الشيك مدنياً وجزائياً — الجزء السابع من الدليل العملي للقانون التجاري
الجزء السابع من سلسلة “الدليل العملي للقانون التجاري”، يُغطّي الشيك في 42 مادة من قانون التجارة البرية (المواد 409 إلى 450) ومادتَين في قانون العقوبات (666 و667). الشيك هو السند التجاري الوحيد في القانون اللبناني الذي يَجمع بين تنظيم تجاري كامل ونظام جزائي مستقلّ، وقد أَعاد قانون 16/5/1967 رَسم خرائط هذا الازدواج بنقل الجرم الموضوعي من قانون التجارة إلى قانون العقوبات.
مقدّمة
هذا الجزء السابع من سلسلة “الدليل العملي للقانون التجاري”. في الأجزاء السابقة، عَالجت السلسلة هياكل التَنظيم القانوني للتاجر والشركة (شركات الأشخاص في الجزء الثاني، الشركة المغفلة تأسيساً وسير أعمال في الجزأَين الثالث والرابع، الشركة المحدودة المسؤولية في الجزء الخامس، ملحق السندات القابلة للتحويل إلى أسهم في الجزء الثالث المتمّم). أمّا هذا الجزء فيَنتقل إلى الشيك كأداة دفع تجارية، وإلى نظامه المتفرِّد الذي يَجمع بين تنظيم تجاري في قانون التجارة وأحكام جزائية في قانون العقوبات.
الشيك أداة دفع تجارية أساسية، يَستعمله التاجر والمؤسسة والمستهلك على حدّ سواء، ويَتشعَّب الجدال حوله بين النِزاع التجاري الكلاسيكي على مرور الزمن والمداعاة عند الامتناع عن الإيفاء، وبين الجَدل الجزائي على جرم الإصدار دون مؤونة. ويَتفرَّد الشيك عن سائر السندات التجارية في القانون اللبناني (سند السحب وسند الأمر) بأنّ المشترع قد أَفرد له نظاماً جزائياً مستقلّاً قائماً بذاته، يَضع على عاتق الساحب موجباً مُؤَمَّناً بعقوبة الحبس والغرامة. وهذه الازدواجية بين النظام التجاري (قانون التجارة، المواد 409 إلى 450) والنظام الجزائي (قانون العقوبات، المادتان 666 و667) هي ما يُملي على المحامي اللبناني أن يُحسن التنقُّل بين الفصلَين عند تَلَقّيه قضية شيك دون مؤونة.
خرائط التشريع. وَردت أحكام الشيك في الباب الثالث من الكتاب الرابع من قانون التجارة البرية (الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 304 تاريخ 24/12/1942) — وهو الكتاب الذي يَتناول السندات التجارية وغيرها من الأسناد القابلة للتداول — والذي يُقَسِّم المواد 409 إلى 450 على ثمانية فصول: إنشاء الشيك وصيغته (الفصل الأوّل)، انتقاله بالتَظهير (الفصل الثاني)، العرض والإيفاء (الفصل الثالث)، الشيك المشطوب (الفصل الرابع)، المداعاة لعدم الإيفاء (الفصل الخامس)، تَعدُّد النسخ (الفصل السادس)، مرور الزمن (الفصل السابع)، وأحكام عامّة وجزائية (الفصل الثامن). أمّا الجرم الموضوعي (إصدار شيك دون مؤونة، استرداد المؤونة، منع الدفع تعسُّفاً) فمكانه اليوم المادتان 666 و667 من قانون العقوبات ضمن «النبذة الرابعة – في الشك بدون مقابل».
التاريخ التشريعي بإيجاز. في صياغته الأصلية (1942) كان قانون التجارة يَتضمَّن جرم الشيك دون مؤونة في المادة 448 وعقوبته بالغرامة وبعقوبة الاحتيال. ثمّ جاء قانون 30 تاريخ 16/5/1967 فأَحدث الإصلاح البُنيوي الأبرز: أَلغى المادتَين 666 و667 من قانون العقوبات وأَبدلهما بصياغة جديدة تَستوعب الجرم الموضوعي بكامل عناصره، وأَلغى الفقرتَين الأخيرتَين من المادة 446 تجارة، واستعاض عن المادة 448 تجارة بنصّ جديد لا يَتعدّى الجُملة الواحدة: «إنّ جرم سحب الشيك دون مؤونة معاقَب عليه في المادة 666 من قانون العقوبات». فأَصبح الجرم الموضوعي جزائياً صِرفاً، وبَقي في قانون التجارة نَوعان من المخالفات الإدارية الطابع: مخالفات الشَكل والتاريخ (المادتان 446 و447) وجرم المسحوب عليه الذي يُصرِّح كَذباً عن المؤونة (المادة 449). ثمّ شَهدت المادة 666 من قانون العقوبات تَعديلَين لاحقَين: القانون رقم 239 تاريخ 27/5/1993 ثمّ القانون رقم 87 تاريخ 6/3/2010 الذي رَفع الغرامة إلى مَدى من مليون إلى أربعة ملايين ليرة لبنانية.
نطاق هذا الجزء: المواد 409 إلى 450 من قانون التجارة البرية (42 مادة) + المادتان 666 و667 من قانون العقوبات، يُعالَج على عشَرة محاور: إنشاء الشيك وصيغته، انتقاله بالتَظهير، العرض والإيفاء، الشيك المشطوب، المداعاة لعدم الإيفاء، تَعدُّد النسخ، مرور الزمن، الأحكام العامّة والجزائية في قانون التجارة، الجرم الجزائي في قانون العقوبات، إضافة إلى نصائح عَملية وخلاصة. ولا تَعالَج هنا أحكام ضمانات الشيك في الإفلاس التي يَتناولها الجزء الثامن والأخير من السلسلة (الصلح الاحتياطي والإفلاس).
أوّلاً — إنشاء الشيك وصيغته (المواد 409–417)
تَفتح المادة 409 من قانون التجارة البرية اللبناني الباب الثالث بِتَعداد المُشتمَلات الإلزامية للشيك: «يَشتمل الشك: 1- على ذِكر كلمة ‘شك’ مُدرَجة في نَصّ السند نفسه باللغة المستعملة لكتابته. 2- والتوكيل المجرَّد عن كلّ قَيد وشرط بدفع مبلغ معيَّن. 3- واسم الشخص الذي يَجب عليه الدفع (المسحوب عليه). 4- وتَعيين المحلّ الذي يَجب أن يَتمّ فيه الدفع. 5- وتَعيين التاريخ والمحلّ اللذَين أُنشئ فيهما الشك. 6- وتوقيع مُصدِر الشك (الساحب)».
