logo

WIDE RANGE OF EXPERIENCE IN REAL ESTATE, ARBITRATION AND ALL MAJOR BRANCHES

Recent posts

  • دليل عملي للمح...

  • دليل عملي للمح...

  • دليل شامل للنظ...

© Kallas Law firm.

Blog

Home / الدليل العملي لصياغة المرافعات  / تحديد المحكمة المختصة: تقدير القيمة والاختصاص بأنواعه الأربعة

تحديد المحكمة المختصة: تقدير القيمة والاختصاص بأنواعه الأربعة

مقدمة

بعد الاطمئنان إلى أهلية الخصوم وقيام الصفة والمصلحة وترتيب الدفوع، يبقى على المحامي أن يجيب عن السؤال الذي يقرر مصير الدعوى في الشكل قبل أي بحث في الموضوع: أمام أي محكمة تقام الدعوى؟ خطأ التقدير هنا لا يُعالَج لاحقاً بدفع في الموضوع، بل يُسقط الدعوى في الشكل أو يفتح الباب لدفع إجرائي يقضي برد الاستحضار أو إحالته إدارياً إلى المرجع المختص.

الجزء الثاني من سلسلة “الدليل العملي لصياغة المرافعات”

تناول الجزء الأول أهلية التقاضي والصفة والمصلحة وتصنيف الدفوع وقاعدة ترتيب إثارتها. ويتناول هذا الجزء القواعد الحاكمة لتحديد المحكمة التي يجب أن يُرفع الاستحضار أمامها: تقدير قيمة النزاع (المواد 69–71)، وأنواع الاختصاص الأربعة (المادة 72)، والاختصاص الدولي (74–80)، والاختصاص الوظيفي (81–82)، والاختصاص النوعي ودرجات المحاكم (83–95)، والاختصاص المكاني بنوعيه العادي والإلزامي (96–113). وهي القواعد الواردة في الباب الثاني من قانون أصول المحاكمات المدنية، والتي تتلاقى مع العتبات المالية الجديدة بعد المرسوم 13909 الصادر بتاريخ 12/9/2024 لتحدد في كل حالة المرجع المختص.

أولاً: تقدير قيمة النزاع (المواد 69–71)

لا يمكن تحديد المحكمة المختصة دون تحديد قيمة النزاع أولاً، إذ تتوقف العتبة المالية على هذا التقدير. وقد أفرد المشرع لهذه المسألة أربع مواد دقيقة.

العبرة بالطلبات لا بالوقائع (المادة 69)

“العبرة في تقدير قيمة النزاع بالطلبات الواردة في الاستحضار واللوائح.” هذه قاعدة بالغة الأهمية: المحكمة لا تقدر القيمة بحسب ما تبيّن لها من حقائق النزاع، بل بحسب ما طلبه الخصم. فصياغة الطلبات في الاستحضار هي التي تحدد المحكمة المختصة، لا التقدير الموضوعي للقاضي.

القواعد التسع لتقدير القيمة (المادة 70)

عدّدت المادة 70 تسع قواعد جوهرية في تقدير القيمة، نذكر الأبرز منها:

  • أصل الطلب دون الملحقات (البند 1): تُحتسب قيمة الطلب الأصلي وحدها، دون ما يستحق بعد إقامة الدعوى من فوائد ونفقات وتعويضات. فإذا طالب المدعي بدين قيمته مئة مليون ليرة لبنانية مع فوائد تأخيرية، فالعبرة بالمئة مليون فقط، لا بمجموع الأصل والفوائد.
  • تلازم الطلبات (البند 2): تُجمع الطلبات المتلازمة أكانت ناشئة عن سبب واحد أم عن أسباب مختلفة، وسواء قُدّمت في خصومة واحدة أم في خصومات ضُمّت لاحقاً. أما الطلبات غير المتلازمة فتُقدَّر كلٌّ منها على حدة. وهذا التمييز عملي: مطالبتان من دائن واحد في مواجهة مدين واحد تقوم كلتاهما على عقد مستقل قد لا تُجمعان في تقدير القيمة.
  • الحق كله عند النزاع فيه (البند 3): إذا طلب المدعي جزءاً من الحق وأثار النزاع في الحق كله، تُقدَّر القيمة على أساس الحق كله.
  • قيمة السند عند الإبطال (البند 6): إذا أُقيمت الدعوى بإبطال السند أو إلغائه أو فسخه، فالعبرة بقيمة الحق المثبت فيه.
  • الدعاوى العقارية (البند 7): تُقدَّر القيمة بقيمة العقار، وتُحتسب الإنشاءات والأغراس ولو طُلبت إزالتها.
  • البضاعة بسعر يوم الادعاء (البند 8): لا بسعرها يوم النزاع أو يوم التعاقد، بل بسعرها يوم إقامة الدعوى.

