تعريف العقارات وأنواع الملكية في القانون اللبناني — الجزء الأول من الدليل العملي لقانون الملكية العقارية
الجزء الأول من سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”، يغطّي المواد 1 إلى 55 من قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930 (الكتابان الأول والثاني)، شاملاً تعريف العقارات وفئاتها الثلاث، أنواعها الخمسة، الحقوق العينية الجارية عليها، حق الملكية، حق التصرف على العقارات الأميرية، الشيوع، السطحية، وحق الانتفاع.
مقدّمة
هذا الجزء الأول من سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”. على غرار سلسلتَي “الدليل العملي لصياغة المرافعات” و”الدليل العملي للقانون التجاري”، تسير هذه السلسلة بحسب ترتيب الأبواب في قانون الملكية العقارية (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930)، مع تغطية القوانين الفرعية ذات الصلة (قانون التحديد والتحرير العقاري — قرار 186/1926، وقانون السجل العقاري — قرار 188/1926) في مواقعها المنطقية.
ينطلق هذا الجزء الأول من الأرضية: ما هو العقار، وكيف تُصنَّف العقارات في القانون اللبناني، وما هي الحقوق العينية الجارية عليها. هذه الأرضية شرطٌ لكلّ ما يأتي بعدها — الارتفاقات، الرهن، التأمينات، التحديد والتحرير، السجل العقاري، الشفعة، مرور الزمن — لأن تصنيف العقار (ملك أم أميري) يحكم نوع الحق الجاري عليه (ملكية أم تصرف)، ونوع الحق يحكم ما يمكن إجراؤه عليه (وقف، رهن، إجارة، إلخ).
نطاق هذا الجزء: المواد 1–55 من قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930 المتعلق بقانون الملكية العقارية اللبناني، أي الكتاب الأول (في العقارات، المواد 1–10) والكتاب الثاني (الملكية، المواد 11–55) بفصوله الخمسة: الملكية، التصرف، الشيوع، السطحية، الانتفاع.
تنبيه على التعديلات في نطاق هذا الجزء: المادة 7 (في العقارات المتروكة المرفقة) عُدِّلت بموجب القانون رقم 47 تاريخ 24/6/1971 والقانون رقم 173 تاريخ 14/2/2000؛ المواد 24 و25 و26 و27 (في الشيوع — حقوق الشفعة بين الشركاء وقواعد إخراج الشريك) أُلغيت بكاملها بموجب القانون الصادر بتاريخ 21/12/1954؛ المادة 30 (في سقوط حق السطحية) عُدِّلت جذرياً بموجب القانون رقم 322 تاريخ 21/4/2001 الذي أضاف سبباً ثالثاً لسقوط السطحية وقواعد للتعويض.
أوّلاً — تعريف العقار وفئاته الثلاث (المواد 1–4)
القاعدة العامة: ثلاث فئات (المادة 1)
تُقسّم المادة 1 من قانون الملكية العقارية اللبناني (قرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930) العقارات إلى ثلاث فئات:
- العقارات بطبيعتها (Immeubles par nature)؛
- العقارات بتخصيصها (Immeubles par destination)؛
- العقارات غير المادية (Immeubles incorporels).
هذا التقسيم مأخوذ مباشرةً من القانون المدني الفرنسي، ولا يُغيِّر فيه القانون اللبناني سوى الحدود التطبيقية. والتمييز بين الفئات الثلاث ليس تنظيرياً، بل له آثار عملية مباشرة في تحديد ما يلحق العقار عند البيع أو الرهن أو الإرث، وما يُعتبر منقولاً يخرج عن الصفقة بحكم القانون.
العقارات بطبيعتها (المادة 2)
تُعرَّف المادة 2 العقارات بطبيعتها بأنها الأشياء المادية التي يكون لها، بالنظر إلى جوهرها، موقع ثابت غير منتقل. وتُعدِّد المادة:
- الأراضي والمناجم: بكامل امتدادها السطحي ومحتواها الجوفي؛
- النباتات المتأصِّلة في الأرض ما دامت لاصقة بها (تنفصل عند الجَنْي أو القلع فتصير منقولاً)؛
- الأبنية: ولا يُقصد بها المباني فقط (بيوت السكن، المخازن، المصانع، العنابر، الأهراء)، بل تشمل أيضاً المنشآت الفنية على أنواعها (الجسور، الآبار، الأفران، السدود، الخزانات، الأنفاق)، وبصورة أعم كلّ ما جُمع من مواد البناء فشُدّ بعضه إلى بعض بصورة ثابتة، سواء على ظاهر الأرض أو في باطنها؛
- الأجهزة والقطع اللاصقة بالبناء والمعدَّة لإتمامه: الشرفات (البلكونات)، المزاريب، حِراب الصواعق، قساطل جرّ المياه — جميعها عقارات بطبيعتها لاندماجها في البناء.
التطبيق العملي: عند صياغة عقد بيع بناء، لا حاجة لتعداد المنشآت الفنية أو الأجهزة المندمجة لأنها تتبع البناء بحكم القانون. لكن العكس مهمّ: ما تُرغب في إخراجه من الصفقة (مكيِّفات قابلة للفك، تركيبات إنارة، أثاث ملحق بالبناية لكنه غير مدمَج) يجب النصّ عليه صراحةً بوصفه مستثنىً، وإلّا انتقل تبعاً للعقار.
العقارات بتخصيصها (المادة 3)
العقار بالتخصيص هو منقول بطبيعته لكن القانون يُلحقه بالعقار حُكماً متى توافر شرطان:
- وحدة الملكية: أن يكون المنقول والعقار بطبيعته لمالك واحد؛ فإذا اختلف المالك (كآلة مستأجَرة في مصنع مملوك للغير) فلا تخصيص ولو كانت الآلة مدمجة في الاستثمار؛
- التخصيص لخدمة العقار: أن يكون المنقول مخصَّصاً لاستثمار العقار أو لخدمته العامة.
وتُعطي المادة 3 أمثلة:
- في الاستثمار الزراعي: الحيوانات المعدَّة للزراعة، الآلات الزراعية، المعاصر، البراميل الكبيرة المعدَّة لاستيعاب العنب في مصانع الخمر، أسماك الغدران، خلايا النحل، شرانق الحرير، السماد والقش المعدّان للتسميد، مساميك الكرم؛
- في الاستثمار الصناعي: المؤن المدخَرَة وجميع الآلات (بما فيها الكميونات والفاكونات الصغيرة والخيل)، شريطة أن تكون البناية المستودِعة مجهَّزة بصورة خاصة لإيواء هذه الآلات.