هذه الستّ مُشتمَلات هي الحدّ الأدنى لِبنية الشيك. وتُكَمِّل المادة 410 هذا التَعداد بقواعد تَعويض عند نقص بعض المُشتمَلات: إذا لم يَكن في السند تَعيين خاصّ لمحلّ الدفع، يُعَدّ المحلّ المذكور بجانب اسم المسحوب عليه محلّاً للدفع؛ فإن تَعدَّدت تلك الأمكنة كان الشيك واجب الأداء في المحلّ المذكور أوّلاً؛ وإذا لم تُذكر هذه الإيضاحات أصلاً يكون الشيك واجب الدفع في محلّ مؤسَّسة المسحوب عليه الأصلية؛ أمّا الشيك الذي لم يُذكر فيه محلّ إنشائه فيُعَدّ مُنشَأً في المحلّ المذكور بجانب اسم الساحب.
تَفرض المادة 411 قَيداً جَوهرياً على شخص المسحوب عليه: «لا يُمكن سَحب الشك إلا على صيرفي يكون لديه وقت إنشاء السند أموال موضوعة تحت تَصرُّف الساحب بناء على اتّفاق صريح أو ضمني يَحقّ بموجبه للساحب أن يَتصرَّف بهذه الأموال بطريقة إصدار الشك». يَجمع النصّ بين شَرطَين متَكاملَين: شَرط شَخصي (المسحوب عليه يَجب أن يكون صيرفياً، أيّ مصرفاً) وشَرط مَوضوعي (وجود مؤونة في حساب الساحب لدى ذلك المصرف عند إنشاء السند). والمؤونة هي حجر الزاوية في النظام كلّه: غيابُها وقت الإصدار هو الذي يَفتح المسار الجزائي عند تَوَفُّر الركن المعنوي.
تَستثني المادة 412 الشيك من قاعدة القَبول التي تَخضع لها سندات السَحب، فتَنصّ على أنّه «لا يَخضع الشك لشرط القبول. وإذا كُتبت على الشك عبارة تَختصّ بالقبول فتُعَدّ لَغواً». ومع ذلك تُجيز الفقرة الثانية إعلام المسحوب عليه على الشيك بهدف إثبات وجود المؤونة في تاريخ الإصدار. فالشيك ليس أداة ائتمان كسند السَحب، بل أداة دفع لدى الاطّلاع، ولا حاجة لِقَبول مسبَق من المصرف.
تَعرض المادة 413 الأشكال الممكنة لاسم المستفيد: شيك لشخص معيَّن مع تصريح «لأمر» (قابل للتَظهير)، شيك لشخص معيَّن مع عبارة «ليس لأمر» أو ما يُماثلها (غير قابل للتَظهير بصيغة سندات الأمر)، أو شيك لحامله. والشيك المسحوب لمصلحة شخص معيَّن مع عبارة «أو لحامله» أو ما يُماثلها يُعَدّ بمثابة شيك لحامله، وكذلك الشيك الذي لم يُذكَر فيه اسم مستحقّه.
تُجيز المادة 414 للساحب أن يَسحب الشيك «لأمر الساحب نفسه» (أيّ شيكاً مَوقَّعاً ومُحَرَّراً لمصلحة ذاته)، أو أن يَسحبه لمصلحة شخص ثالث. ولا يُمكن سَحب الشيك على الساحب نفسه إلا في حالة وحيدة: حين يَتعدَّد فروع المسحوب عليه ويُسحب الشيك من فرع على فرع آخر، شَرط ألا يكون لحامله.
تَفرض المادة 415 قَيداً واضحاً على بِنية الشيك المالية: «كلّ اشتراط للفائدة مُدرَج في الشك يُعَدّ لَغواً». فالشيك لا يَحمل فائدة اتّفاقية؛ والفوائد على مبلغه إنّما تَحقّ للحامل من تاريخ العَرض (المادة 438 لاحقاً) لا قبله.
تُجيز المادة 416 أن يكون الشيك «واجب الدفع في محلّ إقامة شخص ثالث سواء كان في المحلّة التي يُقيم فيها المسحوب عليه أو في محلّة غيرها ويُشترَط أن يكون الشخص الثالث صيرفياً». وهذا ما يُطلَق عليه «شيك المحلّ المتغايِر» ويَستفيد منه التُجّار الذين يَتعاملون مع عدّة مَصارف.
تُكَرِّس المادة 417 ضَمان الساحب: «الساحب كفيل بالإيفاء وكلّ شرط يَقصد به تَملُّص الساحب من هذه الكفالة يُعَدّ لَغواً». فالساحب يَبقى ضامناً لإيفاء قيمة الشيك تجاه الحامل، ولا يَستطيع أن يَتنصَّل من هذه الضَمانة بأيّ شرط مدرَج في الشيك أو في عقد جانبي.
ثانياً — انتقال الشيك بالتَظهير (المواد 418–424)
تُمَهِّد المادة 418 لِنظام التَظهير: الشيك المنصوص على كونه قابل الأداء لشخص مسمّى مع عبارة «لأمر» الصريحة أو بدونها هو قابل للانتقال بطريقة التَظهير؛ أمّا الشيك المنصوص على كونه قابل الأداء لشخص مسمّى مع عبارة «ليس لأمر» أو عبارة مماثلة فلا يكون قابلاً للانتقال إلا بصيغة التَفرُّغ العادي وبمفاعيله. والفَرق العَملي بين الصيغتَين بالغ الأثر: التَفرُّغ العادي (تَنازل عن الحقّ بموجب قانون الموجبات والعقود) يَخضع لإجراءات تَبليغ تامّة قبل أن يُنتج أثره تجاه الغير، فيما التَظهير يَنقل ملكية الشيك فوراً بمجرَّد توقيع المُظَهِّر على ظهر السند.
