قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم ١/١٩٩٩
الرقابة على دستورية القوانين · ١٩٩٩/١١/٢٣
قرارٌ صادر عن المجلس الدستوري اللبناني رقم ١/١٩٩٩ بتاريخ ١٩٩٩/١١/٢٣ في مراجعة دستورية القانون رقم ١٢٧/١٩٩٩، انتهى فيه المجلس إلى إبطال جزئي.
- التصنيف
- الرقابة على دستورية القوانين
- التاريخ
- ١٩٩٩/١١/٢٣
- رقم القرار
- ١/١٩٩٩
- القانون المطعون فيه
- رقم ١٢٧/١٩٩٩
- الجهة المستدعية
- الشيخ بهجت غيث، بصفته شيخ عقل الطائفة الدرزية ورئيسها الديني.
- المآل
- إبطال جزئي
القانون المطعون فيه
القانون رقم 127 تاريخ 25\10\1999 المتعلق بانشاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية والمنشور في العدد 15 تاريخ 28\10\1999، من الجريدة الرسمية، لمخالفته الدستور.
المبادئ الدستورية التي أعملها المجلس في هذا القرار (٣)
- استمرارية المرافق العامةسند
«وبما ان مبدأ استمرارية المرفق العام هو من المبادئ القانونية العامة التي اقرها الاجتهاد الاداري واعتبره المجلس الدستوري من المبادئ ذات القيمة الدستورية.»
- الحريات العامة والحقوق الأساسيةسند
«الا ان الامر يختلف عندما يمس ذلك حرية او حقا من الحقوق ذات القيمة الدستورية.»
- الاستقلال الذاتي للطوائف في إدارة شؤونها الدينية (م.9/10)سند
«وبما ان الاستعاضة عن مبدأ الانتخاب الذي يشكل الضمانة الاساسية لاستقلال الطائفة الدرزية بمبدأ التعيين او على الاقل فتح المجال للتعيين، يشكل خرقا لهذا المبدأ الذي صانه الدستور ونص على ضمانه في المادة التاسعة منه»
المواد الدستورية المستنَد إليها
نصّ القرار
قرار رقم ٩٩/١ تاريخ ١٩٩٩/١١/٢٣
طلب ابطال القانون رقم ١٢٧ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٥ : إنشاء مجلس أمناء أوقاف الطائفة الدرزية
نتيجة القرار
اعتبار بعض التعابير مخالفة للدستور وبالتالي باطلة وكأنها
لم تكن
اعتبار القانون ٩٩/١٢٧ غير مخالف للدستور، فيما خلا
عدم دستورية الكلمات الباطلة
المواد المسند اليها القرار
المادة ٩ من الدستور (حرية الاعتقاد واحترام الدولة لنظام الأحوال الشخصية)
الأفكار الرئيسية
مبدأ استمرارية المرفق العام مبدأ ذو قيمة دستورية
مبدأ عدم انتقاص المشترع من الحقوق والحريات الأساسية
عند سنه القوانين
الاوقاف الخيرية جزء من الأحوال الشخصية للطوائف الاستعاضة عن مبدأ الانتخاب بمبدأ التعيين يمسّ بمبدأ
استقلالية الطائفة الدرزية الذي صانه الدستور
رقم المراجعة: ١/٩٩
المستدعي: الشيخ بهجت غيث، بصفته شيخ عقل الطائفة الدرزية ورئيسها الديني.
الموضوع: ابطال القانون رقم ١٢٧ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٥ المتعلق بإنشاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية والمنشور في العدد ١٥ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٨، من الجريدة الرسمية، لمخالفته الدستور.
إن المجلس الدستوري
الملتئم في مقره بتاريخ ١٩٩٩/١١/٢٣، برئاسة رئيسه الاستاذ امين نصار وعضوية السادة: مصطفى العوجي، اديب علام، كامل ريدان، ميشال تركيه، انطوان خير، خالد قباني، حسين حمدان، فوزي ابو مراد، سليم جريصاتي.