استثناء صريح في النص: أثاث الفنادق والبيوت المفروشة والملاهي (الكازينو) والحمّامات ومحلات التجارة لا يُعتبر من العقارات بالتخصيص، ولو كان مستخدَماً في الاستثمار، لأنه قابل للنقل دون إخلال جوهري بالعقار.
التطبيق العملي: عند رهن مصنع، تَدخل في الرهن — حُكماً ومن دون حاجة إلى ذكرها في العقد — الآلات والمعدّات الراكزة بصورة نهائية المتمّمة لاستثمار البناية. أمّا أثاث محل تجاري في الطابق الأرضي من البناية، فلا يدخل ولو في ذات العقار، لأنه مستثنىً بنصّ المادة 3.
العقارات غير المادية (المادة 4)
تُعرِّف المادة 4 العقارات غير المادية بأنها:
- الحقوق والتأمينات الجارية على عقار مادي؛
- الارتفاقات العينية (ستُعالَج في الجزء الثاني)؛
- الدعاوى التي تتناول عقاراً مادياً (دعاوى الاستحقاق، دعاوى الإخلاء، دعاوى إزالة الشيوع، إلخ).
التصنيف ضمن العقارات غير المادية له أثر على قواعد التسجيل في السجل العقاري وعلى قواعد مرور الزمن (تُعالَج في الجزء الخامس من هذه السلسلة).
ثانياً — أنواع العقارات: الفئات الخمس (المواد 5–9)
يحتفظ القانون اللبناني بالتصنيف العثماني الخماسي للعقارات، الذي يُحدِّد طبيعة الحق الجاري على العقار وما يمكن إجراؤه عليه. هذا التصنيف ليس تاريخياً متروكاً، بل ما زال ينتج آثاراً قضائيةً في ملفات الأراضي الزراعية في البقاع وعكار وجبل لبنان والجنوب.
العقارات الملك (المادة 5)
العقارات الملك هي العقارات الكائنة داخل مناطق الأماكن المبنية كما هي محدَّدة إدارياً، والتي يجري عليها حق الملكية المطلقة. وتُستثنى من هذا التعريف العقارات الواقعة في أراضي حكومة جبل لبنان السابقة المستقلّة (1861–1920)، فإنها تبقى خاضعة لأحكام العرف والعوائد المحلّية.
العقارات الأميرية (المادة 6)
العقارات الأميرية هي العقارات التي تكون رقبتها للدولة والتي يمكن أن يجري عليها حق تصرف (لا حق ملكية). معنى ذلك أن للمتصرِّف باعتباره مالك حق التصرف صلاحيات واسعة (سيلي تفصيلها في القسم الخامس أدناه)، لكن الرقبة — أي ملكية الأصل — تبقى للدولة. التمييز بين الملك والأميرية يُحدِّد ما يُكتب في الصحيفة العينية: في الملك يُكتب اسم المالك بوصفه صاحب حق الملكية؛ في الأميرية يُكتب اسم المتصرِّف بوصفه صاحب حق التصرف.
العقارات المتروكة المرفقة (المادة 7 — معدَّلة 1971 و2000)
عُدِّلت المادة 7 بموجب القانون رقم 47 تاريخ 24/6/1971 ثم بالقانون رقم 173 تاريخ 14/2/2000، وأصبحت تنصّ — في صياغتها الحالية — على ما يلي:
- التعريف: العقارات المتروكة المرفقة هي العقارات التي تخصّ الدولة ويكون عليها لإحدى الجماعات حق استعمال محدَّدة ميزاته ومداه بالعادات المحلية أو بالأنظمة الإدارية (المراعي، الطرق الترابية بين الحقول، إلخ)؛
- الانتقال إلى البلدية: تُعتبر هذه العقارات ملكاً خاصاً للبلدية إذا كانت داخلة في نطاقها، ولسلطات البلدية أن تُلغي أو تُعدِّل حق الاستعمال على بعض أقسامها مع المحافظة على حقوق الغير؛
- قيد على تصرف البلدية: يمنع على البلديات بيع هذه الأملاك أو التصرف بها إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيرَي المالية والشؤون البلدية والقروية.
العقارات المتروكة المحمية (المادة 8)
العقارات المتروكة المحمية هي العقارات التي تخصّ الدولة أو البلديات وتكون جزءاً من الأملاك العامة: الشواطئ، الأنهر، الطرق الرئيسية، الساحات العامة، إلخ. هذه العقارات لا تخضع للتداول ولا للقيد في السجل العقاري بوصفها قابلة للتملك الخاص؛ ويُمكن إخراجها من الأملاك العامة وضمّها إلى فئة أخرى (كنقلها إلى الأملاك الخاصة للدولة) بمراسيم خاصة (سيُعالَج بعضها في الجزء الرابع — التحديد والتحرير).
العقارات الخالية المباحة أو الموات (المادة 9)
العقارات الخالية المباحة (الأراضي الموات) هي الأراضي الأميرية التي تخصّ الدولة لكنها لم يجرِ التعرّف إليها أو تحديدها بعد. ويصبح لمن يشغلها أوّلاً، بموجب رخصة من الدولة، حق أفضلية فيها ضمن الشروط المعيَّنة في أنظمة أملاك الدولة. هذه الفئة عملياً نادرة في لبنان المعاصر بسبب اتساع التحديد والتحرير منذ 1926، لكنها لا تزال تُستحضَر في النزاعات على الأراضي في المرتفعات النائية وفي الحدود البلدية.
ثالثاً — الحقوق العينية الجارية على العقارات (المادة 10)
تُعدِّد المادة 10 الحقوق العينية التي يمكن أن تجري على العقارات في القانون اللبناني، وعددها اثنا عشر حقاً:
- الملكية؛
- التصرف؛
- السطحية؛
- الانتفاع؛
- حق الأفضلية على الأراضي الخالية المباحة؛
- الارتفاقات العقارية؛
- حقوق الرهونات (الرهن، والبيع بالوفاء)؛
- الامتيازات والتأمينات؛
- الوقف؛
- الإجارتَين؛
- الإجارة الطويلة؛
- الخيار الناتج عن وعد بالبيع.
هذه القائمة حصرية: لا يمكن إنشاء حق عيني عقاري خارج هذه القائمة الإثني عشرية. ومن هنا أهمية التمييز بين الحق العيني والحق الشخصي عند صياغة العقود؛ فعقد يُنشئ بين الأطراف ترتيباً يُشبه السطحية أو الانتفاع لكن لا يستوفي شروط النص يبقى ترتيباً عقدياً (حقّاً شخصياً) لا يُسجَّل في السجل العقاري ولا يُحتجّ به في مواجهة الغير على وجه الحق العيني.