الموجبات التخييرية (المادة 71)

“في الدعاوى الناشئة عن موجبات تخييرية ينظر إلى الطلب الأعلى قيمة.” القاعدة عكس ما قد يتصوره البعض: عند تعدد البدائل في الموجب، تُحسب القيمة على أساس البديل الأعلى لا الأدنى.

ثانياً: أنواع الاختصاص الأربعة (المادة 72)

تُشكّل المادة 72 الإطار التصنيفي لكل ما يلي. حدّدت أربعة أنواع من الاختصاص يجب التحقق منها تباعاً:

النوع السؤال الذي يجيب عنه المواد الحاكمة
الدولي في أي دولة يجب أن تقدم الدعوى؟ 74–80
الوظيفي أي جهة قضائية — مدنية أم إدارية أم مذهبية/شرعية؟ 81–82
النوعي أي صنف ودرجة من محاكم الجهة القضائية الواحدة؟ 83–95
المكاني أي محكمة جغرافياً من بين محاكم الصنف والدرجة نفسها؟ 96–113

هذا التدرّج ليس عبثياً: الإجابة عن كل سؤال تفترض تثبيت الإجابة عن الذي يسبقه. لا معنى للبحث في الاختصاص النوعي قبل التأكد من الاختصاص الوظيفي، ولا معنى للبحث في الاختصاص المكاني قبل تحديد صنف المحكمة.

ثالثاً: الاختصاص الدولي (المواد 74–80)

المبدأ العام (المادة 74)

“يخضع الاختصاص الدولي للمحاكم اللبنانية مبدئياً للأحكام المتعلقة بالاختصاص الداخلي دون تمييز بين لبناني وأجنبي.” فالقواعد المكانية الداخلية (المواد 97 وما يليها) هي المرجع الأول لتحديد اختصاص المحاكم اللبنانية في النزاعات ذات العنصر الأجنبي، وتُطبَّق بصرف النظر عن جنسية الأطراف.

الحالات التي تختص فيها المحاكم اللبنانية

  • دعاوى الأحوال الشخصية بين لبنانيين (المادة 75): تختص المحاكم اللبنانية بالنظر فيها متى كان أصحاب العلاقة من اللبنانيين.
  • القضايا المتعلقة بلبناني أو بمصلحة في لبنان (المادة 76): تختص المحاكم اللبنانية إذا لم تكن هناك محاكم أخرى مختصة.
  • الامتيازات الممنوحة من الدولة (المادة 77): تختص المحاكم اللبنانية بالنزاع حول صحة أو مخالفة امتياز منحته الدولة اللبنانية أو اعترفت به، مع مراعاة أحكام التحكيم في المادتين 762 و809.
  • الدعاوى ضد من لا إقامة له في لبنان (المادة 78): تختص المحاكم اللبنانية في خمس حالات محددة، ومنها أن تتعلق الدعوى بمال واقع في لبنان أو بعقد أبرم فيه أو شُرط تنفيذ أحد التزاماته الرئيسية فيه؛ أو أن يكون موضوع الطلب تدبيراً مؤقتاً أو احتياطياً يتم في لبنان؛ أو أن تتعلق الدعوى بتسليم قاصر أو بالولاية أو الوصاية عليه والقاصر موجود في لبنان؛ أو أن تتعلق بمعارضة عقد زواج يُراد إبرامه في لبنان.
  • المنازعات الزوجية على عقد أبرم بالشكل المدني في الخارج (المادة 79): تختص المحاكم اللبنانية المدنية بالنزاعات الناشئة عن عقد الزواج الذي تم في بلد أجنبي بين لبنانيين أو بين لبناني وأجنبي بالشكل المدني المقرر في قانون ذلك البلد، مع مراعاة اختصاص المحاكم الشرعية والدرزية إذا كان الزوجان من الطوائف المحمدية وأحدهما على الأقل لبنانياً.