تُجيز المادة 419 التَظهير لمصلحة الساحب نفسه أو لأيّ شخص آخر مُلزَم بموجب الشيك، ولهؤلاء أن يُظَهِّروا الشيك مجدَّداً (التَظهير المرتدّ). وتَفرض المادة 420 على التَظهير شَرطَين شَكليَّين: أن يكون «بلا قَيد ولا شرط» (وكلّ شرط يُعَلَّق عليه التَظهير يُعَدّ لَغواً)، وأن لا يكون جُزئياً (التَظهير الجُزئي باطل). كما تُبطل التَظهير من المسحوب عليه (إلا في حالة استثنائية: تَعدُّد مؤسَّسات المسحوب عليه والتَظهير لمصلحة مؤسَّسة غير التي سُحب عليها الشيك). والتَظهير لحامله يكون بمثابة تَظهير على بياض.
تُكَرِّس المادة 421 الحماية الشَرعية لحامل الشيك: «إنّ مُحرِز الشك القابل للتَظهير يُعَدّ حاملاً شَرعياً له إذا أَثبت حقّه بسلسلة غير منقطعة من التَظهيرات ولو كان التَظهير الأخير على بياض». وتُكَمِّل المادة 423 هذه الحماية بِحَصر استرداد الشيك المنزوع من اليد: «لا يُجبَر [مستحقّ الشيك] على التَخلّي عنه إلا إذا كان قد أَحرزه عن نيّة سيّئة أو كان قد ارتكب خَطأ فادحاً عند إحرازه».
تَنُصّ المادة 422 على أنّ تَظهير الشيك لحامله يَجعل المُظَهِّر مسؤولاً وفاقاً للأحكام المختصّة بحقوق المراجعة القضائية، وليس من شأنه أن يُحَوِّل السند إلى شيك «لأمر». وتَختم المادة 424 هذا الفصل بقاعدة التَوقيت: «إنّ التَظهير بعد الاحتجاج أو بعد انتهاء مهلة العَرض لا يُنتج إلا مفاعيل التَفرُّغ العادي»، وإذا كان التَظهير بدون تاريخ فيُعَدّ موضوعاً قبل الاحتجاج أو قبل انتهاء المهلة ما لم يَقُم برهان على العكس.
ثالثاً — العرض والإيفاء (المواد 425–432)
تُكَرِّس المادة 425 الطبيعة الأساسية للشيك: «إنّ الشك قابل للإيفاء لدى الاطّلاع وكلّ شرط مخالف يُعَدّ لَغواً». فالشيك ليس أداة ائتمان مَبنية على أجَل، بل أداة دفع فورية. وتَستكمل الفقرة الثانية القاعدة: «والشك الذي يُقَدَّم للإيفاء قبل اليوم المعيَّن كتاريخ للإصدار هو قابل الإيفاء في يوم العَرض». وهذا النصّ يَحمل دلالة بالغة الأهمّية: الشيك المؤَجَّل (المعروف بـ«شيك بتاريخ مُؤَجَّل» أو «شيك ضامن») لا يَحول دون عَرضه قبل التاريخ المُدوَّن وصَرفه إذا كانت المؤونة متَوَفِّرة؛ بل إنّ المصرف يَلزمه دفعه عند العَرض ولو كان التاريخ المُدوَّن لاحقاً، ولا تَنفع الساحب الذي يَعتمد على «تأخير» الشيك لِتأمين المؤونة فكرة التَأجيل الفعلية.
تُحَدِّد المادة 426 مُهَل العَرض بِحَسب موقع الإصدار والإيفاء: الشيك الصادر في لبنان والقابل للإيفاء فيه يَجب أن يُعرَض للإيفاء في مهلة ثمانية أيّام؛ أمّا الشيك الصادر في خارج لبنان والقابل للإيفاء فيه فيَجب عَرضه في مهلة عشرين يوماً إذا كان محلّ إصداره في بلاد متاخمة للبنان أو لسوريا أو في أوروبا أو في بلاد واقعة على شاطئ البحر المتوسط، وسبعين يوماً إذا كان الشيك صادراً عن أيّ بلد آخر. وتُكَمِّل المادة 427 قاعدة الرُزنامة الغريغورية لِحساب يوم الإصدار حين يَصدر الشيك في بلاد تُطَبَّق فيها رزنامة غير الغريغورية.
تَستكمل المادة 428 (المعدَّلة بقانون 30 تاريخ 16/5/1967) قاعدة الإيفاء بعد انتهاء المهلة: «على المسحوب عليه أن يَدفع حتى بعد انتهاء مهلة العَرض. ولا يُقبَل اعتراض الساحب على دفع الشك إلا في حالة فقدانه أو في حالة إفلاس حامله. وإذا قَدَّم الساحب اعتراضاً لأسباب أخرى بالرغم من هذا المنع فيَجب على قاضي الأمور المستعجلة بناء على طلب الحامل أن يُقَرِّر رفع هذا الاعتراض وإن كانت هناك دعوى مقامة في الأساس». التَعديل هنا له بُعد جزائي مباشر: المادة 666 عقوبات تُجَرِّم «من أصدر منعاً عن الدفع للمسحوب عليه في غير الحالات المنصوص عليها في المادة 428 من قانون التجارة» — أيّ في غير حالتَي الفقدان والإفلاس. فإصدار منع الدفع التَعسُّفي من قِبل الساحب (قبل تَحريك المسار القضائي بشكل سليم) لا يُعَدّ مجرَّد إجراء مَدني خاطئ بل جُرم جزائي يَستوجب الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات.
تَستثني المادة 429 الشيك من تأثير الأحوال الشخصية للساحب اللاحقة على إصداره: «لا يُؤَثِّر في مفاعيل الشك موت الساحب ولا فقدانه الأهلية الحاصلان بعد إصداره». فموت الساحب أو حَجره بعد توقيع الشيك لا يَمنع المسحوب عليه من إيفائه ولا يَنزع عن الشيك صفته التَنفيذية.
تُنَظِّم المادة 430 آلية الإيفاء العَملية: «يَحقّ للمسحوب عليه أن يَطلب عند إيفاء الشك أن يُسَلَّم إليه الحامل سَند إيصال». ثمّ تَستطرد: «لا يَجوز للحامل أن يَرفض إيفاءً جزئياً. وإذا كانت المؤونة أقلّ من قيمة الشك فيَحقّ للحامل أن يَتَشَبَّث بالإيفاء على قَدر المؤونة». فالقاعدة هنا مَقلوبة بالنسبة لِسائر السندات: الحامل مُلزَم بقبول الإيفاء الجُزئي، ويَحقّ له بعد ذلك إقامة الاحتجاج عن الباقي. وقيمة الإيفاء الجُزئي مُبرِئة لذمّة الساحب والمظَهِّرين بنطاقها.