خارطة هذه القائمة على سلسلة “الدليل العملي لقانون الملكية العقارية”:
- الحقوق 1–4 (الملكية، التصرف، السطحية، الانتفاع) و5 (حق الأفضلية): الجزء الأول (هذا الجزء)؛
- الحق 6 (الارتفاقات): الجزء الثاني؛
- الحقوق 7 و8 (الرهن والبيع بالوفاء، الامتيازات والتأمينات): الجزءان الثالث-أ والثالث-ب؛
- الحقوق 9 و10 و11 (الوقف، الإجارتَين، الإجارة الطويلة): خارج هذه السلسلة لأسباب تتعلق بنشاطها العملي المعاصر؛ تعالَج إن لزم في بحوث مستقلّة؛
- الحق 12 (الخيار الناتج عن وعد بالبيع): الجزء الخامس (الشفعة ومرور الزمن واكتساب الحقوق العينية).
رابعاً — حق الملكية (المواد 11–13)
تعريف الملكية وحدودها (المادة 11)
تُعرِّف المادة 11 الملكية العقارية بأنها حق استعمال عقار ما، والتمتع والتصرف به ضمن حدود القوانين والقرارات والأنظمة. وتُضيف الفقرة الثانية قيداً جوهرياً: هذا الحق لا يجري إلّا على العقارات الملك.
ثلاثة عناصر تكوِّن مفهوم الملكية في النص:
- حق الاستعمال (jus utendi)؛
- حق التمتع (jus fruendi) — أي قبض الغلال والثمار؛
- حق التصرف (jus abutendi) — أي البيع والهبة والرهن والاستبدال إلخ.
وحدود هذه الحقوق ليست مطلقة، بل تخضع للقوانين والقرارات والأنظمة: قواعد التخطيط البلدي، قانون الإيجارات، قانون الاستملاك، قانون البيئة، نُظم البناء، وغيرها. والصياغة “ضمن حدود القوانين والقرارات والأنظمة” تُتيح للقاضي تطبيق هذه القيود كلّها على مالك العقار، حتى عندما يكون النصّ التشريعي لاحقاً على نشأة الملكية.
امتداد الملكية إلى الإنتاج والاتحاد (المادة 12)
تُقرّر المادة 12 قاعدتَي التتبّع والإلحاق (le droit de suite et l’accession). فمالك العقار يستحقّ:
- جميع ما ينتجه العقار (الثمار، الإيجارات، المداخيل، الفوائد على المبالغ المرتبطة بالعقار)؛
- كلّ ما يتّحد به عرضاً، سواء أكان الاتحاد طبيعياً (تربة جديدة تَنزل بالسيول، نباتات تكتسبها) أم اصطناعياً (بناء يبنيه الغير على الأرض، أغراس تُغرَس فيها).
أمّا تفاصيل قواعد الإلحاق فستعالَج في الجزء الخامس من السلسلة، لأن المواد المخصَّصة لها (931 وما يليها من قرار 3339) تقع في الكتاب السابع.
الامتداد العمودي للملكية (المادة 13)
تنصّ المادة 13 على أن ملكية الأرض تشمل ملكية ما فوق سطح الأرض وما تحته. وعليه، فلمالك أرض ما:
- أن يغرس فيها ما يشاء من الأغراس؛
- أن يبني فيها ما يشاء من الأبنية؛
- أن يُجري فيها حفريات إلى أيّ عمق شاء؛
- أن يستخرج من هذه الحفريات كلّ ما يُمكن أن تُنتجه.
كلّ ذلك ضمن التقيدات الناتجة عن القوانين والقرارات والأنظمة: قانون النفط، قانون المياه، قانون الآثار، نُظم البناء البلدية، التراخيص الصناعية، إلخ. والقاعدة “ما فوق وما تحت” قاعدة افتراضية يُمكن تجزئتها بصكوك إنشاء حقوق عينية مستقلّة (السطحية على البناء فوق الأرض، ارتفاق على الجوف، إلخ).
خامساً — حق التصرف على العقارات الأميرية (المواد 14–19)
حق التصرف هو الحق العيني الذي يجري على العقارات الأميرية (المادة 14). وهو حق شبيه بالملكية في معظم آثاره العملية، لكنه يفترق عنها في طبيعته القانونية: المتصرِّف ليس مالكاً للرقبة (الرقبة للدولة)، بل صاحب حق منفصل تخوِّله الدولة في التصرف بالعقار.
تعريف التصرف ومحلّه (المادة 14)
التصرف هو حق استعمال عقار ما والتمتع والتصرف به ضمن الشروط المعيَّنة في قرار 3339، وضمن حدود القوانين والقرارات والأنظمة. ولا يجري هذا الحق إلّا على العقارات الأميرية. التركيب اللغوي للنص — “استعمال” و”تمتع” و”تصرف” — متطابق مع تعريف الملكية في المادة 11، وهو ما يُفسِّر تشابه الآثار العملية بين الحقَّين.
الثمار والإنتاج (المادة 15)
تنطبق على المتصرِّف القواعد ذاتها المنطبقة على المالك بشأن الثمار والاتحاد العرضي بالعقار (راجع تعليقنا على المادة 12 أعلاه).
حدود التصرف على الأرض الأميرية (المادة 16)
لصاحب حق التصرف على الأرض الأميرية:
- أن يَغرس فيها ما شاء من الأغراس؛
- أن يبني ما شاء من الأبنية؛
- أن يُجري فيها حفريات إلى أيّ عمق يشاء؛
- أن يستخرج من هذه الحفريات كلّ ما يشاء من مواد البناء؛
- أن يتصرف بهذه المواد بملء حريته.
تستثني المادة 16 صراحةً: جميع المنتوجات الأخرى غير مواد البناء (تُحفَظ للدولة بوصفها صاحبة الرقبة)، وتخضع جميع هذه الصلاحيات للقوانين والقرارات والأنظمة (قانون الآثار، قانون المعادن، نُظم البناء، إلخ).
الحدّ الجوهري على التصرف: لا وقف على الأميرية (المادتان 17 و18)
تجمع المادتان 17 و18 الحدّ الأكثر أهمية على حقوق المتصرِّف:
- المادة 17: لصاحب حق التصرف في عقار أن يقوم فيه بأيّ عمل تصرفي كان، ما عدا إنشاء وقف؛
- المادة 18: كلّ وقف يُنشأ بعد إذاعة قرار 3339 على أرض أميرية يُعَدّ باطلاً وكأنه لم يكن.