بعد الاطلاع على ملف المراجعة وسائر المستندات المرفقة بها، وعلى تقرير العضو المقرر المؤرخ في ١٩٩٩/١١/١٣،
وبما ان سماحة الشيخ بهجت غيث بصفته شيخ عقل الطائفة الدرزية ورئيسها الديني، تقدم بمراجعة سجلت في قلم المجلس بتاريخ ١٩٩٩/١١/٤ يطلب فيها ابطال القانون رقم ١٢٧ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٥ المنشور في العدد ٥١ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٨ من الجريدة الرسمية، والمتعلق بإنشاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية، وذلك بسبب مخالفته للدستور.
وقد ادلى المستدعي بالوقائع الآتية:
١- كان الطائفة الدرزية- منذ ان وجدت- مرجعية دينية متمثلة "بشيخ العقل" الذي يجمع بين يديه جوانب السلطة الدينية كافة، وفي مقدمها ادارة الاوقاف الخيرية الدرزية الواسعة والاشراف عليها، وعلى التصرف بغلتها ومردودها بما يسد الكثير من حاجات بعض ابناء طائفته.
٢- وظلت الحال على ما كانت عليه حتى تاريخ ١٣ تموز ١٩٦٢ حيث صدر قانونان في وقت واحد:
الاول: يتعلق بانتخاب شيخ العقل.
والثاني: يتعلق بانشاء وانتخاب المجلس المذهبي للطائفة الدرزية.
وقد لاحظ المستدعي ان قانون انتخاب شيخ العقل قد اقامه رئيسا روحيا اعلى للطائفة الدرزية مدى الحياة، وان قانون إنشاء المجلس المذهبي لهذه الطائفة الذي تعود اليه صلاحية ادارة الاوقاف الخيرية الدرزية، قد نصبه رئيسا له مدى الحياة ايضا.
٣- وعلى اثر وفاة المغفور له سماحة شيخ العقل السابق محمد ابو شقرا، تسلم المستدعي مقاليد مشيخة العقل بتكليف خطي من سلفه قوبل بالموافقة والترحيب من جميع ابناء الطائفة الدرزية- بمن فيهم رجال الدين والسياسة- بدليل عدم صدور أي اعتراض او تحفظ على ذلك من اي شخص او جهة كانت. ثم تكرست هذه الموافقة بالتعامل المستمر الذي قام بين سماحة المستدعي من جهة وجميع المرجعيات الرسمية في الدولة من جهة ثانية والذي تكلل باعتراف الدولة الصريح بكون المستدعي هو الرئيس الديني الوحيد للطائفة الدرزية.
٤- وقد مارس المستدعي بصفته المذكورة اعلاه، جميع الصلاحيات، وتمتع بجميع الامتيازات التي يوليه إياها منصبه الديني الرفيع اسوة بجميع الرؤساء الدينيين في الطوائف اللبنانية الأخرى طوال ثماني سنوات كاملة حتى الآن، ومارس في هذا الاطار رقابته على الأوقاف الدرزية، مانعا عنها كل تعد او تجاوز او افتئات قد يقع عليها من اية جهة كانت.
٥- غير ان القانون المطعون فيه، الذي يسعى واضعوه الى التخلص من رقابة المستدعي على الاوقاف- كما ورد في استدعاء الطعن- قد وفر للسلطة السياسية في الطائفة الدرزية، الاستئثار بأوقاف هذه الطائفة بعيدا عن مرجعيتها الدينية المتمثلة بسماحة شيخ العقل وحده منذ ان وجدت الاوقاف، وذلك خلافا لما توجبه صكوك الوقف الصادرة عن الذين وقفوا تلك الأوقاف، وبالتالي خلافا للاحكام القانونية الصريحة، وخلافا لمصالح ابناء الطائفة الدرزية باعتبارهم المستفيدين الوحيدية من هذه الاوقاف على مرّ العصور.
وتبين ان المستدعي انتهى من عرض هذه الوقائع الى المطالبة بقبول المراجعة شكلا لورودها ضمن المهلة القانونية مستوفية جميع شروطها الشكلية، ومن ثم الى اعتبار القانون المطعون فيه مشوبا بعيب عدم الدستورية، واصدار القرار بتعليقه وابطاله. وقد استند في مطالبته هذه الى الأسباب القانونية الآتية:
أ- انتفاء الصفة والصلاحية لدى السادة النواب الدروز - الذين وضعوا نصوصه- للتشريع بشأن "الاوقاف الدرزية" كونه موضوعا دينيا صرفا.