طبيعة عدم الاختصاص الدولي (المادة 80)

“يخضع عدم اختصاص المحاكم اللبنانية لقواعد عدم الاختصاص المكاني الداخلي، ويكون نسبياً ما لم يتعلق بحالة اختصاص إلزامية.” فعدم الاختصاص الدولي قابل للإصلاح بسكوت الخصم عن التمسك به في حينه، إلا إذا تعلق بحالة إلزامية — وهنا تُثيره المحكمة من تلقاء نفسها ويُدلى به في أي مرحلة (المادة 53 فقرة ثالثة).

رابعاً: الاختصاص الوظيفي (المادتان 81–82)

توزّع قانون أصول المحاكمات الاختصاص الوظيفي بين ثلاث جهات قضائية مستقلة، تحكم كلاً منها قوانين وأنظمة خاصة:

الجهة المجال القانون المرجع
القضاء المدني نزاعات القانون الخاص (الأصل) قانون أصول المحاكمات المدنية
القضاء الإداري نزاعات القانون العام (مجلس شورى الدولة) نظام مجلس شورى الدولة
القضاء المذهبي/الشرعي الأحوال الشخصية للطوائف المعترف لها قوانين الطوائف

قاعدة الربط (المادة 82): “يكون الاختصاص الوظيفي بحكم الاختصاص النوعي ما لم يرد نص مخالف.” فالقاعدة الأصلية أن الاختصاص الوظيفي يُتعامل معه كاختصاص نوعي — أي أنه من النظام العام بحكم الأصل، تُثيره المحكمة من تلقاء نفسها في أي مرحلة من مراحل المحاكمة (المادة 53 فقرة ثالثة). ولا يحق للأطراف الاتفاق على إخراج النزاع من جهته القضائية الطبيعية.

ويُحلّ النزاع الوظيفي بين الجهات القضائية — كاختصاص المحاكم المدنية مقابل الشرعية — بقرار من الهيئة العامة لمحكمة التمييز (المادة 95 فقرة ثالثة).

خامساً: الاختصاص النوعي ودرجات المحاكم (المواد 83–95)

الدرجات الثلاث (المادة 83)

محكمة التمييز المدنية
رئيس وعضوان
محكمة الاستئناف المدنية
رئيس ومستشاران
القاضي المنفرد المدني
قاضٍ واحد — المادة 86
الغرفة الابتدائية
رئيس + عضوان — المادة 85

تتألف محكمة الدرجة الأولى من غرف (كل غرفة رئيس وعضوان) ومن أقسام يتولى القضاء فيها قضاة منفردون (المادة 85). ويختص القضاء الابتدائي بجميع النزاعات المدنية والتجارية، إلا ما أُسنِد إلى محاكم خاصة بنص خاص (المادة 84).

اختصاص القاضي المنفرد المدني (المادة 86، معدّلة بالمرسوم 13909/2024)

اختصاص القاضي المنفرد المدني مزدوج: مالي ونوعي.

الأساس المالي: جميع الدعاوى الشخصية والدعاوى المتعلقة بمنقول أو غير منقول التي لا تتجاوز قيمتها خمسة مليارات ليرة لبنانية.

الأساس النوعي (بصرف النظر عن القيمة):

  • دعاوى النفوس، باستثناء ما يتعلق بالجنسية
  • طلبات حصر الإرث، ما لم يعترضها نزاع حول تعيين الورثة أو تحديد الأنصبة الإرثية
  • الدعاوى المتعلقة بعقود إيجار المنقول وغير المنقول والإدارة الحرة مهما كانت قيمة البدل، والدعاوى المتعلقة بالأشغال مع جميع الطلبات والدفوع الملازمة لها
  • دعاوى الحيازة
  • دعاوى منع التعرض لحق الري
  • الدعاوى المتعلقة بحقوق الارتفاق
  • دعاوى تعيين الحدود
  • دعاوى قضاء الأمور المستعجلة

مع مراعاة الاختصاص العائد للقاضي العقاري.

اختصاص الغرفة الابتدائية (المادة 90)

“الغرفة الابتدائية هي المحكمة العادية ولها اختصاص عام في القضايا المدنية والتجارية، ولا يخرج عن هذا الاختصاص إلا ما كان متروكاً بنص خاص إلى محكمة أخرى.” القاعدة إذن بسيطة وحاسمة: ما لم يوجد نص يُسنِد الاختصاص إلى القاضي المنفرد أو إلى محكمة خاصة، فالغرفة الابتدائية هي المختصة.