تَستكمل المادة 431 بِحماية المسحوب عليه: «إنّ الذي يُوفي شكا غير معترَض عليه يُعَدّ قانوناً بريء الذمّة. إنّ المسحوب عليه الذي يُوفي شكاً قابلاً للتَظهير يَلزمه أن يَتحقَّق صحّة تَسلسُل التَظهيرات وليس عليه أن يَتحقَّق تَواقيع المظَهِّرين». والقاعدة هنا تَحفظ المصرف من المسؤولية الموضوعية عن صحّة التَواقيع الفردية على الشيك، شَرط أن يَتأكَّد من انتظام السِلسلة فقط.
أمّا المادة 432 فتُعالج الشيك المُحَرَّر بعملة غير دارجة في لبنان: يَجوز الدفع بليرات لبنانية معادلة في يوم الإيفاء، إلا إذا اشتُرط في الشيك «شَرط الإيفاء الفعلي بعملة أجنبية»، فيَلتزم المسحوب عليه بأداء العملة المنصوص عليها. وللساحب أن يَشترط حساب القيمة الواجب إيفاؤها بسعر معيَّن في الشيك (الفقرة الثانية من المادة 432). وهذا التَمييز بين «الإيفاء المعادل بالليرة» و«الإيفاء الفعلي بالعملة المتَّفَق عليها» يَحمل أَثَره العَملي في كلّ شيك يَتضمَّن عَملة غير لبنانية: حَسم الصيغة في النَصّ يَحفظ مَوقع الفريقَين عند تَشَعُّب أسعار الصَرف.
رابعاً — الشيك المشطوب (المواد 433–435)
تُمَهِّد المادة 433 لِنظام الشيك المشطوب: «للساحب أو لحامل الشك أن يَشطبه فيكون له النتائج المبيَّنة في المادة الآتية: ويَتمّ الشَطب بوضع خَطَّين متوازيَين على ظهر الشك، ويكون الشطب عامّاً أو خاصّاً. فهو عامّ إذا لم يَكن بين الخطَّين تَعيين ما أو كلمة ‘صيرفي’ أو ما شاكلها. وهو خاصّ إذا كُتب بين الخطَّين اسم أحد الصيارفة». والشطب العامّ يُمكن تَحويله إلى شَطب خاصّ، لكن لا يَجوز العكس، ومَحو الشطب أو اسم الصيرفي يُعَدّ لَغواً.
تُحَدِّد المادة 434 مَدى الشَطب: «لا يَجوز للمسحوب عليه أن يَدفع شكا ذا شطب عامّ إلا لزبون أو لأحد الصيارفة. لا يَجوز للمسحوب عليه أن يَدفع شكا ذا شطب خاصّ إلا للصيرفي المعيَّن. وإذا كان الصيرفي هو المسحوب عليه فلا يَجوز دفعه إلا لزبون له على أنّ الصيرفي المعيَّن يُمكنه أن يَستعين بصيرفي آخر للقبض. ولا يَحقّ للصيرفي أن يُحرِز شكا ذا شَطب إلا من زبون له أو صيرفي آخر». وتَختم المادة بقاعدة المسؤولية: «إنّ المسحوب عليه أو الصيرفي الذي يُخالف الأحكام السابقة يكون مسؤولاً عن الضرر بِقَدر قيمة الشك».
تُكَمِّل المادة 435 نظام الشيك المُقَيَّد للحساب: «يَجوز لساحب الشك ولحامله أن يَمنعا إيفاءه نقداً بوضعهما العبارة المعترضة الآتية على ظهره ‘لكي يُقَيَّد في الحساب’ أو ما شاكلها». وفي هذه الحالة لا يُمكن أن يَؤول الشيك إلا إلى تسديد في القيود من قِبَل المسحوب عليه (اعتماد مالي على الحساب أو نَقل أو مقاصّة) وبعد التسديد في القيود إيفاء. الفائدة العَملية لهذه التِقنية بَيِّنة: تَحرم سارق الشيك من تَحويله إلى نَقد، إذ يَبقى المبلغ متَنَقِّلاً في حسابات مصرفية حصراً.
خامساً — المداعاة لعدم الإيفاء (المواد 436–440)
تَمنح المادة 436 لحامل الشيك حقّ المراجعة على الساحب والمظَهِّرين والمُلزَمين الآخرين عند الامتناع عن الإيفاء، شَرط أن يكون الامتناع مُثبَتاً بأحد طَريقَين: «1- إمّا بوثيقة رسمية (الاحتجاج). 2- وإمّا بتَصريح من المسحوب عليه مكتوب ومُؤَرَّخ على الشك ومُبَيَّن فيه يوم العَرض». الأوّل هو سند الاحتجاج الذي يُنَظِّمه كاتب العدل وفقاً لإجراءات الاحتجاج العامّة في قانون التجارة، والثاني هو الإثبات المماثل: تَصريح المصرف على الشيك بأنّ المؤونة غير كافية أو غير موجودة.
تَفرض المادة 437 التَوقيت: «يَجب أن يُقام الاحتجاج أو الإثبات المماثل له قبل نهاية المهلة المعيَّنة للعَرض». فإذا تَمّ العَرض في اليوم الأخير من المهلة، يُمكن أن يُقام الاحتجاج أو الإثبات المماثل في أوّل يوم يَلي من أيّام الشغل. هذا التَوقيت آمر بالنظام العام: تَجاوز المهلة يُسقط حقّ الحامل على المظَهِّرين، وإن بَقي حقّه على الساحب قائماً ضمن مرور الزمن الثلاثي على المسحوب عليه (راجع الفصل سابعاً لاحقاً).
تُحَدِّد المادة 438 ما يَستطيع حامل الشيك المطالبة به: «1- بمبلغ الشك الذي لم يُوَفَّ. 2- بالفوائد ابتداءً من يوم العَرض محسوبة على المعدَّل القانوني للشكات الصادرة والقابلة الدفع في لبنان وعلى معدَّل ستّة في المئة لسائر الشكات. 3- نَفقات الاحتجاج أو الإثبات المماثل ونفقات التنبيهات المرسَلة والنفقات الأخرى».