ب- واستطرادا، لان صدور القانون جاء نتيجة تصويت اكثرية نيابية ينتمي افرادها من السادة النواب الى اديان ومذاهب دينية غير درزية، مما ينفي عنهم وعن كل منهم كل صفة للتدخل والمشاركة في تقرير شأن ديني خاص بالطائفة الدرزية، ويشكل التالي خرقا واضحا ومخالفة صريحة سواء لاحكام المادة التاسعة من الدستور اللبناني او لاحكام المادة الأولى من قانون انتخاب شيخ العقل للطائفة الدرزية الصادر بتاريخ ١٣ تموز ١٩٦٢.
ج- انتهاك واضعي نصوص القانون مبدأي الحرية والديمقراطية في اصداره، وذلك بعدم وضعهم اسبابا موجبة له واكتفائهم ببعض الأحكام الانتقالية، التي تجيز بصورة استثنائية، ونظرا لعدم وجود مجلس مذهبي - مع ان قانون إنشاء المجلس المذهبي موجود- تعيين مجلس الأمناء الاول للاوقاف الدرزية ... بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء.
د- انتهاك القانون المطعون فيه مبدأ استقلالية الطائفة الدرزية المتمثلة برئاستها الدينية (سماحة شيخ العقل) والغاء القوانين التي ترعى شؤون اوقافها ومؤسساتها الخيرية، وذلك بايلائه صلاحيات الرقابة والوصاية العائدة للمجلس المذهبي الى لجنة مؤقتة تؤلف من النواب الدروز (م ١٢ منه).
ه - مخالفة المادة العاشرة من القانون المطعون فيه لاحكام المادة ١٧٤ من قانون الملكية العقارية (القرار رقم ٣٣٣٩ تاريخ ١٩٣٠/١١/١٢).
وتحت هذا السبب يطالب المستدعي بتقرير بطلان القانون المطعون فيه او المادة العاشرة منه على الاقل.
بناء على ما تقدم
اولا: في الشكل:
١- في صفة المستدعي لتقديم المراجعة:
بما ان المستدعي يطلب ابطال القانون رقم ٧٢١ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٥ المتعلق بانشاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية، بصفته شيخ عقل الطائفة الدرزية ورئيسها الديني.
وبما ان المادة ١٩ من الدستور قد حصرت حق مراجعة المجلس الدستوري فيما يتعلق بدستورية القوانين في كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وعشرة أعضاء من مجلس النواب، وفي رؤساء الطوائف المعترف بها قانونا.
وبما ان الطائفة الدرزية وفقا للقوانين النافذة ولا سيما القانون الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣ المتعلق بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية هي من الطوائف المعترف بها قانونا، وهي تتمثل كما سائر الطوائف اللبنانية برئيسها الديني وهو شيخ عقل الطائفة.
وبما انه يقتضي، اذن، معرفة ما اذا كان المستدعي الشيخ بهجت غيث يتمتع بصفة شيخ عقل الطائفة الدرزية وبالتالي بصفة الرئيس الديني لهذه الطائفة.
وبما انه يتبين من الأوراق المرفقة بملف الدعوى ومن الوقائع الراهنة ان الشيخ بهجت غيث قد تولى فعليا منصب مشيخة عقل الطائفة الدرزية منذ تاريخ ١٩٩١/١٠/٢٣، ومارس هذه المهمة، ولم يزل، وتعاملت معه الدولة والدوائر الرسمية وسائر المراجع الدينية والمدنية وابناء الطائفة الدرزية بهذه الصفة دون اي اعتراض او تحفظ.
وبما انه بصرف النظر عن شرعية تعيين الشيخ بهجت غيث بمنصب شيخ العقل او قانونية تكليفه القيام بمهام مشيخة عقل الطائفة الدرزية بمقتضى التفويض الصادر عن شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ محمد أبو شقرا بتاريخ ١٩٩١/١٠/٢٣، فان الشيخ بهجت غيث قد تولى عمليا وفعليا هذه المهام وامن استمرارية عمل المرفق الديني والوقفي للطائفة الدرزية.