القاضي المنفرد بأدواره الثلاثة

يمارس القاضي المنفرد المدني ثلاثة أدوار مختلفة يحكم كلاً منها نظام إجرائي مستقل:

  1. القاضي المدني (المادة 86): النزاعات المدنية والتجارية وفق الأساسين المالي والنوعي.
  2. قاضي الأمور المستعجلة (المادة 579): التدابير المستعجلة دون المساس بأصل الحق — قراراته معجّلة التنفيذ بدون كفالة ما لم يأمر القاضي بتقديمها، وله عند الضرورة أن يأمر بتنفيذ القرار على أصله (المادة 585). ولا يقبل القرار الاعتراض، ويُستأنف خلال ثمانية أيام من تبليغه دون أن يكون الاستئناف موقفاً للتنفيذ (المادة 586).
  3. رئيس دائرة التنفيذ (المادة 87): تنفيذ الأحكام والسندات والقرارات التحكيمية.

الدلالة العملية: عندما يصدر القاضي قراراً بصفته قاضياً مستعجلاً، تختلف مهل الطعن وآثاره اختلافاً جوهرياً عن قراراته بصفته قاضياً مدنياً. وتعود هذه التفاصيل إلى الجزء المتعلق بالقضاء المستعجل في السلسلة.

قواعد عملية في الاختصاص النوعي

  • الإحالة الإدارية (المادة 91): إذا أقيمت الدعوى أمام الغرفة الابتدائية وكان الاختصاص يعود إلى القاضي المنفرد، أو بالعكس، فعلى المرجع المقامة أمامه أن يحيلها إدارياً إلى المرجع المختص دون حاجة إلى تقديم دعوى جديدة. ويحق للخصوم بعد إقامة الدعوى الاتفاق على أن يفصل فيها المرجع المقامة أمامه وإن لم يكن هو المختص بحسب قيمتها.
  • الطلبات المقابلة والمقاصة (المادة 88): ينظر القاضي المنفرد في جميع الطلبات المقابلة وطلبات المقاصة التي تدخل في نطاق اختصاصه ولو كان مجموعها مع الطلب الأصلي يتجاوز حدود هذا الاختصاص. وينظر مع الدعوى الأصلية في طلبات العطل والضرر المتفرعة عنها مهما بلغت قيمتها.
  • الطلب المقابل الذي يخرج عن الاختصاص (المادة 89): إذا خرج الطلب المقابل بحسب قيمته عن اختصاص القاضي المنفرد ودخل في اختصاص الغرفة الابتدائية، اقتصر القاضي المنفرد على الفصل في الدعوى الأصلية. أما إذا وجد أن الحكم في الطلب المقابل يؤثر على حلّ الدعوى الأصلية، فيُحيل الدعوى مع الطلب المقابل إلى الغرفة الابتدائية لتفصل فيهما معاً، ما لم يتفق الخصوم على أن يفصل فيهما القاضي المنفرد نفسه.

العتبات المالية بعد تعديل 2024

أدخل المرسوم 13909 الصادر بتاريخ 12/9/2024 تعديلاً جوهرياً على العتبات المالية في قانون أصول المحاكمات المدنية، إذ ضرب جميع المبالغ المالية الواردة في القانون بخمسين ضعفاً. وتنتظم هذه العتبات في جدولين مختلفين: جدول الاختصاص النوعي الذي يحدد أي محكمة ابتدائية تنظر الدعوى، وجدول مسالك الطعن الذي يحدد قابلية الحكم للاستئناف والتمييز.

#### الجدول الأول: الاختصاص النوعي بحسب القيمة (المواد 85، 86، 90)

قيمة الدعوى المحكمة المختصة ابتدائياً المادة
≤ 5 مليارات ل.ل. القاضي المنفرد 86 بند 1
> 5 مليارات ل.ل. الغرفة الابتدائية 85، 90
الدعاوى غير المالية القاضي المنفرد في الدعاوى المسماة في بنود المادة 86 (2–9)، والغرفة الابتدائية فيما عداها 86، 90

#### ملاحظة على مسالك الطعن بحسب القيمة

لا تتوقف قابلية الحكم للاستئناف والتمييز على اختصاص المحكمة الابتدائية، بل على عتبات مستقلة يجب الرجوع فيها إلى نصوصها:

  • الاستئناف (المادتان 640 و641): القاعدة أن الأحكام التي لا تتجاوز قيمتها 150 مليون ليرة لبنانية لا تخضع للاستئناف، مع استثناء محدد في المادة 641 للأحكام التي لا تزيد قيمتها على 40 مليون ليرة على أسباب إجرائية معددة.
  • التمييز (المادة 709): لا يُقبل الطعن بالتمييز في القضايا التي لا تزيد قيمتها على 300 مليون ليرة إلا على أسباب محددة من المادة 708.
  • تاريخ احتساب القيمة: تُحتسب بتاريخ تقديم الاستئناف أو التمييز، لا بتاريخ إقامة الدعوى (المادتان 640 و709).