النصّ صريحٌ في المنع: لا يجوز إنشاء وقف جديد على أرض أميرية منذ 1930. أمّا الأوقاف القائمة قبل ذلك التاريخ على الأميرية فلها وضع خاص يتوقّف على نوع الوقف وطريقة إنشائه (راجع — عند الاقتضاء — الفقه التراثي في الموقوفات).
سقوط حق التصرف بعدم الزراعة أو الاستعمال (المادة 19)
تنصّ المادة 19 على أن حق التصرف يسقط بعدم زراعة الأرض أو بعدم استعمالها مدة خمس سنوات.
هذه قاعدة لها أثر عملي قوي على الأراضي الأميرية الزراعية المهجورة. إذا أهمل المتصرِّف الأرض خمس سنوات متتالية، يحقّ للدولة استرجاع رقبة الأرض كاملةً (لأن حق التصرف يسقط، والرقبة تبقى للدولة). وفي العمل، تستوجب هذه القاعدة من ورثة المتصرِّفين الذين لا يستثمرون الأراضي الزراعية الأميرية أن يُحدِثوا فيها استعمالاً ملموساً (إيجار، زراعة بسيطة، استعمال للرعي) لتجنّب السقوط.
سادساً — الشيوع في الحقوق العينية (المواد 20–23)
ملاحظة استهلالية: المواد 24 و25 و26 و27 من قرار 3339 (التي كانت تنظّم الشفعة بين الشركاء وقواعد إخراج الشريك ضمن الشيوع) أُلغيت بكاملها بموجب القانون الصادر بتاريخ 21/12/1954 (المنظِّم لإزالة الشيوع). أي عرض لهذه المواد بصفتها سارية المفعول هو خطأ قانوني، وما يَرد في فقه ما قبل 1954 عن قواعد إخراج الشريك بحسب هذه المواد لم يَعُد ذا قيمة تطبيقية. وأحكام إزالة الشيوع الراهنة مردُّها إلى القانون المذكور وأحكام قانون الموجبات والعقود المتعلّقة بالشركة.
القاعدة العامة: لا تصرف بحصّة الغير (المادة 20)
تنصّ المادة 20 على أنه:
- لا يجوز لأيّ شريك في عقار شائع أن يستعمل حقوقه على كلّ العقار أو على جزء معيَّن منه بدون رضى سائر الشركاء؛
- ولا يجوز له أن يستعمل أيّ حق كان على حصة شريك آخر بدون إذن من ذلك الشريك؛
- يُفترَض إذن الشريك الغائب حاصلاً دائماً في الأعمال المتعلقة بتدبير العقار وإدارته، ما لم يلحق بالغائب من جرّاء ذلك حيفٌ يبلغ مقداره خُمس حقّه على الأقل.
القاعدة الأخيرة (الافتراض في الإذن، مع سقفه عند 1/5) قاعدةٌ خاصةٌ بأعمال الإدارة لا بأعمال التصرف. الفارق العملي: استئجار العقار لمدة قصيرة أو ترميمه عمل إدارة يُفترَض فيه إذن الغائب؛ بيعه أو رهنه عمل تصرف لا يُفترَض فيه شيء، بل يستوجب رضى صريحاً.
تنظيم التمتع بالعقار المشترك وتوزيع الغلة (المادة 21)
يُعيِّن شركاء الشيوع بالاتفاق فيما بينهم طريقة التمتع بالعقار المشترك، وتجري قسمة غلّة العقار بنسبة الحقوق الشائعة، ما لم يكن ثمّة اتفاق على خلاف ذلك. النصّ تكميلي: يُقدِّم الاتفاق على القاعدة، والقاعدة على فراغ الاتفاق هي القسمة بنسبة الحصص.
تقاسم النفقات: الإدارة والترميم والصيانة (المادة 22)
كلّ شريك في عقار شائع ملزَم بدفع ما يصيبه — بالنسبة إلى حصته فيه — من:
- نفقات الإدارة؛
- الترميم؛
- الصيانة؛
- الضرائب والتكاليف الجارية على المقتنى المشترك.
ويحقّ للشريك الذي عجَّل النفقات أن يستردّها من باقي الشركاء، إلّا إذا كانت قد صُرفت بغية تحسين العقار أو تجميله فقط (لا صيانته)، فتبقى عندئذٍ على عاتق صارفها. القاعدة الأخيرة قاعدة حماية: لا يحقّ لشريك أن يفرض على الباقين نفقات تجميل أو ترفيه لم يوافقوا عليها، حتى لو كانت تخدم العقار جمالياً.
حق التصرف بحصّة الشريك ـ مع قيد جوهري (المادة 23)
تنصّ المادة 23 على أن كلّ شريك:
- يتصرف بملء الحرية بحقوقه في العقار؛
- له أن يتفرَّغ عنها لشخص آخر أو أن يُجري عليها تأميناً، بدون إذن من شركائه؛
- لكن لا يحقّ له أن يَرهن حصّته.
التمييز بين التأمين والرهن في النص جوهري — وفقه ودراسات لاحقة تناولت تفصيله بالنظر إلى أن حصّة الشيوع غير محدَّدة فعلياً قبل الإفراز، فاستبعاد الرهن (الذي يستلزم محلاً معيَّناً) يبقى في النصّ، فيما يبقى التأمين العقاري (الذي تُعالَج آثاره في الكتاب الخامس من قرار 3339) متاحاً.
سابعاً — حق السطحية (المواد 28–31)
تعريف السطحية (المادة 28)
السطحية هي حق المالك في أبنية أو منشآت أو أغراس قائمة على أرض هي لشخص آخر. أي أن السطحية تَفصل ملكية ما هو على الأرض (البناء، الغرس) عن ملكية الأرض نفسها، فيكون لكلٍّ منهما مالك مستقلّ، ولكلٍّ حقوقه وموجباته.
التفرّغ والتأمين والارتفاق (المادة 29)
يجوز التفرّغ عن حق السطحية وإجراء تأمين عليه، ويجوز فرض ارتفاق على العقارات الجارية عليها حق السطحية، إنما لا يكون ذلك إلّا ضمن الحدود التي تأتلف مع استعمال حق السطحية. الفقرة الأخيرة قيدٌ مزدوج: لا يجوز فرض ارتفاق يفرغ السطحية من مضمونها (مثلاً ارتفاق مرور على البناء يحول دون استعماله سكنياً)، ولا يجوز للسطحي بدوره أن يُنشئ ارتفاقاً يتجاوز الحدّ الذي تأذن به طبيعة حقه.