وبما ان مبدأ استمرارية المرفق العام هو من المبادئ القانونية العامة التي اقرها الاجتهاد الاداري واعتبره المجلس الدستوري من المبادئ ذات القيمة الدستورية.
وبما انه وعلى افتراض ان الشيخ بهجت غيث لم تكن له الصفة القانونية ولا الصلاحية لممارسة مهام شيخ عقل الطائفة الدرزية لعدم انتخابه وفقا لاحكام القانون ١٩٦٢/٧/١٣ المتعلق بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية فان صفته يستمدها من كون كل المظاهر تؤكد حيازته للصفة القانونية والنظامية التي تجعل قيامه بمهامه او تنصيبه معقولا او مقبولا ظاهرا وتكون اعماله بالتالي شرعية.
وبما انه يكون للشيخ بهجت غيث اذن الصفة لتقديم هذه المراجعة.
٢- في قبول المراجعة لجهة موضوعها:
بما ان المادة ١٩ من الدستور تحصر ممارسة حق مراجعة المجلس الدستوري المعطى لرؤساء الطوائف المعترف بها قانونا، في مواضيع محددة وهي الاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني.
وبما أن موضوع المراجعة يتناول ابطال قانون يتعلق بإنشاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية، مما يقتضي معه النظر فيما اذا كان هذا الموضوع يدخل في عداد المواضيع المحددة حصرا في الدستور، والتي يعود لرؤساء الطوائف حق مراجعة المجلس الدستوري بشأنها.
وبما ان الطائفة الدرزية هي احدى الطوائف الاسلامية التي نظمت شؤونها بمقتضى قوانين صادرة عن السلطة التشريعية ومنها القانون الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣ المتعلق بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية، والقانون الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣ والمتعلق بإنشاء المجلس المذهبي للطائفة الدرزية، اسوة بالطوائف الاسلامية الاخرى.
وبما ان المرسوم الاشتراعي رقم ١٨ تاريخ ١٩٥٥/١/١٣ المتعلق بتنظيم دوائر الافتاء والأوقاف الاسلامية، والقانون رقم ٧٦/٧٢ تاريخ ١٩٧٦/١٢/١٩ المتعلق بشؤون الطائفة الاسلامية الشيعية في لبنان، ينص كل منهما على ما يلي:
م١ - مرسوم اشتراعي رقم ٥٥/١٨:
"المسلمون السنيون مستقلون استقلالا تاما في شؤونهم الدينية واوقافهم الخيرية ... "
م٢ - قانون ٧٦/٧٢:
"الطائفة الاسلامية الشيعية مستقلة في شؤونها الدينية واوقافها ومؤسساتها ... "
وبما ان المادة الأولى من قانون ١٩٦٢/٧/١٣، المتعلق بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية تنص بدورها على ما يلي:
"الطائفة الدرزية مستقلة بشؤونها الدينية ومؤسساتها الخيرية تتولى تنظيمها وادارتها بنفسها طبقا لاحكامها الروحية وامتيازاتها المذهبية والنظم والقوانين المستمدة منها بواسطة ممثلين من اهل الرأي وذوي الكفاءة من ابنائها."
وبما ان المادة ٢ من القانون الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣ المتعلق بإنشاء المجلس المذهبي للطائفة الدرزية والتي تتناول صلاحيات المجلس المذهبي تدخل في عداد صلاحياته الاشراف على الأوقاف الدرزية.
وبما انه يتبين من مجمل هذه النصوص الواضحة والصريحة ان شؤون الاوقاف تدخل في صلب مهام الطوائف وتعتبر بالتالي شأنا دينيا على الرغم من ان نشاطها يتعلق بأمور عقارية ومالية.
وبما انه فضلا عن ذلك فان قانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية الصادر بقانون ١٩٤٨/٢/٢٤ قد افرد في متنه فصلا خاصا للأوقاف هو الفصل التاسع عشر، مما يعني ان مسائل الأوقاف هي ايضا احدى الموضوعات التي تدخل في اطار الاحوال الشخصية للطوائف.
