَع من المادة 665 ¶2.
5. صَلاحية الوَكيل بإجبار الشُركاء على إكمال رأس المال (المادة 666)
«يَحقّ لِوَكيل التَفليسة في جميع الشَركات أن يُجبر الشُركاء على إكمال دَفع رأسمالها حتى قبل مَوعد الاستحقاق المُحَدَّد في نِظام الشركة.»
صَلاحية واسعة وحَيوية: في الشَركات المُغفَلة وذَوات رأس المال المَوزَّع على دَفعات، إذا دَخلت الشركة في التَفليسة، يَحقّ للوَكيل استعجال دَفع باقي الأَسهم غير المَدفوعة. والمَنطق المالي وراء هذه القاعدة بَسيط: الشَركة في حالة تَوقّفها بحاجة إلى كامل رأسمالها لِسَداد دائنيها.
6. المَسؤولية الجَزائية للشُركاء والمُديرين (المادة 667)
«إذا أَفلَست الشركة إفلاساً احتيالياً أو تَقصيرياً، فيَجوز عند الاقتضاء أن تُقام دَعوى التَبعة الجَزائية على الشُركاء في شركة التَضامن، وعَلى الشُركاء المُفَوَّض إليهم في شركة التَوصية، وعَلى مُديري الشَركات المُغفَلة أو أعضاء مَجالس إدارتها الذين يَقومون بوَظائف المُديرين.»
نَصّ جَوهري: إفلاس الشركة الاحتيالي أو التَقصيري يَفتح المسؤولية الجَزائية الشَخصية على:
- الشُركاء في التَضامن (جَميعاً)؛
- الشُركاء المُفَوَّض إليهم في التَوصية؛
- مُديري الشَركات المُغفَلة وأعضاء مَجالس إدارتها الذين يَقومون بوَظائف المُديرين.
هذه القاعدة تَتكامل مع المادة 155 من قانون التجارة، المُحلَّلة في الجزء الثالث من هذه السلسلة، على سُقوط أهلية رئيس مَجلس الإدارة لشُؤون مُماثلة عند إفلاس الشركة المُتسبَّب فيه بتَدليس أو خَطأ جَسيم. والمادة 667 تَفتح المسؤولية الجَزائية للمَدير، بينما المادة 155 تَفتح أَثَر السقوط على أَهليته.
IV. أحكام عامة ومؤقتة (المادة 668)
نَصّت المادة 668 (المُعَدَّلة بقانون 30/9/1944) ـ وهي المادة الأخيرة من قانون التجارة البرّية ـ على قاعدة انتقالية: «إن جميع النُصوص التَشريعية السابقة المُختصة بالأمور المنصوص عليها في هذا القانون تَفقد قُوَّتها القانونية منذ يُصبح هذا القانون واجب التَنفيذ. يُوضع هذا القانون مَوضع الإجراء بَعد مُضي ستة أَشهر ابتداءً من تاريخ نَشره في الجَريدة الرَسمية.»
إِشارة تاريخية: القانون صَدر في بيروت في 24 كانون الأول سنة 1942 ـ بِتَوقيع الرئيس ألفرد نَقاش ورئيس مَجلس الوزراء وزير التجارة والصناعة سامي الصُلح ووزير العَدلية أحمد الحُسَيني. هذا الإصدار جَعَلَ قانونَ التجارة البرّية الأَساس التَشريعي للنَشاط التجاري في لبنان منذ ذلك التاريخ ولا يَزال نافذاً ـ وإن طَلَبَ القانون 126/2019 بعض التَعديلات على بَنود الشَركات في الكتاب الثاني.
خُلاصة عَملية
- الإفلاس التَقصيري (المادة 632) يُعاقَب بالحَبس من شَهر إلى سنة، وتَنظر فيه المحكمة البِدائية الجَزائية بناءً على طَلَب الوكلاء أو الدائن أو النيابة العامة.
- الحالات الإلزامية للإفلاس التَقصيري (المادة 633): النَفقات الفاحشة، القمار، الشِراء بقَصد تَأخير الإفلاس، التَفضيل لدائن واحد بَعد الانقطاع.
- الحالات الجَوازية (المادة 634): الالتِزامات الباهظة للغَير، الإفلاس المُكَرَّر، إهمال السجل التجاري، التَأخّر في التَصريح خِلال 20 يوماً، عَدم تَنظيم الدَفاتر.
- الإفلاس الاحتيالي (المادة 639): إخفاء الدَفاتر، الاختلاس، إخفاء الموجودات، ادّعاء الدَين الوَهمي.