سقوط حق السطحية (المادة 30 — معدَّلة بالقانون 322/2001)
عُدِّلت المادة 30 جذرياً بموجب القانون رقم 322 تاريخ 21/4/2001، فأصبحت تنصّ على ثلاثة أسباب لسقوط حق السطحية:
- اجتماع الملكَيْن في يدٍ واحدة: باجتماعه مع حق ملكية الأرض للمالكين أنفسهم وبنسب الملكية ذاتها. هذا السقوط حُكمي: يُرقِّن أمين السجل العقاري حق السطحية تلقائياً عند تحقّق هذا السبب.
- هلاك البناء أو زوال الأغراس موضوع الحق: ويُعتبَر بحكم المهدوم أو الهالك الأبنية أو المنشآت التي أصبحت غير صالحة للاستعمال الذي أُعدَّت له، ولا يجوز لصاحبها إعادة بنائها لاستعمالها من جديد، أو إعادة الأغراس بعد زوالها إحياءً لحقه الساقط. كما لا يجوز لصاحب حق السطحية إضافة أيّ إنشاءات جديدة عليه. ويبقى حق السطحية محصوراً بالأبنية أو المنشآت أو الأغراس التي يشملها أصلاً هذا الحق.
- العيب الاقتصادي على الأرض (السبب الذي أَضافه القانون 322/2001): إذا تبيَّن أن وجود حق السطحية يُعيق استثمار الأرض أو إعمارها، أو أن المنفعة المرجوّة منه قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مع الضرر الاقتصادي الذي يلحق الأرض بسببه.
الإجراء: في الحالة (1) يرقِّن أمين السجل العقاري حق السطحية حُكماً. أمّا في الحالتَين (2) و(3) فيثبت السقوط بحكم يتمتع بقوة القضية المحكومة، يُقدَّم بدعوى من صاحب الأرض أمام القاضي المنفرد المدني، الذي يُطبِّق في المحاكمة الأصول المتَّبَعة أمام قاضي الأمور المستعجلة.
التعويض: يتوجب على مالك الأرض أن يدفع لصاحب حق السطحية تعويضاً تُقدِّره المحكمة المختصة، على ألّا يتجاوز ثلاثة أضعاف قيمة الأبنية أو الإنشاءات أو الأغراس موضوع هذا الحق بتاريخ إقامة الدعوى، وذلك في الحالتَين (2) و(3).
قاعدة التجميد: لا سطحية جديدة بعد 1930 (المادة 31)
تنصّ المادة 31 — في صياغتها الأصلية وغير المعدَّلة منذ 1930 — على أنه:
لا ينشأ حق سطحية اعتباراً من تاريخ إذاعة هذا القرار.
أي أنه منذ 12/11/1930 لا يجوز إنشاء حق سطحية جديد على عقار في لبنان. كلّ ما يبقى من حقوق سطحية هو ما نشأ قبل ذلك التاريخ. وعند انقضاء آخر حق سطحية ساري المفعول، تنقرض السطحية بوصفها حقاً عينياً معاصراً في لبنان.
التطبيق العملي: عند الادعاء بحق سطحية، يجب أوّلاً إثبات أن الحق نشأ قبل 12/11/1930 (بسند ملكية، بقيد في سجلات الطابو العثمانية، بمحاضر التحديد والتحرير، إلخ). أيّ صكٍّ لاحق يدّعي إنشاء سطحية بعد 1930 باطل بحكم المادة 31. ومسائل السطحية الراهنة في لبنان غالباً مسائل استمرار لحقوق قديمة، وإيقاف أو إلغاء بمقتضى المادة 30 المعدَّلة. أمّا الترتيبات العصرية التي تُشبه السطحية (البناء على أرض الغير ضمن صفقة تجارية أو إنمائية) فتُسلَك بطرق أخرى: عقد الإجارة الطويلة، عقد حق الاستثمار، عقد التطوير، أو الشركة بين مالك الأرض والمطوِّر.
ثامناً — حق الانتفاع (المواد 32–55)
حق الانتفاع هو الحق العيني الأوسع تطبيقاً في حياة الناس العادية: ينشأ بصكوك الإرث، بالهبة مع الاحتفاظ بالانتفاع، بالوصية، وبكثير من الترتيبات العائلية. وقرار 3339 يُخصِّص له أربعة وعشرين مادةً (32–55) موزَّعة على فصلٍ تعريفي وأربعة أقسام تنظِّم دورة حياة الحق من الإنشاء إلى السقوط.
القواعد العامة لحق الانتفاع (المواد 32–34)
#### تعريف وطبيعة (المادة 32)
الانتفاع هو حق عيني باستعمال شيء يخص الغير وبالتمتع به، ويسقط هذا الحق حُتماً بموت المنتفع. وتُضيف الفقرة الثانية قيداً جوهرياً: لا يجوز إنشاء حق الانتفاع لصالح أشخاص معنويين.
أربعة عناصر في النص:
- حق عيني: يجري على العقار ذاته، لا على شخص؛
- شيء يخصّ الغير: لا يكون المنتفع هو المالك الكامل (لمن جمع الصفتَين، تتوحَّد الصفتان فيسقط الحق)؛
- استعمال وتمتع، لا تصرف: المنتفع لا يبيع الأصل ولا يرهنه؛
- عمر إنساني: ينقضي حتماً بموت المنتفع، فلا يُورَث؛ وكذلك لا يَنشأ لصالح شخص معنوي (شركة، جمعية، مؤسسة) لأن الشخص المعنوي ليست له حياة بيولوجية وقد تَطول أعماره عمداً، وهو ما يُخلّ بحدود الانتفاع كحقّ مؤقت بطبيعته.
#### إنشاء حق الانتفاع (المادة 33)
ينشأ حق الانتفاع بمجرّد إرادة الإنسان ويمكن إنشاؤه إلى أجل أو بشرط. النصّ مرن: لا يفرض شكلاً خاصاً لإنشاء الحق سوى ما تفرضه قواعد التسجيل في السجل العقاري لإنفاذه في مواجهة الغير، ويترك للأطراف حريّة التعاقد على الانتفاع المؤقت أو المعلَّق على شرط.
#### محلّ الانتفاع (المادة 34)
يمكن إنشاء حق انتفاع — في المسائل العقارية — على الحقوق الآتية:
- الملكية؛
- التصرف؛
- السطحية؛
- الإجارتَين؛
- الإجارة الطويلة.