وبما أن موضوع هذه المراجعة يكون اذن من المواضيع التي يمكن لرؤساء الطوائف المراجعة بشأنها.
٣- في المهلة:
بما ان المراجعة قدمت ضمن المهلة مستوفية سائر شروطها القانونية فتكون اذن مقبولة في الشكل.
ثانيا: في الاساس:
بما ان المستدعي يطلب ابطال القانون رقم ٧٢١ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٥ المتعلق بإنشاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية، وذلك لان هذا القانون قد رفع يد السلطة الدينية عن اوقاف الطائفة الدرزية واحل يد سلطة غير دينية محلها، مخالفا بذلك احكام المادة ٩ من الدستور والمادة ٢ من قانون إنشاء المجلس المذهبي الطائفة الدرزية الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣ اللتين تكفلان لهذه الطائفة بواسطة رئيسها الديني استقلالها التام في الاشراف على اوقافها الخيرية وفي ادارتها واستثمارها بمعزل عن السلطة السياسية.
بما ان المادة التاسعة من الدستور تنص على ما يلي:
"حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال الله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك اخلال في النظام العام وهي تضمن ايضا للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية."
وبما أن هذا النص ينطوي اذن على موقف محايد للدولة من الاديان وعلى اعترافها بالاستقلال الذاتي للطوائف في ادارة شؤونها ومصالحها الدينية ويرتب على هذا الاستقلال للطوائف وللجماعات المذهبية المستقلة المختصة بالتعليم وبالاعمال الخيرية التابعة لها تمتعها ايضا بالشخصية المعنوية.
وبما ان الأوقاف الخيرية تعتبر جزءا من الاحوال الشخصية للطوائف فضلا عن انها من المصالح الدينية لهذه الطوائف وتحكمها فيما عنى الطوائف الاسلامية خاصة القواعد والأحكام الشرعية المتعلقة بالموضوع.
وبما أن الدستور يعترف للطوائف فضلا عن ذلك بحقوق مختلفة نصت عليها المواد ١٠ و٢٤ و٩٥ من الدستور ولا سيما المادة ١٩ منه التي تولي لرؤساء الطوائف المعترف بها قانونا حق مراجعة المجلس الدستوري مما يؤكد اعتراف الدستور للطوائف بالشخصية المعنوية من جهة، وبالاستقلال الذاتي في ادارة شؤونها بنفسها، من جهة ثانية، وبحقها بالتالي في الدفاع عن استقلالها ومصالحها الدينية.
وبما ان التشريعات والقوانين التي سنها مجلس النواب والمتعلقة بتنظيم اوضاع الطوائف المختلفة قد جاءت مكرسة لهذا الاستقلال الذي نص عليه الدستور ولم تشذ القوانين
المتعلقة بالطائفة الدرزية عن هذه القاعدة، اذ جاء في نص المادة الأولى من قانون ١٩٦٢/٧/١٣ المتعلق بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية، على غرار قوانين الطوائف الاخرى ما يلي:
"الطائفة الدرزية مستقلة بشؤونها الدينية واوقافها ومؤسساتها الخيرية تتولى تنظيمها وادارتها بنفسها طبقا لاحكامها الروحية وامتيازاتها المذهبية والنظم والقوانين المستمدة منها بواسطة ممثلين من اهل الرأي وذوي الكفاءة من ابنائها."
وبما انه اذا كان يعود للمشترع أن يلغي قانونا نافذا او ان يعدل احكام هذا القانون دون ان يشكل ذلك مخالفة للدستور او ان يقع تحت رقابة المجلس الدستوري الا ان الامر يختلف عندما يمس ذلك حرية او حقا من الحقوق ذات القيمة الدستورية.
وبما ان المشترع عندما يسن قانونا يتناول الحقوق والحريات الأساسية فلا يسعه ان يعدل او ان يلغي النصوص القانونية النافذة الضامنة لهذه الحريات دون ان يحل محلها نصوصا اكثر ضمانة او تعادلها على الاقل فاعلية وضمانة، بمعنى انه لا يجوز للمشترع ان يضعف من الضمانات التي اقرها بموجب قوانين سابقة لجهة حق او حرية اساسية سواء عن طريق الغاء هذه الضمانات دون التعويض عنها او باحلال ضمانات محلها اقل قوة وفاعلية.