تُكَمِّل المادة 439 مسار الكفالات بين المُلزَمين: «يَحقّ لمن أَوفى الشك أن يُطالب كفلاءَه: 1- بكامل المبلغ الذي دَفعه. 2- بفوائد هذا المبلغ ابتداءً من يوم دَفعه محسوبة على المعدَّل القانوني للشكات الصادرة والقابلة الدفع في لبنان وعلى معدَّل ستّة في المئة لسائر الشكات. 3- بالنَفقات التي قام بها». فمتى دَفع أحد الموقِّعين على الشيك (مظَهِّر أو ضامن) قيمته للحامل، انتَقل إليه حقّ المراجعة على من سَبقه في سلسلة الالتزامات.
تَستثني المادة 440 القوّة القاهرة من قاعدة التَوقيت الصارم: إذا حال دون عَرض الشيك أو إقامة الاحتجاج حائلٌ لا يُمكن تَذليله، تُمَدَّد المُهل، شَرط أن يُرسل الحامل بدون إبطاء عِلماً للمظَهِّر بِوجود القوّة القاهرة وأن يَعرض الشيك بدون إبطاء عند زوالها. وإذا استَمَرَّت القوّة القاهرة أكثر من خمسة عشر يوماً تَبتدئ من تاريخ إرسال الحامل علماً للمظَهِّر بِوجودها، جاز إقامة الدعوى بدون حاجة إلى عَرض السند أو إقامة الاحتجاج. وتَستثني الفقرة الأخيرة الأمورَ الشخصية المحضة المختصّة بحامل الشيك من نطاق القوّة القاهرة — فالمرض أو السَفر مثلاً لا يَستوجبان تَمديد المهلة.
سادساً — تَعدُّد النسخ (المادة 441)
تُجيز المادة 441 تَنظيم نُسَخ متعدِّدة متماثلة لكلّ شيك صادر في بلاد وقابل الإيفاء في بلاد أخرى أو في جزء من البلاد نفسها واقع فيما وراء البحار والعكس بالعكس، شَرط ذِكر رقم النسخة في نَصّ الشيك نفسه وإلا عُدَّت كلّ من النسخ كَشَكات مستقلّة. تَستثني المادة من نطاقها الشيك المُسَطَّر لحامله. والمَبدأ من تَعدُّد النسخ تأمين وصول واحدة من النُسَخ بِطُرق بَريدية مختلفة عند بُعد محلَّي الإصدار والإيفاء.
سابعاً — مرور الزمن (المادة 442)
تَنُصّ المادة 442 على أربع قواعد متَمايزة لمرور الزمن في الشيك:
- مرور الزمن بستّة أشهر على المظَهِّرين والساحب وسائر المُلزَمين: «إنّ حقّ حامل الشك في إقامة الدعوى على المظَهِّرين والساحب وسائر الموجَب عليهم يَسقط بمرور ستّة أشهر تَبتدئ من نهاية مهلة العَرض».
- مرور الزمن بستّة أشهر بين المُلزَمين فيما بينهم: «أمّا حقّ المُلزَمين بإيفاء الشك في مداعاة بعضهم لبعض فيَسقط بمرور ستّة أشهر تَبتدئ من يوم دَفع الموجَب عليه مبلغ الشك أو من يوم إقامة الدعوى عليه».
- استثناء الإثراء غير المشروع: «على أنّه في حالة السقوط أو مرور الزمن يَبقى الحقّ في إقامة الدعوى على الساحب الذي لم يُؤَدِّ المؤونة أو على سائر الموجَب عليهم الذين أَحرزوا كَسباً غير مشروع». فبعد سُقوط الدعوى الصَرفية بمرور الزمن، تَبقى للحامل دعوى المُطالبة على أساس الإثراء غير المشروع (المادة 140 وما يَليها من قانون الموجبات والعقود) ضدّ الساحب الذي لم يُوَفِّر المؤونة. وهذا يَجعل تَجاوز مهلة الاحتجاج خَطأً عَملياً جسيماً، إلا أنّه لا يُسقط حقّ الحامل تماماً.
- مرور الزمن الثلاثي على المسحوب عليه: «إنّ حقّ حامل الشك في إقامة الدعوى على المسحوب عليه يَسقط بمرور ثلاث سنوات تَبتدئ من نهاية مهلة العَرض».
والمَدى الجزائي مَفصول عن هذا المسار التجاري كلّياً: المادة 666 من قانون العقوبات تَفرض الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، والجنحة الجزائية تَخضع لمرور الزمن الجزائي العامّ على الجنح ضمن أحكام قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، لا لمُهَل قانون التجارة.
ثامناً — الأحكام العامّة والجزائية في قانون التجارة (المواد 443–450)
تَفتتح المادة 443 الفصل الثامن بقاعدة يوم الشغل: «إنّ عَرض الشك أو إقامة الاحتجاج لا يُمكن إجراؤهما إلا في يوم شغل. وإذا كان اليوم الأخير من المهلة التي يَمنحها القانون لإجراء الأعمال المختصّة بالشك ولا سيّما عَرضه وتنظيم الاحتجاج أو وثيقة مماثلة له، يَقع في يوم عُطلة رسمية فتُمَدَّد المهلة إلى أوّل يوم شغل يَلي نهايتها. أمّا أيّام العُطلة الواقعة أثناء المهلة فتَدخل في حسابها».
تُكَرِّس المادة 444 قاعدة عَدم تَجديد عقد الدَّين: «إنّ الإيفاء بِتَسليم شك يَقبله الدائن لا يُعَدّ تَجديداً لعقد الدَين بل يَبقى الدَين الأصلي قائماً مع جميع الضَمانات المختصّة به إلى أن يَتمّ إيفاء الشك المذكور». لِهذه القاعدة تَطبيقات عَملية واسعة: الدائن الذي تَسَلَّم شيكاً سَداداً لِدَين أصلي (سَواء كان عقد بيع، أو إيجار، أو غيرها) لا يَفقد ضَمانات الدَين الأصلي ولا يَنحلّ موجِب المَدين الأصلي قبل أن يَتمّ صَرف الشيك فعلاً. فإذا ارتَدّ الشيك دون مؤونة، يَبقى الدائن قادراً على مُتابعة الدَّين الأصلي بكافّة ضَماناته (الرَهن، الكفالة الشخصية، الضَمانة المصرفية إلخ.)، ولا يَنحصر مَساره القانوني في مَسار الشيك وحده.