أي أن المنتفع قد يكون منتفعاً على أرضٍ ملك، أو على أرض أميرية (في يدِ صاحب حق التصرف)، أو على بناءٍ قائم بصفته سطحياً، أو على عقد إجارتَين أو إجارة طويلة. ولكلّ نوع آثاره الخاصة على ما يستحقّه المنتفع من ثمار أو يلتزم به من عناية.
التطبيق العملي ـ تخطيط التركة (Estate Planning): الترتيب الأكثر شيوعاً في لبنان هو أن يهب الأب أبناءَه الملكية الجافة (la nue-propriété) على عقار، ويحتفظ لنفسه ولزوجه بحق الانتفاع مدى الحياة. هذا الترتيب يُحقّق غايتَين: (1) نقل ملكية الأصل إلى الجيل التالي حين يكون الأهل قادرين على ذلك مالياً وضريبياً، و(2) ضمان استعمال الأهل وتمتُّعهم بالعقار ما داموا على قيد الحياة.
القسم الأول — موجبات المنتفع قبل مباشرة الانتفاع (المواد 35–38)
يُلزم القانون المنتفع، قبل مباشرته الانتفاع، بشرطَين أوّلَين قابلَين للإسقاط بنصّ السند المُنشِئ:
#### الكشف والكفالة (المادة 35)
على المنتفع، قبل مباشرته الانتفاع:
- أن يُنظِّم كشفاً بالعقارات (l’inventaire) لتحديد حالة كلّ عقار عند دخوله في الانتفاع؛
- أن يُقدِّم كفيلاً قديراً على الدفع (caution solvable) ضماناً لردّ العقار في نهاية الانتفاع بحالة قابلة للقبول.
ويجوز إعفاء المنتفع من هذَين الموجبَين بنصّ السند الذي يُنشأ بموجبه حق الانتفاع.
#### كيفية تنظيم الكشف (المادة 36)
يجب تنظيم الكشف بالعقارات بحضور المالك أو بعد دعوته بصورة قانونية، ويجب تحريره لدى الكاتب العدل على نفقة المنتفع. ويجوز للمنتفع أن يتفق ومالك رقبة العقار (بشرط أن يكون الطرفان راشدَين ولهما أهلية التعاقد) على وضع الكشف بالرضى وبدون نفقة.
#### إذا قُدِّمت الكفالة متأخّرة (المادة 37)
إذا قُدِّمت الكفالة متأخّرة، فالغلة التي يكون قد تناولها صاحب العقار في الأثناء تُرَدّ إلى المنتفع. ويجوز الاستعاضة عن الكفالة برهن أو بتأمين على أموال تُعتبَر وافية.
#### حال عدم تقديم كفالة (المادة 38)
إذا لم يُقدِّم المنتفع كفالة ولا ضمانة أخرى، فإن العقارات التي له عليها حق الانتفاع تُؤجَّر أو يُعيَّن لها حارس قضائي تُدفَع له أجرته من غلة العقار.
التطبيق العملي: غالبية صكوك إنشاء حق الانتفاع في الترتيبات العائلية تتضمّن إعفاءً صريحاً من الكفالة وتنظيم الكشف، وهو ما تُجيزه المادة 35 صراحةً. لكن في الترتيبات التجارية أو حين يكون المنتفع من خارج عائلة المالك (مثل وقفية ترتيب تأجير مع انتفاع لشخص ثالث)، يُستحسَن استبقاء هذَين الموجبَين لحماية حقوق صاحب الرقبة.
القسم الثاني — حقوق الاستعمال والتمتع العائدة للمنتفع (المواد 39–43)
#### نطاق حق الاستعمال (المادة 39)
للمنتفع حق الاستعمال، أي استخدام العقار لمنفعته الذاتية أو لمصلحته الشخصية، ويذهب هذا الحق إلى المدى الذي يذهب إليه حق صاحب الملك. ويشتمل حق استعمال الارتفاق، حق الصيد والقنص، ما لم يكن صاحب العقار قد أَجَّر هذه الحقوق قبل إنشاء حق الانتفاع.
#### حق الغلة (المادة 40)
للمنتفع حق بـغلة العقار: أي بالحاصلات الطبيعية أو النقدية التي يُغلِّها العقار في فترات معيَّنة منتظمة بدون إنقاص في جوهر العقار. وتدخل في الغلال:
- بدل تأجير حق الصيد والقنص؛
- حاصلات المناجم المستورة والمكشوفة والمقالع، إذا كانت هذه الحاصلات عائدة لصاحب العقار وبشرط أن يكون المنجم أو المقلع قد فُتح قبل بدء الانتفاع (أي أن المنتفع لا يحقّ له فتح منجم جديد ينقص جوهر الأرض)؛
- الأشجار إذا كانت تَغُلّ بآجال منتظمة (لاستهلاك حطبها أو بيعها).
#### توزيع الغلال في بدء الانتفاع وعند نهايته (المادة 41)
في بدء الانتفاع وعند نهايته، يصير توزيع الغلال التي لا تكون قد جُمعت بعد، أو ما كان باقياً منها بدون جمع، بين المنتفع وصاحب العقار بنسبة المدة التي كان فيها حق الانتفاع قائماً، والمدّة التي لم يكن قائماً فيها (مع مراعاة زمن إنتاج الغلال السنوي أو غير السنوي). وليس لصاحب العقار على المنتفع — ولا للمنتفع على صاحب العقار — حق استرداد شيء من نفقات الحراثة، إنما يُحسَب له ثمن الأسمدة والبذار التي تكون قد استُعملت لتحضير الغلة عند ابتداء الانتفاع أو عند نهايته.
#### احترام الإيجارات المعقودة قبل الانتفاع (المادة 42)
على المنتفع أن يحترم الإيجارات التي يكون قد عقدها صاحب العقار قبل الانتفاع. أمّا الإيجارات التي يعقدها المنتفع فإنها لا تسري على صاحب العقار بعد ثلاث سنوات من نهاية الانتفاع.
القاعدة الأخيرة قاعدة حماية لصاحب الرقبة: لا يستطيع المنتفع أن يربط العقار بعقود إيجارٍ طويلة الأمد تستمرّ في إلزام الرقبة بعد انقضاء انتفاعه. مهلة الثلاث سنوات بعد النهاية هي الحدّ الأقصى المسموح به.