وبما ان القانون رقم ٩٩/١٢٧ المطعون فيه قد انشأ مجلس امناء لاوقاف الطائفة الدرزية واناط به ادارة اوقافها في اطار تنظيمي بين فيه مدى صلاحيات هذا المجلس وحدود هذه الصلاحيات، ووضع هذا المجلس واشخاصه واعمال تحت رقابة صارمة من المجلس المذهبي واخضع قراراته لموافقته المسبقة (المادة ١ والمادة ٢ من القانون ٩٩/١٢٧).
وبما ان المادة الثالثة من هذا القانون قد اولت المجلس المذهبي للطائفة الدرزية، وهو مجلس منتخب من ابناء الطائفة الدرزية نفسها، امر اختيار اعضاء مجلس امناء اوقاف الطائفة الدرزية، ممن يتمتعون بالعلم والخبرة والاختصاص وممن يشهد لهم بحسن الادارة.
وبما أن المجلس المذهبي الطائفة الدرزية، وفقا لقانون انشائه، الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣، هو الذي يتولى شؤون الطائفة الزمنية والمالية، بما في ذلك شؤون اوقافها، وتمثيلها في الشؤون العائدة لكيانها الاجتماعي والسهر على رفع مستواها والمحافظة على حقوقها،
وبما ان القانون رقم ٩٩/١٢٧، في ما تضمنه من نصوص واحكام، معدلة او ملغية- بصورة ضمنية- لاحكام قانون إنشاء المجلس المذهبي للطائفة الدرزية (قانون ١٩٦٢/٧/١٣)، قد جاء مؤكدا على صلاحيات هذا المجلس ومتضمنا نصوصا واحكاما، تشكل ضمانات حقيقية لاستقلال الطائفة الدرزية في ادارة شؤونها الذاتية، الذي يحميه الدستور في المادة التاسعة منه، ولا سيما فيما يتعلق بإدارة اوقافها.
وبما ان انشاء مجلس امناء لاوقاف الطائفة الدرزية، لا ينزع عن ابناء الطائفة الدرزية، حق ادارة شؤونه الدينية والوقفية بصورة مستقلة، ولا يتعرض لموقع ومقام شيخ عقل الطائفة الدرزية، سواء لجهة رئاسته للمجلس المذهبي، او باعتباره الرئيس الديني للطائفة الدرزية وممثلها، وبكونه يتمتع، بهذا الوصف، بذات الحرمة التي يتمتع بها سائر الرؤساء الروحيين.
وبما ان انشاء مجلس امناء الطائفة الدرزية، بمقتضى القانون رقم ٩٩/١٢٧، لا يخل بمبدأ الاستقلال الذاتي للطائفة الدرزية، بوصفها احدى الطوائف اللبنانية المعترف بها رسميا، الذي يضمنه الدستور، لا سيما وان هذا المجلس لا يتمتع بسلطة تقريرية، من جهة، وهو من جهة ثانية يرتبط ارتباطا عضويا، ويخضع خضوعا كاملا، في اعماله وقراراته، للمجلس المذهبي الدرزي، الذي يتولى في الوقت نفسه، تعيين اعضائه، فلا ينزع هذا الانشاء يد السلطة الدينية الدرزية عن اوقاف الطائفة، ولا يشكل بالتالي خرقا لاحكام الدستور.
وبما ان القانون رقم ٩٩/١٢٧، بالاضافة الى ما تقدم، يتضمن في فصله الثالث احكاما انتقالية ومؤقتة وذات طابع استثنائي، لمعالجة حالة الشغور الناتجة عن عدم وجود مجلس مذهبي للنهوض بالمسؤوليات التي اناطتها القوانين النافذة بهذا المجلس، وهذه الاحكام بوصفها احكاما انتقالية من قبل المشترع انما تؤكد على القاعدة والمبدأ وهو استقلال الطائفة الدرزية في ادارة شؤونها الذاتية ومصالحها الدينية والوقفية.