تَمنح المادة 445 للحامل سَلطة تَحَفُّظية فَورية: «إنّه مع قَطع النظر عن المعاملات المفروضة لإقامة دعوى الكفالة يَحقّ لحامل الشك الذي أُقيم عليه الاحتجاج بعد الاستئذان من رئيس الدائرة الإجرائية أن يَحجز منقولات الساحب والمظَهِّرين حَجزاً احتياطياً بدون أن يكون مُلزَماً بِتأدية كفالة». فالحَجز الاحتياطي هنا متَخَفِّف من شَرطَين عادةً ما يَفرضهما القانون: لا كَفالة، ولا انتظار حُكم في الموضوع، بل استئذان مباشر من رئيس الدائرة الإجرائية بعد إقامة الاحتجاج.
تَفرض المادة 446 (المعدَّلة بقانون 30 تاريخ 16/5/1967) غرامة على المخالفات الشَكلية: «من أصدر شكا ولم يُبَيِّن فيه محلّ الإصدار أو التاريخ أو وَضع تاريخاً غير صحيح يَستهدف لغرامة قَدرها ستّة في المئة من مبلغ الشك. ولا يجوز أن تقلّ هذه الغرامة عن خمس ليرات لبنانية. وتَجب الغرامة نفسها بلا مراجعة على المظَهِّر الأوّل أو حامل الشك شخصياً إذا كان الشك خالياً من بيان محلّ الإصدار أو من التاريخ أو كان يَحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ تَظهيره أو عَرضه. وتَجب هذه الغرامة أيضاً على الذي يُوفي أو يَستلم على سبيل المقاصّة شكا لا يَشتمل على محلّ الإصدار أو التاريخ». هذه غرامة شَكلية ذات طابع إداري، ومقدارها الأدنى (5 ليرات لبنانية) يَعود إلى صياغة قانون 1967.
تَفرض المادة 447 (المعدَّلة بقانون 30 تاريخ 16/5/1967) على المصرف موجِب الإفصاح الورَقي: «كلّ صيرفي لديه مؤونة يُسَلِّم إلى دائنه صِيَغ شكات على بياض قابلة للإيفاء من صندوق المصرف يَلزمه أن يَذكر على كلّ صيغة اسم الشخص الذي سُلِّمت إليه هذه الصيغة وإلا اسْتُهدِف لغرامة قَدرها ليرة لبنانية عن كلّ مخالفة. على كلّ مصرف أن يَطبع على غلاف دفاتر الشكات التي يُسَلِّمها لزبائنه نَصّ المادة 666 من قانون العقوبات وإلا تَعَرَّض لغرامة قَدرها عشر ليرات عن كلّ مخالفة». الفقرة الثانية هي إضافة قانون 1967 وتَهدف إلى تَأمين عِلم الزبون المسبَق بالخطورة الجزائية لإصدار شيك دون مؤونة.
تَختصر المادة 448 (المعدَّلة بقانون 30 تاريخ 16/5/1967) الإحالة إلى قانون العقوبات: «إنّ جُرم سَحب الشك دون مؤونة معاقَب عليه في المادة 666 من قانون العقوبات». جُملة واحدة تُحَوِّل الجُرم الموضوعي بكامل عناصره من قانون التجارة إلى قانون العقوبات، وتُتيح للمشترع تَعديل العقوبات الجزائية لاحقاً بمعزل عن قانون التجارة — وهذا ما حَدث فعلاً في تَعديلَي 1993 و2010.
تَفرض المادة 449 غرامة على المسحوب عليه (المصرف): «إنّ المسحوب عليه الذي يُصَرِّح عن عِلم بِوجود مؤونة أقلّ من المؤونة الموجودة يَستهدف لغرامة قَدرها خمس وعشرون إلى خمسمائة ليرة لبنانية». هذه الغرامة تَتعلَّق بكَذب المصرف على الحامل في ما يَختصّ بِكمّية المؤونة وقت العَرض. وعلى الرَغم من تَدنّي مقدار الغرامة، يَبقى النصّ ساري المفعول ومَفتوحاً للمطالبة بِبَدَل العَطل والضَرر المدني المستقلّ عن الغرامة.
تُحيل المادة 450 إلى مَجموعة كبيرة من مواد سَند السَحب: «وفَضلاً عمّا تَقَدَّم تُطَبَّق على الشك المواد الآتية من هذا القانون ما دامت أحكامها لا تَتعارض مع ماهية هذا السند: من المادة 319 إلى 321 ومن 327 إلى 329 و331 و332 و335 و345 إلى 347 والفقرة الثانية من المادة 353 و359 و361 إلى 364 و367 إلى 369 و372 و377 و393 و397 و399 و401 و402». هذه إحالة عامّة على باقي قواعد سند السَحب لِسَدّ ما لم يُعالجه فصل الشيك خاصّةً (مثلاً: قواعد الكفالة، التَوقيع على بياض، التَزوير، فقدان السَند).
تاسعاً — جرائم الشيك في قانون العقوبات (المادتان 666 و667)
تَتَّخذ المادة 666 (المعدَّلة بقانون 30/67 تاريخ 16/5/1967 والقانون 239 تاريخ 27/5/1993 والقانون رقم 87 تاريخ 6/3/2010) صيغة جامعة لِجُرم الشيك بدون مؤونة في صُوَره الثلاث:
- كلّ من أَقدم على سَحب شك دون مؤونة سابقة ومُعَدَّة للدفع أو بمؤونة غير كافية.
- كلّ من استرجع كلّ المؤونة أو بعضها بعد سَحب الشك.
- كلّ من أَصدر منعاً عن الدفع للمسحوب عليه في غير الحالات المنصوص عليها في المادة 428 من قانون التجارة.
والعقوبة المقرَّرة: «يُعاقَب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مليون ليرة إلى أربع ملايين ليرة ويُحكَم عليه بدفع قيمة الشك مُضافاً إليه بَدَل العَطل والضَرر إذا اقتضى الأمر». فالعقوبة تَجمع ثلاثة عَناصر متَوازية: الحَبس الجَزائي (مَدى من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات يُتيح للقاضي تَكييف العقوبة)، والغرامة المالية (1–4 ملايين ليرة بعد تَعديل 2010)، والإلزام بدفع قيمة الشيك مع بَدَل العَطل والضَرر. وهذا الجَمع المُثَلَّث يُتيح للحامل المتضَرِّر استرداد قيمة الشيك مع بَدَل العَطل والضَرر ضمن الدعوى الجزائية نفسها، دون حاجة إلى دعوى مدنية مستقلّة.