محكمة الاستئناف ومحكمة التمييز (المواد 93–95)

تنظر محكمة الاستئناف في الطعن بالأحكام والقرارات القابلة للاستئناف الصادرة ضمن منطقتها عن محاكم الدرجة الأولى وعن دوائر التنفيذ واللجان والمجالس الخاصة، وفي طلب رد قضاة محاكم الدرجة الأولى (المادة 93). وتنظر محكمة التمييز في طلبات نقض الأحكام القطعية الصادرة عن محاكم الاستئناف في القضايا المدنية والتجارية، وفي طلبات نقل الدعوى من محكمة إلى أخرى في الحالات المنصوص عليها في المادة 116 (المادة 94). وتُفصَّل أسباب التمييز الثمانية (المادة 708) في جزء لاحق من السلسلة.

أما الهيئة العامة لمحكمة التمييز فلها اختصاص حصري في خمس مسائل عددتها المادة 95: مداعاة الدولة بشأن أعمال القضاة العدليين؛ والقضايا التي يثير حلها تقرير مبدأ قانوني هام أو يُخشى منها التناقض مع أحكام سابقة، وتُحال إليها بقرار من الغرفة المعروضة عليها الدعوى؛ وتعيين المرجع عند حدوث اختلاف إيجابي أو سلبي على الاختصاص بين المحاكم العدلية أو بينها وبين المحاكم الشرعية والمذهبية؛ والاعتراض على قرار مبرم صادر عن محكمة مذهبية أو شرعية لعدم الاختصاص أو لمخالفة صيغ جوهرية متعلقة بالنظام العام؛ واستدعاء نقض الأحكام لمنفعة القانون المقدم من المدعي العام لدى محكمة التمييز.

سادساً: الاختصاص المكاني (المواد 96–113)

النوعان: العادي والإلزامي (المادة 96)

“الاختصاص المكاني نوعان: عادي وله الطابع النسبي، واستثنائي وله الطابع الإلزامي.” هذا التمييز حاسم في الدفوع:

  • الاختصاص المكاني العادي: نسبي، يجوز للأطراف الاتفاق على خلافه (المادة 113 لا تمنعه في هذه الحالة). ويُدلى به كدفع إجرائي في بدء المحاكمة وقبل المناقشة في الموضوع (المادة 53)، وإلا سقط.
  • الاختصاص المكاني الإلزامي: من النظام العام. يُدلى به في أي مرحلة، وتُثيره المحكمة من تلقاء نفسها (المادة 53 فقرة ثالثة).

القاعدة العامة: محكمة المدعى عليه (المادة 97)

“يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها مقام المدعى عليه ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.” وعند تعدد المدعى عليهم، يكون الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرتها مقام أحدهم، بشرط أن يكون هذا الأخير مختصماً بصورة أصلية وأن تكون الطلبات متلازمة.

ويعتبر مكان السكن بمثابة المقام عند عدم وجوده، والمقام المختار بمنزلة المقام الحقيقي (المادة 97 فقرة ثانية).

قيد مهم: إذا قصد المدعي من اختيار محكمة أحد المدعى عليهم مجرد نزع الاختصاص عن القضاء الطبيعي إضراراً بالخصم، ترد الدعوى لعدم الاختصاص المكاني ويُحكم عليه بالتعويض (المادة 97).