التطبيق العملي: عند ترتيب إيجار في عقار يخضع لحق انتفاع، يجب أن يحرص المؤجِّر (سواء كان هو المنتفع أو صاحب الرقبة) على إفهام المستأجر بأن نفاذ الإيجار في مواجهة المالك المستقبلي (بعد انقضاء الانتفاع) محدود بثلاث سنوات بعد ذلك الانقضاء، وذلك إذا كان المؤجِّر هو المنتفع. وإلّا تَعرَّض المستأجر لمفاجأة بإخلائه بعد انقضاء الانتفاع وانتهاء مدّة الحماية الثلاثية.
#### حق التفرّغ عن حق الانتفاع (المادة 43)
يمكن للمنتفع أن يَتفرَّغ عن حقه مجاناً أو ببدلٍ، ما لم تكن في صكّ إنشاء حق الانتفاع أحكامٌ تخالف ذلك. ويظلّ حق الانتفاع بعد التفرّغ عنه قائماً في شخص المتفرِّغ، لذلك لا يكون المتفرِّغ في حلٍّ من موجباته تجاه صاحب رقبة العقار. ويسقط حق الانتفاع بموت المتفرِّغ لا بموت المتفرِّغ له.
هذه قاعدة دقيقة وعملية: المنتفع الذي يتفرَّغ عن انتفاعه إلى شخص ثالث (مثلاً يبيع انتفاعه) لا يَخرج من الترتيب نهائياً، بل يبقى مسؤولاً عن موجبات الانتفاع، ويبقى الحق مؤقتاً بحياته هو لا بحياة المتفرِّغ له. ولولا هذه القاعدة لاحتال المنتفع على شرط “السقوط بموت المنتفع” بتفرّغه إلى شخص أصغر سنّاً.
القسم الثالث — موجبات المنتفع في أثناء تمتعه (المواد 44–49)
#### معيار الرعاية (المادة 44)
على المنتفع أن يتمتّع بالعقار كمالك معتنٍ ومجتهد، وعلى الأخصّ:
- أن يُعلِم صاحب العقار بالتعدّيات التي يقدم عليها الغير على العقارات (وإلّا كان مسؤولاً عن الضرر الذي يلحق بصاحب العقار)؛
- أن يتابع العمل بصكوك الضمان (السيكورتا) المعقودة سابقاً، وأن يُسدِّد أقساط الضمان؛
- أن يتبع، في استعمال العقار والتمتع به، عوائد أصحاب العقار السابقين، ولا سيّما فيما يتعلّق بالغاية المعدَّة لها الأبنية، وبطريقة زراعة الأراضي، واستثمار الأحراج والمقالع — مع إمكانية أن يَزرع الأراضي البور، وبصورة أعمّ تحسين طرق الزراعة.
معيار “كمالك معتنٍ ومجتهد” معيارٌ موضوعي يُقاس على المالك المتوسط الحَذِر، ولا يكفي معه أن يقول المنتفع إنه فعل ما يفعله عادةً، بل يجب أن يكون فعله مطابقاً لما يُتوقَّع من مالك حريص.
#### النفقات المنقسمة (المادة 45)
الضرائب العقارية على مختلفها على عاتق المنتفع، وكذلك الترميمات اللازمة لصيانة العقار. أمّا التصليحات الكبيرة — أي التصليحات التي تقوم بتجديد قسم مهمّ من العقار وتستدعي مصاريف غير عادية — فإنها تترتب على صاحب الرقبة.
#### عدم إلزام أيٍّ منهما بإعادة البناء عند الهلاك (المادة 46)
لا صاحب رقبة العقار ولا المنتفع ملزَمان بإعادة بناء ما تهدَّم بسبب قِدَمه أو قضاءً وقدراً. إلّا أنه إذا حدث الانهدام إثر كارثة وكان العقار المهدوم مضموناً كلّه أو بعضه، يجوز — بناءً على طلب صاحب الرقبة أو المنتفع — استعمال قيمة التعويض لتجديد بناء العقار أو لترميمه.
#### المساهمة في تسديد دَين يقتضي تضحية برأس المال (المادتان 47 و48)
إذا وجب تسديد دَين يقتضي لتسديده تضحية قسم من رأس المال، فعلى المنتفع أن يُساهم في تسديد الدين بـتخفيض إيراداته تخفيضاً نسبياً، على الصورة الآتية:
- على صاحب العقار أن يدفع رأس المال اللازم، وعلى المنتفع أن يحسب له فوائد ما طال الانتفاع؛
- ومع ذلك يبقى للمنتفع الخيار في أن يُسلِف رأس المال، فيتوجب على صاحب العقار أن يردّ الرأسمال إلى المنتفع (بدون فائدة) بانتهاء مدة الانتفاع.
والنفقات التي يشترك في دفعها صاحب العقار والمنتفع، كما هو مذكور في المادة 47، تشمل (المادة 48):
- نفقات التصليحات الكبرى؛
- التكاليف غير العادية التي تُفرَض على العقار في أثناء الانتفاع (ضريبة خاصة بالحرب، تعويض يُدفَع لملتزم تجفيف المستنقعات عندما يُفرَض التجفيف بأمر السلطة العامة، إلخ)؛
- الحصة التي تَلحَق العقارات من الدين الموروث، فيما إذا كان حق الانتفاع جارياً على جميع عقارات المتوفّى. ولتعيين هذه الحصة تُقدَّر — إذا اقتضى الأمر — قيمة العقارات التي يتمتع بها المنتفع بالنسبة إلى قيمة مجموع التركة.
#### حصانة المنتفع من الدين المضمون بالعقار (المادة 49)
لا يَلتزم المنتفع — مبدئياً — بالدَّين المضمون بتأمين جارٍ على العقار الذي يتمتع به. أي أن وجود رهن أو تأمين على العقار قبل إنشاء الانتفاع لا يَنقل دَين الرهن إلى ذمّة المنتفع. ويبقى هذا الدين شأن صاحب الرقبة، وإن كانت المنفعة المتاحة للمنتفع تتأثّر بطبيعة الحال إذا ما نُفِّذ التأمين على العقار.
القسم الرابع — سقوط حق الانتفاع (المواد 50–55)
#### أسباب السقوط (المادة 50)
يسقط حق الانتفاع لأحد ستة أسباب:
- انتهاء أجله (إذا كان مؤقتاً بأجل محدَّد في صكّ الإنشاء)؛
- موت المنتفع؛
- تلف الشيء تلفاً تاماً؛
- عدول المنتفع عنه؛
- إسقاطه منه بسبب سوء الاستعمال (سيلي تفصيله في المادة 53)؛
- التوحيد: أي بجمع صفتَي المنتفع والمالك في شخص واحد.