وتَستكمل المادة بنصّ يَختصّ بالتَكرار: «وفي حال التَكرار تُطَبَّق أيضاً بالإضافة إلى عقوبات التَكرار أحكام المادتَين 66 و68». فالساحب المُتَكَرِّر يَخضع لأحكام العَود في المادتَين 66 و68 من قانون العقوبات إلى جانب العقوبات الأصلية.
وتُحَدِّد الفقرة قبل الأخيرة سَلطة المتضَرِّر على المسار الجزائي: «إنّ إسقاط الحقوق الشخصية في الجرائم المذكورة يُؤَدّي إلى سُقوط دعوى الحقّ العامّ». فالشاكي يَستطيع بإسقاط حقّه الشخصي إنهاء الدعوى الجزائية كلّياً — وهذا أَمر استثنائي في قانون العقوبات، إذ القاعدة العامّة أنّ دعوى الحقّ العامّ تَستمرّ بمعزل عن مَوقف المتضَرِّر، إلا في الجرائم التي يَنُصّ القانون فيها صراحةً على خلاف ذلك.
وتَختم المادة 666 بقاعدة بُنيوية: «لا يَنطبق على هذه الجرائم وَصف الجُرم الشائن المستعمَل في سائر القوانين المرعية الإجراء، ولا تَتَرتَّب على من يُحكَم عليه بإحداها أيّ من النتائج المحدَّدة في تلك القوانين والتي تَتَرتَّب على من يُحكَم عليه بِجُرم شائن». فالحُكم على من يُدان بِجُرم الشيك دون مؤونة لا يَستتبع آثار الشائنية المنصوص عنها في قوانين أخرى (الترشُّح، الوظيفة العامّة، الحقوق المدنية وما يُماثلها).
تَستكمل المادة 667 (المعدَّلة بقانون 30/67 تاريخ 16/5/1967 والقانون رقم 87 تاريخ 6/3/2010) نظام التَدخُّل في جُرم الشيك دون مؤونة: «يُعاقَب بعقوبات التَدخُّل في الجرم المعيَّن أعلاه من أَقدَم عن معرفة على استلام شك دون مؤونة. تُضاعَف هذه العقوبات إذا كان حامل الشك قد استَحصل عليه لِتغطية قَرض بالربا حتى ولو لم يكن متَدَخِّلاً. باستثناء حالة الاستحصال على شيك لِتغطية قَرض بالربا، إنّ إسقاط الحقوق الشخصية يُؤَدّي إلى سُقوط دعوى الحقّ العامّ».
التَركيب الجزائي هنا دَقيق: المتدَخِّل عن عِلم في استلام الشيك دون مؤونة يَتعَرَّض لعقوبات التَدخُّل المنصوص عليها في قانون العقوبات. ثمّ يَأتي الظَرف المُغَلِّظ: إذا كان الشيك قد سُلِّم لِتغطية قَرض بالربا، تُضاعَف العقوبات حتى ولو لم يكن الحامل متَدَخِّلاً بالمعنى الجزائي. وفي هذه الحالة لا يُؤَدّي إسقاط الحقوق الشخصية إلى سُقوط دعوى الحقّ العامّ — استثناء صَريح من القاعدة المنصوص عليها في المادة 666.
عاشراً — نصائح عَملية
في طَور الإصدار (لِلتاجر والمدير المالي):
- الشيك المؤَجَّل لا يَحمي من التَجريم وفقاً للقانون. المادة 425 من قانون التجارة تُجيز عَرض الشيك قبل التاريخ المُدوَّن، والمصرف مُلزَم بدفعه إذا كانت المؤونة متَوَفِّرة. فإن لم تَكن، فإنّ الساحب يَتعَرَّض لجُرم المادة 666 من قانون العقوبات. لا تُصدِر شيكاً بتاريخ مُؤَجَّل اعتماداً على تَوَقُّع تَوَفُّر المؤونة قبل ذلك التاريخ — التَوقيت الجَزائي يَبدأ من تاريخ الإصدار الفعلي لا التاريخ المُدوَّن.
- منع الدفع التَعسُّفي جُرم جزائي. المادة 666 تُجَرِّم منع الدفع في غير الحالات المنصوص عليها في المادة 428 (الفقدان أو إفلاس الحامل). فلا يَجوز للساحب أن يُصدِر منع دَفع بِنيّة الضَغط على المستفيد أو التَنَصُّل من تنفيذ الصَفقة الأصلية — الطَريق السليم هو المتابعة القضائية وإن كان النِزاع مَوضوعياً.
- استرداد المؤونة بعد إصدار الشيك جُرم جزائي. السلوك الثاني الذي تُجَرِّمه المادة 666 هو سَحب المؤونة من الحساب بعد إصدار الشيك. فلا تَلجأ إلى تَحويل الأموال من الحساب بعد توقيع الشيك ولو كانت الصفقة قد فَشلت — اسلك مَسار المطالبة القضائية بالاستِرداد.
في طَور القَبول (لِلدائن):
- اقتَرن قَبول الشيك بِمَطلب مُبَلَّغ مَكتوب. المادة 444 من قانون التجارة تُحَفظ الدَين الأصلي بكافّة ضَماناته إلى أن يَتمّ صَرف الشيك. لكنّ مَوقع الدائن يَستفيد عَملياً إذا كان قَبوله للشيك مَوثَّقاً بإشارة على الفاتورة أو عَقد التَسوية: «قُبض شيك بِمبلغ X رقم Y، يَبقى الدَين الأصلي قائماً حتى الإيفاء النهائي». هذا يَدفع المَدين عن ادّعاء التَجديد.
- انتباه إلى التَظهير الجُزئي. المادة 420 تَنُصّ على أنّ التَظهير الجُزئي باطل. فإذا قَبلت شيكاً عن جُزء من الدَين، لا تَظهَّره جُزئياً (مثلاً: «أَدفع لِفلان X من قيمة الشيك») — استَعمل تَظهيراً كاملاً أو عقداً تَكميلياً مستقلّاً.