- العُقوبة على الأقارب (المادة 642): زَوجة المَفلس وأُصوله وفُروعه ومُصاهروه، إذا اختَلسوا دون تَواطؤ، يُجزَون بعُقوبة السَرقة. مع التَواطؤ، يُجزَون بعُقوبة الإفلاس الاحتيالي.
- مَفاعيل الإدانة الجَزائية (المادة 643): المحكمة الجَزائية تَقضي ـ حَتى في حالة التَبرئة ـ بإعادة الأموال المُختَلَسة إلى جَماعة الدائنين، وبتَحديد بَدَل العَطل والضَرر.
- رَشوة الدائنين (المادتان 645-646): الحَبس من شَهر إلى سنة + غَرامة لا تَتجاوَز 250 ليرة لبنانية (نَصّ المادة 645). تُرفَع المُدة إلى سَنتَين إذا كان الدائن وَكيلاً للتَفليسة. وتُبطل المُعاهدات الجانبية.
- المسار الجَزائي ومَسار التَفليسة يَجريان مَوازيَين (المادة 648): المُلاحقة الجَزائية لا تُعَدِّل القَواعد العادية لإدارة التَفليسة. والإدانة الجَزائية تُنتج آثاراً مَدنية مُلزمة (الرَدّ والتَعويض، المادة 643).
- إعادة الاعتبار الحَتمية بمُرور الزمن (المادة 651): 10 سنوات من إعلان الإفلاس ـ تِلقائياً ـ إذا لم يَكن المَفلس مُقصِّراً أو مُحتالاً.
- إعادة الاعتبار الحَتمية بالإيفاء (المادة 652): تَعود فَوراً عند إيفاء كل الديون + الفوائد (محدودة بخَمس سَنوات) + النَفقات. شَريك التَضامن يَستطيع طَلَبَها بإثبات وَفاء حِصَّته.
- إعادة الاعتبار الجَوازية للنَزاهة (المادة 653): تَخضع لتَقدير المحكمة، شَرطها إيفاء أقساط الصُلح أو الإبراء التام من الدائنين.
- المَفلس الاحتيالي (المادة 660) لا يَستعيد اعتبارَه التجاري إلا بَعد استعادة اعتباره الجَزائي وَفقاً للأصول الجَزائية. وَتَجوز إعادة الاعتبار بَعد الوَفاة (المادة 661).
- الشَركات القابلة للإفلاس (المادة 663): جَميع الشَركات التجارية، ما عَدا شركة المُحاصة. الشَركات في التَصفية أو المُبطَلة قَضائياً قابلة للإفلاس إذا كانت مُستمرّة فِعلاً.
- مُهلة 20 يوماً وإعلان مُزدَوج لشركات الأشخاص (المادة 665): الشُركاء المُتضامنون في شركة التَضامن وَالمُفَوَّض إليهم في التَوصية مُلزَمون بالتَصريح خِلال 20 يوماً من تَوقّف الشركة. تُعلن المحكمة في حُكم واحد إفلاس الشركة وإفلاس الشُركاء، مع توحيد القاضي المُنتدَب ووَكيل التَفليسة لكن مع استقلال الذِمَم.
- استعجال إكمال رأس المال (المادة 666): وَكيل التَفليسة يَحقّ له إجبار الشُركاء على دَفع باقي رأسمالهم في الشركات حتى قبل مَوعد الاستحقاق.
- المسؤولية الجَزائية للمُديرين والشُركاء (المادة 667): إذا أَفلَست الشركة إفلاساً احتيالياً أو تَقصيرياً، تُقام دَعوى التَبعة الجَزائية على الشُركاء المُتضامنين والمُفَوَّض إليهم ومُديري الشَركات المُغفَلة وأعضاء مَجالس إدارتها.
ختام السلسلة
بانتهاء هذا الجزء تَكتمل سلسلة الكتاب الخامس من قانون التجارة البرّية اللبناني ـ من الصلح الاحتياطي إلى إعلان الإفلاس إلى إدارة التَفليسة إلى الإفلاس التَقصيري والاحتيالي وإعادة الاعتبار وإفلاس الشَركات. وَبهذا تَكتمل أيضاً سلسلة الدليل العملي للقانون التجاري اللبناني بأَجزائها السبعة الرئيسة ومُلحقها على السَنَدات القابلة للتَحويل.
كل هذه الأَجزاء تَستند إلى نَصّ القانون النافِذ (المرسوم الاشتراعي 304 تاريخ 24/12/1942)، مع تَعديلاته اللاحقة وأَهَمّها القانون رقم 126 تاريخ 29/3/2019 (تَعديلات الشَركات في الكتاب الثاني) والقَوانين المُتفرِّقة على بعض المواد. ولِمَن يَريد الرُجوع إلى السلسلة كاملة: الدليل العملي للقانون التجاري.