قواعد الاختصاص المكاني العادي (المواد 98–106)

نوع الدعوى المحكمة المختصة المادة
الدعاوى العينية العقارية (بما فيها الحيازة والقسمة العقارية) محكمة مكان العقار؛ وإذا تعددت العقارات فمحكمة مكان أحدها 98
الدعاوى المختلطة والتعويض عن أصل الحق العقاري وإجارة العقار بحسب اختيار المدعي: محكمة مكان العقار أو محكمة المدعى عليه 99
الدعاوى المتعلقة بالعقد المدني أو التجاري محكمة مقام المدعى عليه، أو المقام المختار، أو محكمة مكان إبرام العقد إذا اشتُرط تنفيذ أحد التزاماته الرئيسية فيها، أو محكمة مكان التنفيذ الكامل 100
الدعاوى المتعلقة بالشخص المعنوي محكمة مركزه الرئيسي، أو محكمة مكان الفرع للدعاوى الناشئة عن التعاقد مع الفرع أو عن عمله 101
الدعاوى الناشئة عن جرم أو شبه جرم محكمة مقام المدعى عليه، أو محكمة مكان وقوع الفعل الضار أو الضرر 102
الدعاوى المتعلقة بدين النفقة محكمة مقام المدعى عليه أو محكمة مقام المدعي 103
الدعاوى المتعلقة بالرابطة الزوجية محكمة مقام المدعى عليه الأخير في لبنان 104
الدعاوى الإرثية قبل القسمة محكمة المحل الذي افتُتحت فيه التركة؛ أو محكمة مكان العقارات في لبنان إذا افتُتحت التركة في الخارج 105
إذا لم يكن للمدعى عليه مقام أو محل سكن في لبنان محكمة مقام المدعي أو محل سكنه؛ وإن لم يوجد، فمحكمة بيروت 106

قواعد الاختصاص المكاني الإلزامي (المواد 107–112)

تُعلن المادة 107 بداية القواعد الإلزامية: “يكون الاختصاص المكاني للمحاكم المعينة في المواد الآتية اختصاصاً إلزامياً.” وهذه القواعد لا يجوز الاتفاق على خلافها، وتُثار في أي مرحلة، من تلقاء المحكمة:

  • دعاوى الإفلاس (المادة 108): الاختصاص للمحكمة التي أشهرت الإفلاس.
  • دعاوى ضمان الحياة (المادة 109): الاختصاص لمحكمة مقام المضمون.
  • دعاوى ضمان الحوادث (المادة 110): الاختصاص لمحكمة مكان وقوع الحادث أو لمحكمة مقام المضمون.
  • دعاوى ضمان الحريق (المادة 111): الاختصاص لمحكمة مكان وقوع الحريق.
  • الدعاوى المسندة بنص إلى محكمة معينة (المادة 112): الاختصاص لهذه المحكمة دون سواها.

الاختصاص المكاني لمحكمة الاستئناف (المادة 113)

“ينحصر اختصاص محكمة الاستئناف المكاني بالنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم والمراجع القضائية الكائنة في منطقتها، ما لم يرد نص مخالف.”

سابعاً: نصائح عملية للمحامي

قبل صياغة الاستحضار

  1. ابدأ بتقدير القيمة قبل أي شيء. فالمادة 69 تربط القيمة بالطلبات في الاستحضار لا بالوقائع، وصياغة الطلبات هي التي تحدد المحكمة. ولا تُحتسب الفوائد أو التعويضات التي تستحق بعد إقامة الدعوى (المادة 70 بند 1).
  2. تحقق من التلازم بين الطلبات. المادة 70 بند 2 تربط جمع الطلبات بتلازمها لا بوحدة السبب القانوني. إذا كانت طلباتك غير متلازمة، فالعبرة بكلٍّ منها على حدة، وقد يترتب على ذلك تقسيم الدعوى بين محاكم مختلفة.
  3. راعِ تعديل 2024. المرسوم 13909 ضرب المبالغ المالية بخمسين ضعفاً. لا تعتمد على أرقام قديمة: راجع النص النافذ قبل اختيار المرجع، ولا سيما في الحالات الواقعة قرب العتبات (40 مليون، 150 مليون، 300 مليون، 5 مليارات).
  4. في الدعاوى ذات العنصر الأجنبي، ابدأ بالاختصاص الدولي. المادة 74 تُحيل إلى قواعد الاختصاص الداخلي، لكن المواد 75–79 تضيف حالات خاصة. وعدم الاختصاص الدولي نسبي ما لم يتعلق بحالة إلزامية (المادة 80)، فاحرص على إثارة الدفع في بدء المحاكمة إن كنت تريد التمسك به.