في طَور المداعاة (لِلحامل المتضَرِّر):
- العَرض في الثَمانية أيّام موجِب لا خِيار. المادة 426 تَفرض عَرض الشيك المحلّي في مهلة ثمانية أيّام. تَجاوز المهلة لا يَسقط الحقّ كلّياً لكنّه يُسقط حقّ المراجعة على المظَهِّرين والتَزَامات أصحاب التَوقيع المرافقة. ابقَ متَيَقِّظاً للمَدى الزَمَني، وعِنده اطلب إثبات الامتناع عن الإيفاء من المصرف خِطّياً.
- الإثبات بِتَصريح المصرف يُغني عن سَند الاحتجاج. المادة 436 تُعطي للحامل خيار الإثبات بِسَند احتجاج رسمي أو بِتَصريح مكتوب ومُؤَرَّخ من المسحوب عليه على الشيك. الخيار الثاني أَيسر تَنفيذاً وأَقلّ كُلفة من الاحتجاج الذي يُنَظِّمه كاتب العدل، وله الحُجّية ذاتها بنصّ المادة 436.
- الحَجز الاحتياطي بدون كَفالة من قَنوات الضَغط السريعة. المادة 445 تُجيز للحامل الذي أَقام الاحتجاج أن يَحجز منقولات الساحب والمظَهِّرين حَجزاً احتياطياً بَعد استئذان رئيس الدائرة الإجرائية، دون تأدية كَفالة. وهذا الحَجز يَختلف عن الحَجز الاحتياطي العامّ في قانون أصول المحاكمات المدنية الذي يَستلزم كَفالة وقاضي الأمور المستعجلة. فاستعن بالمادة 445 صراحةً في طَلبك.
- حتى بعد مرور الستّة أشهر تَبقى دعوى الإثراء غير المشروع. الفقرة الثالثة من المادة 442 تَحفظ حقّ الحامل في إقامة الدعوى على الساحب الذي لم يُؤَدِّ المؤونة على أساس الإثراء غير المشروع (المادة 140 وما يَليها من قانون الموجبات والعقود) حتى بعد سُقوط الدعوى الصَرفية. صِغ الاستحضار في هذه الحالة كَدعوى إثراء، لا كدعوى صَرفية.
في الطَريق الجزائي:
- الدعوى الجزائية تَستردّ قيمة الشيك مع بَدَل العَطل والضَرر. المادة 666 من قانون العقوبات تَفرض الحُكم بقيمة الشيك مُضافاً إليه بَدَل العَطل والضَرر ضمن الدعوى الجزائية نفسها، دون حاجة إلى دعوى مدنية مستقلّة لاسترداد المبلغ.
- إسقاط الحقّ الشخصي يَسقط دعوى الحقّ العامّ. المادة 666 الفقرة قبل الأخيرة تَنُصّ على أنّ إسقاط الحقّ الشخصي يُسقط دعوى الحقّ العامّ. فاستَعمل هذه السَلطة كأداة تَفاوضية: ابدأ بتَحريك الشكوى، ثمّ فاوض على إسقاطها مقابل التَسوية الكاملة. الاستثناء: حالة الاستحصال على الشيك لِتغطية قَرض بالربا (المادة 667 الفقرة الأخيرة)، فلا يَسقط الحقّ العامّ بإسقاط الشخصي.
- الجرم ليس شائناً. المادة 666 آخر فقرة تَنصّ صراحةً على أنّ جُرم الشيك دون مؤونة ليس جُرماً شائناً. هذا يَحفظ المحكوم عليه من تَبعات الشائنية في قوانين الترشُّح والوظيفة العامّة وغيرها. أَوضح هذه القاعدة لمُوَكِّليك المُهَدَّدين بِشَكاوى شيك لِتَخفيف القَلق غير المُبَرَّر.
خلاصة
غَطَّى الجزء السابع نظام الشيك في 42 مادة من قانون التجارة البرية (المواد 409 إلى 450) ومادتَين من قانون العقوبات (666 و667). يَتَفَرَّد الشيك عن سائر السندات التجارية في القانون اللبناني بأنّه السند الوحيد الذي يَجمع بين نظام تجاري كامل ونظام جزائي مستقلّ. وقد رَسم قانون 30 تاريخ 16/5/1967 الحدود بين هذَين النظامَين: الجُرم الموضوعي (سَحب شيك دون مؤونة، استرداد المؤونة، منع الدفع التَعسُّفي) في قانون العقوبات (المادتان 666 و667)؛ والإجراءات والمخالفات الشَكلية (الإصدار بدون تاريخ أو محلّ، إخلال المصرف بِواجب الإفصاح، كَذب المصرف عن كَمّية المؤونة) في قانون التجارة (المواد 446 و447 و449). ثمّ شَهدت المادة 666 من قانون العقوبات تَعديلَين لاحقَين (1993، 2010) رَفعا الغرامة إلى مَدى من مليون إلى أربعة ملايين ليرة لبنانية.
النقاط الأَهمّ للمحامي اللبناني الذي يَعمل على قضايا الشيك:
- مرور الزمن مُرَكَّب. ستّة أشهر على المظَهِّرين والساحب، ثلاث سنوات على المسحوب عليه، والإثراء غير المشروع يَنقذ الحامل المُتأخِّر.
- منع الدفع التَعسُّفي جُرم. ليس مجرَّد إجراء مَدني خاطئ — المادة 666 تَفتح الحَبس على الساحب الذي يَستعمل سَلطة المنع خارج حالات الفقدان والإفلاس.
- الشيك المؤجَّل التاريخ لا يَحمي من التَجريم. القانون لا يَعتَرف بِفِكرة «الضَمانة» في إصدار شيك بتاريخ مُتأخِّر بدون مؤونة.
- إسقاط الحقّ الشخصي يَسقط دعوى الحقّ العامّ. هذه أَداة تَفاوضية قَوية، باستثناء حالة قَرض الربا.
في الجزء الثامن والأخير من السلسلة، نَنتقل إلى الصلح الاحتياطي والإفلاس (الكتاب الخامس من قانون التجارة البرية، المواد 459 إلى 668)، وهو النظام التشريعي لِإدارة عجز التاجر عن إيفاء ديونه: مَسار الصلح الاحتياطي كَبَديل عن الإفلاس، شُروط شَهر الإفلاس، آثاره القانونية على التاجر وعلى دائنيه، وأَنواع الإفلاس (البسيط، التَقصيري، الاحتيالي) وعقوباتها.