وبما ان المادة الحادية عشرة من القانون رقم ٩٩/١٢٧ والتي وردت تحت عنوان احكام انتقالية قد نصت على ان يعين مجلس الامناء الاول لاوقاف الطائفة الدرزية بما في ذلك رئيسه ونائبه وامين سره ومدير الأوقاف لمدة خمس سنوات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء وذلك بصورة استثنائية نظرا لعدم وجود مجلس مذهبي.
وبما انه اذا كان لمجلس النواب أن يفوض لمجلس الوزراء صلاحية تعيين مجلس الامناء الاول خلافا للمادة الثالثة من القانون ٩٩/١٢٧ الذي يولي المجلس المذهبي هذا
الحق والذي يتأكد به استقلال الطائفة في ادارة اوقافها وبصورة استثنائية لعدم وجود مجلس مذهبي وذلك حفاظا على استمرارية المرفق العام الديني والوقفي، فان تعيين مجلس الأمناء الاول لمدة خمس سنوات اي لمدة مماثلة لمدة ولاية مجلس الامناء الاصيل المنصوص عليها في المادة ٨ من القانون ٩٩/١٢٧ يخلع عن هذا النص الصفة الانتقالية والمؤقتة ويمس بالتالي بمبدأ استقلال الطائفة الدرزية الذي يضمنه الدستور.
وبما ان المادة الثانية عشرة من قانون رقم ٩٩/١٢٧ جاءت مكملة للمادة الحادية عشرة منه من حيث نصها على تأليف لجنة مؤقتة من النواب الدروز لتمارس صلاحيات الرقابة والوصاية التي تعود للمجلس المذهبي، والى ان يتم انتخاب او تعيين المجلس المذهبي، مما يؤكد على الطابع الانتقالي والمؤقت لهاتين المادتين، حرصا على أن تتولى المؤسسات الاصيلة صلاحياتها بصورة طبيعية والتي يجب العمل على اعادة تكوينها وفقا لقوانين الطائفة المرعية الاجراء، صونا لاستقلال الطائفة الدرزية وللمبدأ الدستوري.
وبما ان المادة الثانية عشرة من القانون ٩٩/١٢٧ قد نصت على امكانية انتخاب أو تعيين المجلس المذهبي للطائفة الدرزية خلافا للمبدأ الذي جاء النص عليه في الفصل الثاني من القانون الصادر في ١٩٦٢/٧/١٣، المتعلق بإنشاء المجلس المذهبي للطائفة الدرزية، وهو مبدأ الانتخاب.
وبما ان الاستعاضة عن مبدأ الانتخاب الذي يشكل الضمانة الاساسية لاستقلال الطائفة الدرزية بمبدأ التعيين او على الاقل فتح المجال للتعيين، يشكل خرقا لهذا المبدأ الذي صانه الدستور ونص على ضمانه في المادة التاسعة منه.
وبما ان الاحكام الانتقالية للقانون ٩٩/١٢٧ الواردة في المادتين ١١ و١٢ منه تكونان لجهة تعيين مجلس الأمناء لمدة خمس سنوات ولجهة امكانية تعيين المجلس المذهبي مخالفتين للدستور.
وبما ان القانون ٩٩/١٢٧ تاريخ ١٩٩٩/١٠/٢٥، فيما خلا ذلك يكون غير مخالف لأحكام الدستور وان كل ما ادلي به من اسباب تتعلق بقوانين خاصة او بصلاحيات مجلس النواب التشريعية يكون مردودا ولا فائدة من بحثه.
لذلك
يقرر المجلس:
اولا: اعتبار الكلمات الآتية: "لمدة خمس سنوات" الواردة في المادة ١١ من القانون ٩٩/١٢ مخالفة للدستور وبالتالي باطلة وكأنها لم تكن.
ثانيا: اعتبار كلمة: "أو تعيين" الواردة في المادة ٢١ من القانون ٩٩/١٢٧ مخالفة للدستور ٧ وبالتالي باطلة وكأنها لم تكن.
ثالثا: اعتبار القانون ٩٩/١٢٧ فيما خلا عدم دستورية الكلمات الواردة أعلاه، غير مخالف للدستور.
رابعا: ابلاغ هذا القرار الى المراجع المختصة ونشره في الجريدة الرسمية.
قرارا صدر في الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني ١٩٩٩.