في الاختصاص المكاني

  1. لا تعتمد حصراً على القاعدة العامة. القاعدة العامة في المادة 97 (محكمة المدعى عليه) تحتمل استثناءات في المواد 98–105 قد تتيح لك اختيار محكمة أقرب لموكلك. لكن لا تختر محكمة أحد المدعى عليهم لمجرد نزع الاختصاص عن القضاء الطبيعي (فقرة ثالثة من المادة 97)، فقد يُرَدّ ادعاؤك ويُحكم عليك بالتعويض.
  2. ميّز بين المكاني العادي والمكاني الإلزامي. الدفع بعدم الاختصاص المكاني العادي يسقط إذا لم يُدلَ به في بدء المحاكمة (المادة 53)، أما الإلزامي فيُدلى به في أي مرحلة وتُثيره المحكمة تلقائياً. كن دقيقاً في تصنيف الاختصاص الذي تتمسك به.
  3. في الدعاوى العقارية، المكاني إلزامي عملياً. المادة 98 تُسنِد الاختصاص إلى محكمة مكان العقار في الدعاوى العينية العقارية والحيازة والقسمة العقارية. وهذا الاختصاص ذو طبيعة خاصة بسبب ارتباطه بالسجل العقاري وبسلطة المحكمة على العقار.

في الاختصاص النوعي

  1. استعمل الإحالة الإدارية بدل الدفع الشكلي. إذا اكتشفت أن خصمك رفع الدعوى أمام المرجع الخطأ داخل محكمة الدرجة الأولى (غرفة ابتدائية بدل قاضٍ منفرد أو العكس)، فالمادة 91 تُوجِب الإحالة الإدارية دون حاجة إلى تقديم دعوى جديدة. استفد من هذا لتوفير الوقت والرسوم — ويمكن أن تتفق مع خصمك على أن يفصل المرجع المقامة أمامه إن كان الاتفاق في صالح موكلك.
  2. ضع في حسابك الطلب المقابل. إذا كنت مدعى عليه أمام القاضي المنفرد وتنوي تقديم طلب مقابل تتجاوز قيمته اختصاصه، فالمادة 89 تمنح القاضي سلطة تقديرية في إحالة الدعوى كلها إلى الغرفة الابتدائية إن كان الحكم في الطلب المقابل يؤثر على حلّ الدعوى الأصلية. هذا عنصر استراتيجي في صياغة الطلب المقابل.

خلاصة

تحديد المحكمة المختصة ليس مسألة شكلية مجردة، بل هو القرار الأول الذي يرسم حدود الدعوى واستراتيجيتها. أربعة أسئلة يجب أن يجيب المحامي عنها تباعاً قبل أن يُودع استحضاره: في أي دولة؟ أمام أي جهة قضائية؟ أي محكمة من حيث الصنف والدرجة؟ وأي محكمة من حيث الموقع الجغرافي؟ خطأ في أيٍّ من هذه الأربعة يُعرّض الدعوى للإحالة أو الردّ، ويُضيّع على الموكل وقتاً قد يمتد شهوراً.

ويتكامل هذا الجزء مع الجزء الأول من السلسلة: فالأهلية والصفة والمصلحة هي التي تجعل الدعوى قابلة للقبول في أساسها، وقواعد الاختصاص هي التي تجعلها قابلة للقبول أمام المحكمة المعروضة عليها. وكلاهما يُبحث في الشكل قبل الموضوع، وكلاهما يُسقَط بالخطأ في الترتيب.

في الجزء الثالث من السلسلة، ننتقل إلى المرحلة التالية في حياة الدعوى: الإثبات — المبادئ العامة في المواد 131 وما يليها، ثم الإثبات الكتابي وإجراءاته.

Category: الدليل العملي لصياغة المرافعات

Focus Keyphrase: الاختصاص في قانون أصول المحاكمات المدنية

Meta Description: دليل عملي للمحامي اللبناني حول تحديد المحكمة المختصة — تقدير قيمة النزاع (المواد 68–71)، والاختصاص الدولي والوظيفي والنوعي والمكاني (المواد 72–113)، مع العتبات المالية بعد تعديل 2024 وجدول قواعد الاختصاص المكاني العادي والإلزامي.

Tags: قانون أصول المحاكمات المدنية, الاختصاص القضائي, تقدير قيمة النزاع, الاختصاص الدولي, الاختصاص الوظيفي, الاختصاص النوعي, الاختصاص المكاني, المادة 86, المادة 97, العتبات المالية 2024, المرسوم 13909, القاضي المنفرد, الغرفة الابتدائية, القانون اللبناني