ولا يكون لهذا السقوط مفاعيل قضائية إلّا بعد ترقين القيد المدوَّن في السجل العقاري. وينتقل حق الانتفاع، عند الاقتضاء، إلى التعويض عن ضمان (سوكرتا) أو عن استملاك لمنفعة عمومية.
ملاحظة على التعويض البديل: إذا اسْتُمْلِك العقار، لا يَنقضي حق الانتفاع بل ينتقل إلى بدل الاستملاك. الأمر نفسه إذا تلف العقار وكان مضموناً: حق الانتفاع ينتقل إلى بدل الضمان. هذه قاعدة حماية تَكفل بقاء الانتفاع موضوعياً قائماً حتى لو زالت عينه الأصلية.
#### مسؤولية المنتفع عن العطل (المادة 51)
عند انقضاء مدة الانتفاع، يكون المنتفع مطالَباً تجاه صاحب العقار بـالعطل الذي يصيب العقار بسببه. ولا يحقّ له أدنى تعويض عن التحسينات التي أحدثها فيه بدون رضى المالك. على أنه إذا كان قد حدث تحسين وعطل في آنٍ واحد، فيُعادل بينهما. أمّا الإنشاءات الجديدة التي يُحدثها المنتفع والأغراس التي يَغرسها فيُطبَّق بشأنها أحكام المادة 218 من قرار 3339 (تُعالَج في الجزء الخامس من السلسلة عند تناولنا قواعد الإلحاق).
#### قاعدة خاصة عند تلف بناية (المادة 52)
إذا لم يكن حق الانتفاع جارياً إلّا على بناية، وحدث أن تلفت هذه البناية بحريق أو بحادث آخر أو أنها سقطت من القِدَم، فلا يحقّ للمنتفع أن يتمتع لا بالأرض ولا بمواد البناء. ويكون الأمر عكس ذلك فيما إذا كان الانتفاع يشمل كلّ الأملاك التي تكون البناية جزءاً منها — ما لم تُطبَّق في الحالتَين المذكورتَين الأحكامُ الأخيرةُ من المادة 46 (أي استعمال بدل الضمان لإعادة البناء).
#### الإسقاط بحكم قضائي لسوء الاستعمال (المادة 53)
يمكن إسقاط المنتفع من حقه بحكم قضائي، بناءً على طلب صاحب رقبة العقار، بسبب تجاوز المنتفع حقوقه في التمتع، ولا سيّما إذا أحدث تخريباً في العقار أو إذا تَركه يَخرَب لإهماله العناية به.
وفي هذه الحال يُسمَح لدائني المنتفع أن يتدخّلوا في القضية، وأن يَعرضوا بأن يتولَّوا إصلاح ما تخرَّب، وأن يُقدِّموا ضمانات للمستقبل.
وللقاضي، حسب خطورة الظروف، إمّا أن:
- يحكم بإسقاط حق الانتفاع إسقاطاً مطلقاً؛
- أو يأمر بعدم تسليم العقار إلى صاحب رقبته إلّا على شريطة أن يدفع سنوياً للمنتفع — أو لمن انتقل إليه حقه — مبلغاً معيَّناً حتى الأجل المحدَّد لزوال حق الانتفاع.
الخيار الثاني نادر التطبيق لكنه قائم في النصّ: يُحوِّل حقّ الانتفاع إلى التزام سنوي بدفع مبلغ على صاحب الرقبة، فيحقّق التوازن بين حماية العقار من الإهمال وبين عدم حرمان المنتفع كلياً.
#### عدم تأثُّر الانتفاع ببيع الرقبة (المادة 54)
إذا باع صاحب الرقبة العقار الجاري عليه حق الانتفاع، فالبيع لا يُغيِّر حق المنتفع في شيء البتّة، بل يظلّ المنتفع يَتمتَّع به ما لم يتنازل عنه تنازلاً صريحاً. القاعدة قاعدة حماية أساسية: حق الانتفاع المُسجَّل ينتقل مع العقار إلى يدِ المشتري، ولا تُسقطه الصفقة، ولا يحتاج المنتفع إلى موافقة على البيع.
#### حماية دائني المنتفع من تصرّفات إضرارية (المادة 55)
يحقّ لدائني المنتفع أن يَعملوا على إبطال الرجوع إذا كان مضرّاً بمصالحهم. “الرجوع” هنا هو عدول المنتفع عن حقه (السبب الرابع للسقوط في المادة 50). فإذا تنازل المنتفع عن انتفاعه إضراراً بدائنيه (مثلاً ليُحرمهم من قبض غلال العقار جبراً ديونهم)، يحقّ لهؤلاء أن يستحصلوا على إبطال التنازل ليتسنّى لهم متابعة استيفاء ديونهم من غلال الانتفاع.
خلاصة وما يأتي في الجزء الثاني
غطّى هذا الجزء الأول الأرضية النظرية والتطبيقية لقانون الملكية العقارية اللبناني: فئات العقارات الثلاث، أنواع العقارات الخمسة في التصنيف العثماني المستمرّ، الحقوق العينية الإثنا عشرية، حق الملكية على الملك، حق التصرف على الأميرية، الشيوع (مع الإشارة إلى ما أُلغي بقانون 21/12/1954)، السطحية (المجمَّدة بالمادة 31 منذ 1930، والمعدَّل أحد أسباب سقوطها بالقانون 322/2001)، وحق الانتفاع بمراحله الأربع: قبل المباشرة، الاستعمال والتمتع، الموجبات في أثناء التمتع، السقوط.
كلّ ما يأتي في السلسلة يفترض إتقان هذه الأرضية. تحديد طبيعة الحق العيني (ملكية أم تصرف، انتفاع أم سطحية، حق شائع أم مفرَز) شرطٌ مسبق لتقدير ما يمكن إجراؤه عليه: أيّ نوع من البيع، أيّ نوع من الرهن، أيّ نوع من الإجارة، وأيّ نوع من القيد في السجل العقاري.
في الجزء الثاني ندخل عالم الارتفاقات العقارية: التعريف، أصناف الارتفاق الثلاثة (الطبيعي، القانوني، الذي يُحدثه الإنسان)، الارتفاقات القانونية الواقعة للمنفعة العمومية (المنفعة الخصوصية)، شروط استعمال الارتفاقات، وأسباب سقوطها — وذلك على ضوء المواد 56 إلى 118 من قرار رقم 3339. هذا الموضوع غني عملياً في النزاعات المتعلقة بحقوق المرور بين الأراضي، وحقوق المياه والإطلال، وحقوق الجوار في المباني المتلاصقة، وحقوق الارتفاق المستحدَثة بصكوك خاصة.